الاعتراض الشعبي السياسي الذي نفذه "الثنائي الشيعي" أمام السفارة الإيرانية في بيروت، وداخل جلسة مجلس الوزراء، يعيد الى الذاكرة مشهداً مكرراً منذ العام 1983، ما يعيد عقارب الزمن الى حقبة ظن اللنبانيون أنها طُويت.
أمام السفارة الايرانية في بئر حسن، نُظّمت وقفة تضامنية اعتراضًا على سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، وإمهاله حتى الأحد لمغادرة الأراضي اللبنانية. إلا أن الحشد بدا متواضعًا مقارنة بمحطات سابقة.
وبالموازاة، قاطع وزراء "الثنائي الشيعي" جلسة مجلس الوزراء اعتراضًا على القرار، في خطوة تؤشر إلى محاولة تثبيت معادلة سياسية تعتبر أن العلاقة مع إيران ليست تفصيلاً دبلوماسيًا عابرًا، بل هي جزء من التوازنات الداخلية.
مشهد 1983 يتكرر
لا يمكن فصل التحرك الذي اتخذ الطابع الشيعي، عن الاشتباك السياسي في لبنان حول موقع إيران ودورها، لكنّه ليس اشتباكًا جديدًا بالكامل. فالمشهد الذي يتكرّر اليوم، مع قرار وزارة الخارجية اللبنانية، يعيد إلى الذاكرة لحظة مشابهة من تاريخ العلاقات اللبنانية-الإيرانية، حين اتخذت الدولة اللبنانية قرارًا مماثلًا قبل أكثر من أربعة عقود.
في أواخر العام 1983، قررت حكومة الرئيس شفيق الوزان، خلال جلسة عقدت برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميّل، قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وإغلاق سفارتها في بيروت، وطلبت من القائم بالأعمال محمد نوراني وأعضاء البعثة الدبلوماسية مغادرة لبنان.
لكن ما تلى القرار الرسمي يومها كان أن مجموعات شيعية تحركت وقطعت الطريق على مغادرة الدبلوماسي الإيراني، ونُظّمت اعتصامات لمنع تنفيذ القرار، في تعبير عن طبيعة العلاقة الخاصة التي بدأت تتشكّل حينها بين جزء واسع من البيئة الشيعية في لبنان وإيران، بوصفها حاضنة سياسية وعسكرية.
هذا البعد نفسه يعود اليوم ليحضر في خلفية المشهد الراهن. إذ إن قرار إعلان السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه لا يُقرأ فقط كخطوة دبلوماسية تقنية، بل كإشارة سياسية عالية السقف، تعكس حجم الاشتباك القائم على موقع لبنان في خريطة الاصطفافات الإقليمية الجديدة، وعلى حدود النفوذ الإيراني في الداخل اللبناني.
"لديكم الفاتيكان.. لدينا إيران"
تقول أميرة، وهي إحدى المشاركات في الوقفة، واستشهد أحد أقاربها في كفركلا، إن مشاركتها تأتي في إطار "وقفة تضامنية مع الجمهورية الإسلامية"، معتبرة أن "السفير الإيراني لا يتدخل في الشأن الداخلي اللبناني". وتضيف: "كما لديكم الفاتيكان مقدّس وتعتمدونه، نحن لدينا إيران".
وتقول مشاركة أخرى: "جئنا لنقف مع إيران. نحن نريد السفير الإيراني، ونحن مع الجمهورية الإسلامية والمقاومة". فيما اعتبرت مشاركة ثالثة أن "السفير الإيراني يمثلنا، وهذه الدولة هي الوحيدة التي وقفت معنا ومع فلسطين"، مضيفة "لا أحد يمثلنا سوى المقاومة ونبيه بري".
تكشف هذه المواقف عن استمرار حضور إيران بوصفها مرجعية سياسية وعسكرية لدى معظم البيئة الشيعية، في ظل شعور متراكم بأن هذه الفئة لا تملك مظلة حماية إقليمية بديلة. وفي المقابل، تحرص طهران على تثبيت موقعها كطرف ممسك بما تعتبره "الملف الشيعي" في لبنان، وركيزة من ركائز معادلة الردع في المنطقة.
غير أن المشهد اليوم يختلف عن مشهد الثمانينيات. فالاشتباك لم يعد محصورًا بقرار دبلوماسي أو حادثة سياسية عابرة، بل يأتي في سياق تحولات إقليمية أوسع، حيث يحتدم الكباش على الساحة اللبنانية، ليس في الميدان العسكري فقط، بل في الميدان السياسي أيضًا، على وقع محاولات إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بلغة الحديد والنار.
لبنان، الذي اتُهم بأنه دار في الفلك الإيراني طوال عقود، وتعاظم هذا النفوذ بصورة أكبر بعد الانسحاب السوري عام 2005، يبدو اليوم أمام مرحلة انتقالية لم تتضح معالمها النهائية بعد. مرحلة تتقاطع فيها الضغوط الدولية، والتحولات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، لتفتح باب السؤال مجددًا: هل ما يجري هو تعديل في قواعد العلاقة مع إيران، أم إعادة تفاوض على موقع لبنان نفسه داخل خريطة المنطقة؟
