في زيارةٍ خاطفةٍ إلى بيروت، حمل وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي رسالة تضامنٍ سياسيٍّ وإنسانيٍّ واضحة، مؤكّدًا، بعد لقائه رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، أنّ "مصر مستعدّةٌ لتلبية طلبات الأشقّاء في لبنان، وتقديم الدّعم السّياسيّ الكامل". وقال إنّ القاهرة "تسخّر اتّصالاتها لتخفيض التّصعيد، وتنسّق مع الشّريك الفرنسيّ في ذلك"، مجدّدًا "الدّعم والوقوف الكامل إلى جانب لبنان حكومةً وقيادةً وشعبًا".
ونقل عبد العاطي إلى عون رسالةً من الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، أكّد فيها "التّضامن الكامل من مصر، قيادةً وحكومةً وشعبًا، مع لبنان في هذه الظّروف الصّعبة". وكشف أنّ القاهرة تجري "اتّصالاتٍ مع إسرائيل وأميركا وفرنسا لخفض التّصعيد ووقف التوغّل البرّيّ الإسرائيليّ في لبنان"، مشيرًا إلى أنّها "تعمل على وساطةٍ بالتّعاون مع باكستان وتركيا لوقف التّصعيد في المنطقة"، وأنّها "تنقل مع تركيا وباكستان رسائل بين الجانبين الأميركيّ والإيرانيّ".
وأدان الوزير المصريّ "بشدّةٍ الانتهاكات الإسرائيليّة اليوميّة التي تمسّ سيادة لبنان ووحدة أراضيه"، مؤكّدًا "أهمّيّة تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، والانسحاب الإسرائيليّ الكامل من الأراضي اللّبنانيّة". وأضاف: "أكّدنا استعداد مصر لتلبية كلّ احتياجات لبنان، وقد حملنا معنا شحنة مساعداتٍ إنسانيّةٍ وطبيّةٍ وغذائيّةٍ لدعم الشّعب اللّبنانيّ، وخصوصًا النّازحين".
وفي ما يخصّ أزمة النّزوح، قال عبد العاطي إنّ "أزمة النّزوح الدّاخليّ تثير قلقًا كبيرًا، لكنّنا نثق بتماسك الشّعب اللّبنانيّ وبالحفاظ على السّلم الأهليّ في مواجهة التحدّيات". كما شدّد، خلال زيارته التي تستمرّ يومًا واحدًا إلى لبنان، على "أهمّيّة دعم الدّولة اللّبنانيّة والجيش اللّبنانيّ في القيام بمهامّه لفرض سلطة الدّولة وسيادتها على كامل الأراضي اللّبنانيّة، وحصر السّلاح بيد الدّولة حصرًا". وأضاف أنّ "الجهود المصريّة متواصلةٌ للعمل على خفض التّصعيد"، لافتًا إلى أنّه "مع أنّنا لم نتوصّل إلى مخرجاتٍ محدّدة، إلّا أنّنا متفائلون". كذلك أكّد "ضرورة انسحاب إسرائيل من لبنان وتطبيق القرار 1701".
عبد العاطي في عين التينة
ومن بعبدا، انتقل عبد العاطي إلى عين التينة، حيث اجتمع مع رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، وأكّد في تصريحٍ أنّه "يعوّل على حكمة الرّؤساء الثّلاثة للحفاظ على الأمن والسّلم الأهليّ في لبنان، ونبذل كلّ الجهود الممكنة لخفض التّصعيد ومنع الاجتياح الإسرائيليّ".
وتابع بري، خلال استقباله الوزير المصريّ والوفد المرافق، تطوّرات الأوضاع في لبنان والمنطقة، والمستجدّات السّياسيّة والميدانيّة، وملفّ النّازحين، على وقع مواصلة إسرائيل تصعيد عدوانها على لبنان وتداعياته الإنسانيّة.
وفي هذا السّياق، شدّد عبد العاطي على أنّ "مصر تدين الاعتداءات الإسرائيليّة والمساس بوحدة لبنان وسلامته وسيادته"، مضيفًا أنّها "تدين استخدام أسلوب العقاب الجماعيّ والتسبّب في النّزوح القسريّ لتحقيق أغراضٍ سياسيّة، وهذه أمورٌ مستهجنةٌ ومدانة، وتمثّل انتهاكًا سافرًا للقانون الدّوليّ ولميثاق الأمم المتّحدة".
من جهته، نوّه بري "بالمساعي المصريّة على مختلف الصّعد، ولا سيّما الإنسانيّة، وبالجهود الدّيبلوماسيّة الرّامية إلى وقف العدوان الإسرائيليّ". ووجّه الشّكر إلى جمهوريّة مصر العربيّة، رئيسًا وحكومةً وشعبًا، على "وقوفها الدّائم والمؤازر لبنان في مختلف الظّروف، وخصوصًا في هذه المرحلة الدّقيقة التي تحدّق بلبنان واللّبنانيّين جرّاء الحرب الإسرائيليّة".
وقال عبد العاطي، بعد اللقاء، إنّه نقل إلى بري "رسالة تضامنٍ ودعمٍ كاملٍ من جانب القيادة المصريّة والحكومة المصريّة والشّعب المصريّ إلى دولة لبنان الشّقيقة والشّعب اللّبنانيّ الشّقيق في هذه الظّروف الصّعبة". وأضاف أنّه موجودٌ في بيروت "بتعليماتٍ وتوجيهاتٍ مباشرةٍ من فخامة الرئيس السيسي للوقوف إلى جانب لبنان وتقديم كلّ الدّعم الإنسانيّ والسّياسيّ والإسناد الكامل".
وأشار إلى أنّه يرافق "شحنة المساعدات الرّمزيّة التي تقدّمها مصر، والتي تقترب من ألف طنٍّ من المساعدات الإغاثيّة والغذائيّة والإنسانيّة ووسائل الإعاشة، دعمًا للأشقّاء في لبنان الذين تضرّروا كثيرًا من العدوان الإسرائيليّ السّافر". وقال إنّ هذه الاعتداءات "أسفرت عن أزمة نزوحٍ داخليٍّ قسريٍّ، تمخّضت عن نزوح أكثر من مليونٍ وسبعين ألف مواطنٍ لبنانيٍّ تركوا ديارهم وأراضيهم بسبب هذه الاعتداءات الإسرائيليّة السّافرة".
وأضاف أنّ القاهرة، "جنبًا إلى جنبٍ مع الدّعم الإنسانيّ ورسالة التّضامن المصريّة، نقلت إلى فخامة الرئيس عون، ودولة الرئيس بري، ولاحقًا إلى دولة الرئيس نوّاف سلام، مجمل الجهود والمساعي الصّادقة والحثيثة التي تقوم بها مصر، بتعليماتٍ من الرئيس السيسي، لدعم لبنان، سواءٌ مع الأطراف الإقليميّة المختلفة أو مع الأطراف الدّوليّة، لسرعة لجم هذا العدوان الإسرائيليّ ووضع حدٍّ له". وأوضح أنّ هذه الجهود تشمل "الوقف الفوريّ لكلّ الاعتداءات على المنشآت المدنيّة والبنى التحتيّة المدنيّة، والعمل على دعم الدّولة اللّبنانيّة وتمكين مؤسّساتها الوطنيّة، وفي القلب منها الجيش الوطنيّ اللّبنانيّ، لكي يضطلع بمسؤوليّاته في ما يتعلّق بفرض سيادته على كامل التّراب الوطنيّ، والتعامل مع مسألة حصر السّلاح بيد الدّولة اللّبنانيّة بمفردها".
وتابع أنّ مصر "تبذل كلّ جهدٍ ممكنٍ مع الأشقّاء والأصدقاء في الولايات المتّحدة وفرنسا وكلّ الأطراف الإقليميّة المعنيّة لخفض التّصعيد في لبنان، ومنع الاجتياحات والغارات التي تستهدف مقدّرات الشّعب اللّبنانيّ". ولفت إلى أنّ هذا المسار "يتمّ جنبًا إلى جنبٍ مع جهود الوساطة المخلصة التي تقوم بها مصر لخفض التّصعيد في الملفّ الإيرانيّ، وإيجاد قنوات الاتّصال المباشر بين الجانبين الإيرانيّ والأميركيّ، وهو أمرٌ مهمٌّ جدًّا".
وفي ردٍّ على سؤالٍ عمّا إذا كانت هناك مبادرةٌ مصريّةٌ لوقف الحرب، قال عبد العاطي إنّ ذلك "في قلب الجهد المصريّ"، وإنّ القاهرة "تعمل على طرح أفكارٍ خلّاقةٍ لتحقيق وقف التّصعيد وتجنيب ويلات الاعتداءات الإسرائيليّة". وأضاف أنّ التحرّك المصريّ يجري "على كلّ المسارات، الأمنيّة والسّياسيّة والدّيبلوماسيّة، سواءٌ داخل لبنان أو في الإقليم أو على المستوى الدّوليّ"، والهدف منه "العمل بشكلٍ فعّالٍ لخفض التّصعيد وتمكين مؤسّسات الدّولة من فرض سيطرتها وسلطاتها، وخصوصًا أنّ الجيش اللّبنانيّ استطاع أن يحقّق الكثير على مدار الأشهر الماضية في منطقة جنوب الليطاني".
عبدالعاطي في السراي
كما واستقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي، يرافقه سفير مصر لدى لبنان علاء موسى.
وأكد وزير الخارجية المصري أنّ مصر تقف إلى جانب لبنان سياسيًا وإنسانيًا، مشيرًا إلى أنّ بلاده قدّمت 900 طن من المساعدات الإغاثية، وأن هذه الرزمة ليست سوى بداية، مع الاستعداد لتقديم المزيد. كما أشار إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها مصر على الصعيد الدبلوماسي لوقف التصعيد في المنطقة ولبنان، مؤكّدًا دعم بلاده لقرارات الحكومة اللبنانية.
من جهته، شكر الرئيس سلام مصر على وقوفها إلى جانب لبنان، وعلى مساعيها في الوساطة والتهدئة، مؤكّدًا على خطورة تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بشأن احتلال الجنوب حتى نهر الليطاني.
جولة لعبد العاطي على مدارس النازحين
وفي إطار جولته الميدانيّة، أكّد وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي، ردًّا على سؤالٍ لـ"المدن" حول الدّور الذي يمكن أن تلعبه مصر لمساعدة لبنان على الخروج من الحرب، أنّ "لمصر دورًا واضحًا ومستمرًّا ولن يتوقّف". ولفت، خلال جولةٍ قام بها على مدارس النّازحين، إلى أنّ القاهرة "تستخدم كلّ القنوات المتاحة، من قنواتٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ وديبلوماسيّة، للعمل على حشد الجهود الإقليميّة للدفع باتّجاه وقف الاعتداءات وخفض التّصعيد، وتجنيب لبنان مغبّة الانزلاق إلى حالةٍ من التّدمير".
وخلال جولةٍ له على مدرسة روضة عمر الأنسيّ الرّسميّة المختلطة، أكّد أنّ مصر "تتحرّك مع كلّ الأطراف المعنيّة، أميركا وفرنسا والطرف الإسرائيليّ، للعمل على تجنيب ووضع خطوطٍ حمراء لاستهداف أيٍّ من البنى التحتيّة، والعمل على تمكين الجيش اللّبنانيّ ومؤسّسات الدّولة لكي تفرض سيادتها ورؤيتها في ما يتعلّق بحصر السّلاح داخل الدّولة اللّبنانيّة". كما شدّد على "التّضامن الكامل مع كلّ من اضطرّوا إلى النّزوح القسريّ تحت العدوان، وعلى الأهمّيّة البالغة لحكمة القيادات والشّعب اللّبنانيّ في الحفاظ على السّلم الأهليّ والتآزر لتجاوز الظّروف الصّعبة"، معربًا عن ثقته بأنّ "لبنان سيخرج من هذه المحنة في أسرع وقتٍ ممكن".
علاء موسى لـِ"المدن":
بدوره، أكّد السفير المصريّ في لبنان، علاء موسى، لـ"المدن"، أنّ "الدّور المصريّ مستمرٌّ، وليس بجديد"، لافتًا، خلال جولةٍ قام بها برفقة وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي على مدارس النّازحين، إلى أنّ "مصر تقف إلى جانب لبنان وتساعده على كافّة المستويات، إن كان على المستوى الإنسانيّ أو السّياسيّ، للتخفيف من وطأة الأحداث الجارية في لبنان وعلى الشّعب اللّبنانيّ والنّازحين". وقال: "نسعى بكلّ جهدٍ، وبالتنسيق مع الأطراف في الإقليم، إلى الوصول إلى حلٍّ، وإلى أن نصل إليه سنستمرّ في هذا الدّعم، وما نشهده اليوم هو وصول شحنة مساعداتٍ إنسانيّةٍ تقدّر بنحو ألف طنٍّ". وأضاف: "نحرص على التّنسيق مع الوزارات المعنيّة في لبنان، وأكّدنا أنّه إذا احتاج لبنان إلى مساعداتٍ إضافيّة، فثمّة توجيهاتٌ من الرّئيس المصريّ لتلبية هذه الطّلبات".
