"الشعب الذي ينسى ماضيه محكوم عليه بتكراره". هذه العبارة الشهيرة لِونستون تشرشل جديرة بتأمل اللبنانيين في المرحلة الحاضرة الحاسمة من تاريخهم.
أواخر سنة 1983، قررت حكومة الرئيس شفيق الوزان، خلال جلسة عقدت برئاسة رئيس الجمهورية أمين الجميّل، قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وإغلاق سفارتها في بيروت، وطلبت من القائم بالأعمال محمد نوراني وأعضاء السفارة مغادرة لبنان.
كان السبب تورط طهران، من خلال دبلوماسييها في بيروت، في إيصال وحدات من "الحرس الثوري" إلى البقاع ودعم جماعات مسلحة تعتنق الفكر الخميني، أقدمت على مهاجمة الجيش اللبناني ووحدات "المارينز" والوحدات الفرنسية العاملة في إطار "القوة المتعددة الجنسية"، لا سيما بعد الهجومين الانتحاريين في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983 على مقرّي المارينز قرب المطار، والمظليين الفرنسيين في مبنى "دراكار" بالرملة البيضاء، مما أدى إلى مقتل 241 عسكرياً أميركياً و58 جندياً فرنسياً.
عندما تحدت الضاحية قرار الدولة اللبنانية
لم يغادر القائم بالأعمال والدبلوماسيون المتبقون معه لبنان على الفور، فكان المطار معطلاً بفعل أعمال القصف في عز "حرب الجبل". وعندما عاود العمل، حطت فيه طائرة إيرانية لنقل البعثة الدبلوماسية. بعد ذلك وجدت الدولة اللبنانية نفسها في مواجهة مشكلة خطيرة. فقد قرر "تجمع العلماء المسلمين"، الذي يضم مجموعة من رجال الدين الشيعة والسُنّة الموالين للنظام الإيراني، التمرد على قرار طرد الدبلوماسيين، ووجه إنذاراً إلى الدولة لتعيد العلاقات مع إيران في غضون شهر، وإلا...
أعلن "التجمّع" هذا الموقف التصعيدي خلال احتفال وداعي أقيم للقائم بالأعمال الإيراني في باحة مسجد الإمام المهدي بالغبيري. وسرعان ما تحول هذا الاستقبال إلى تجمع شعبي رُفعت فيه أعلام إيرانية وقُطعت خلاله طريق المطار بالإطارات المشتعلة. وألقى الشيخ حسن ملك خطبة نارية أعلن فيها أن السيد نوراني سيكون من الآن فصاعداً "ضيف الضاحية الجنوبية"، مندداً بزيارة رئيس الجمهورية أمين الجميّل إلى ليبيا، ومؤكداً أن العلاقات بطهران يجب أن تُستعاد في غضون شهر بحد أقصى.
أما القائم بالأعمال نوراني، فقال في خطابه: "عندما اتحدنا نحن مسلمو إيران، تمكنا من طرد الأميركيين. كيف يمكن هؤلاء أن يسكتوا الآن وهم يدركون أن مليار مسلم في طريقهم إلى الوحدة؟ وكما أكد الإمام الخميني، لو صب كل مسلم دلواً من الماء على إسرائيل لغرقت. أميركا و"المارينز" التابعون لها سيخرجون من هنا قبلنا بفضل شعب المؤمنين، إن تسونامي الثورة الإسلامية لا يُقهر".
أنهى نوراني خطابه وسط هتافات جمع كبير من الأنصار كانوا يرددون: "الموت لأميركا". وعندما أراد توديع الحاضرين، وقف رجال الدين ليُكرروا أن موظفي السفارة "ممنوعون من السفر". وبناءً على ذلك، غادرت الطائرة الإيرانية بيروت من دون ركابها. وتوجه نوراني إلى مقر وزارة الخارجية في قصر بسترس ليبلغ أمينها العام السفير فؤاد الترك بأنه "محتجز لدى علماء الدين". وحصلت مناقشة لهذه القضية في مجلس الوزراء، الذي لم يتخذ قراراً بشأنها.
انتفاضة 6 شباط: نقطة التحول
بعد نحو شهر وبضعة أيام وقعت "انتفاضة 6 شباط"، وغرق لبنان في فوضى لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. وبقي الدبلوماسيون الإيرانيون داخل لبنان، لكنهم نقلوا نشاطهم من مقر السفارة الرسمي إلى مناطق نفوذ حلفائهم. كانت تلك الحادثة بمثابة "بروفة" أو اختبار لقوة الدولة، أثبتت من خلاله القوى المؤيدة لإيران أن الجيش اللبناني وقوى الأمن غير قادرين على فرض قرارات سيادية.
ومع خروج بيروت (الغربية) عن سلطة الدولة وانشقاق اللواء السادس، تحققت رسالة إيران وحلفائها: "أميركا ستخرج، ونحن باقون". وتجسد واقع جديد بانسحاب "القوة المتعددة الجنسيات" عشية انتفاضة 6 شباط، وإلغاء "اتفاق 17 أيار" في 5 آذار 1984.
الناجي الأكبر: نبيه بري بين مجد الماضي وتحديات الحاضر
43 سنة مرت على تلك الأحداث، ولا يزال الرئيس نبيه بري "الناجي الأكبر" وصانع التحولات. الرجل المتقدم في السن كان هو القائد الشاب لحركة "أمل" الذي أعلن سقوط سلطة الرئيس أمين الجميّل وانشقاق الجيش، وفرض دوراً للشيعة تعاظم بالتقاء الحليفين الإيراني والسوري. لا يزال رئيساً لمجلس النواب منذ عام 1992، ولكنه في وضع شديد الصعوبة. فقد سقط نظام الأسد، والنظام الإيراني يتعرض لضربات مهولة، و"حزب الله" يُقاتل حتى الرمق الأخير، بينما العالم يصفق لقرار طرد السفير الإيراني من بيروت.
