في لبنان، لا نحبّ الأفكار الصادمة. نفضّل الكذب المهذّب، والإنكار الجماعي، والتمسّك بشعارات فقدت صلاحيتها منذ زمن طويل. نحبّ أن نعتقد أن "الدولة لا بدّ قادمة"، وأن "الحل ممكن"، وأن "الوحدة الوطنية خط أحمر". لكن ماذا لو توقّفنا لحظة عن هذا الأداء المسرحي غير المتقن؟
ماذا لو افترضنا، ببساطة، أن الدولة الواحدة القوية بسلاح واحد ليست فقط غير موجودة، بل غير قابلة للقيام في المستقبل المنظور؟ ماذا لو أنّ هذه الدولة ليست سوى أسطورة، لا تختلف كثيرًا عن أساطير "طائر الفينيق" الذي ينهض من الرماد؟
ثم ماذا لو سلّمنا بأن أيَّة دولة قد تقوم يومًا لن تكون سوى انعكاس صارخ للديموغرافيا؟ أي إنها لن تكون "علمانية" أو "دولة الجميع"، بل دولة مَن يملك الأكثرية العددية طائفيًا أو القدرة الفعلية على فرضها؟ وأنَّ كل ما عدا ذلك، من دساتير توافقية إلى شعارات العيش المشترك، ليس سوى ترتيبات مؤقتة لتأجيل الصدام، لا لمنعه؟
لنذهب أبعد...
يومًا بعد يوم، تصعب إعادة لُحمة "الشعوب اللبنانية" كما في السابق عبر اتفاقيات تبطن تقاسم الغنائم والثروات؛ ببساطة لأن الغنائم لم تعد موجودة أصلا. الثروات التي كانت تُشكّل مادة مغرية للتسويات -من وظائف، وامتيازات، ومشاريع وهمية وحقيقية، وإعادة إعمار، وصناديق، ودين عام- تبخّرت. ولم يعد هناك "غنائم" تُرضي أحدًا. وبالتالي، سقطت القدرة التقليدية للنظام اللبناني على شراء الوقت عبر توزيعها.
أما "شريعة الغالب والمغلوب"، التي يلوّح بها البعض ضمنًا أو علنًا، فقد جُرّبت مرارًا. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: جولات متتالية من الإنهاك المتبادل، تنتهي بتسوية هشّة تمهّد لانفجار جديد.
إقليميًا، لا يبدو المشهد أكثر طمأنينة. الخرائط تُرسم من جديد، أو على الأقل تُناقش بوقاحة غير مسبوقة، والمصائر تُتداول كأنها بنود في صفقات. أما إسرائيل، فجاهزة للانقضاض على أي خطر يهدد أمنها، ومستعدة لفرض أي معادلة تضمنه مهما كانت مسيئة لسيادة الدول المجاورة.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال: لماذا نصرّ على حلول نعرف مسبقًا أنها لن تعمل؟
علاج بالصدمة
هنا يُهمَس بأفكارٍ تبدو للوهلة الأولى جنونية، أو على الأقل غير قابلة للنشر. أفكار لا تحاول تجميل الواقع، بل تذهب معه إلى نهايته المنطقية أو العبثية: بدل الاستمرار في محاولة إجبار "شعوب" لا تريد العيش معًا في ظل هيمنة أحدها على الآخر على التعايش القسري، لماذا لا نجرؤ على طرح الانفصال البشري المنظَّم؟ ذلك بالاختيار بين سيناريوهين:
سيناريو1: فتح باب الرحيل أمام من يرغب من المسيحيين اللبنانيين إلى دول أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا، مع منحهم حقوق مواطنة كاملة تؤمن لهم حياة كريمة وآمنة. أليس هذا ما يحدث فعليًا، ولكن بطريقة بطيئة ومهينة؟ أليس هذا ما تقوم به العائلات اللبنانية منذ عقود حين ترسل أبناءها وبناتها إلى الخارج؟ الفرق هنا هو الاعتراف بالواقع بدل إنكاره. في هذا السيناريو، يُترك "البلد" لمسلميه، يديرون شؤونه وفق توازناتهم و"تطلّعاتهم".
سيناريو 2: عكس الأول. فتح باب الرحيل أمام المسلمين السنّة إلى دول الخليج العربي، والشيعة إلى العراق وإيران، مع منحهم أيضًا مواطنة كاملة وحياة كريمة، ضمن قوانين هذه الدول المزدهرة اقتصاديًا والواسعة جغرافيًا، وترك لبنان للمسيحيين (أو لإدارتهم) ككيان صغير لهم الحق فيه أسوة بشعوب المنطقة.
هل يبدو هذا الطرح صادمًا؟ بالتأكيد. هل هو أخلاقي؟ هذا سؤال آخر. لكن هل هو أكثر عبثية من الإصرار على نموذج فشل مرارًا وتكرارًا؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي. والمفارقة أن هذا الاقتراح، رغم قسوته، قد أصبح أقل عنفًا من العنف المزمن الذي نعيشه؛ لأنه يفترض خروجًا منظّمًا ومستقبلًا آمنًا للجميع بدل الانفجار الفوضوي المستمر.
طبعًا، الاعتراضات جاهزة: "الوحدة الوطنية"، "أرض الأجداد"، "لبنان الرسالة". كلها عبارات جميلة، ومؤثرة، ومليئة بالحنين. لكنها في لحظة الصراحة، لم تعد قادرة على إنتاج واقع يوازي ثلث بلاغتها اللغوية وثقل ثمنها على حيوات ومصائر الناس. نستخدمها كذريعة لتأجيل سؤال بسيط ومؤلم: هل ما زال هذا الكيان قابلًا للحياة بالشكل الذي نعرفه؟
حتى "الفدرالية"، التي تُطرح أحيانًا، تفترض وجود دولة مركزية قوية لإدارة الشؤون السيادية (الجيش، السياسة الخارجية، الاقتصاد الكلي). وهي تحديدًا النقاط التي يدور حولها النزاع الأساسي. أي أننا نعود إلى المربع الأول، ولكن بديكور مختلف.
وفي العمق، تنظر كل جماعة لبنانية تاريخيًا إلى الخارج، الذي نقترح استقباله لها، كامتداد طبيعي لها؛ فالمسافة النفسية بين المجموعات و"رعاتها" الخارجيين لطالما كانت أقصر من المسافة بين بعضها البعض.
قد يقول قائل إن هذا الطرح يفتح الباب أمام "تطهير ديموغرافي ناعم". وربما يكون محقًا. لكن ماذا نسمي ما يحدث اليوم؟ هجرة جماعية، نزف بشري، تآكل بطيء للكيان، بلا خطة ولا اعتراف. الفرق أن ما يحدث الآن يتم بصمت، وبخسائر فردية، بينما الاقتراح يحاول، ولو نظريًا، تحويله إلى مسار واضح، قابل للنقاش.
في النهاية، من المجدي كسر المحرّم الفكري الذي يمنعنا من التفكير خارج الصندوق الذي انهار فعليًا. أحيانًا، نحتاج إلى فكرة صادمة كي نكتشف أن "الطبيعي" الذي نتمسك به لم يعد طبيعيًا أصلًا.
لكن… ماذا لو أن الطلاق ليس حتميًا بعد؟
كل ما سبق يقود إلى نتيجة واحدة: الطلاق. طلاق "حبّي" إن أحسنّا إدارته، أو دموي إن تركناه للغرائز والتاريخ. لا شيء في الواقع يوحي بإمكانية تفادي هذا المصير. ومع ذلك، قد تكون هناك نافذة ضيّقة لم تُغلق تمامًا بعد، تقوم على اتفاق صريح وقاسٍ بين مكوّنات لا تثق ببعضها، لكنها قد تقرر أن كلفة الانفصال أعلى من كلفة إعادة تعريف قواعد العيش معًا.
هذا الاتفاق يجب أن يكون "شرعة" تُدرج في صلب الدستور، وتضع أساس الحد الأدنى لمنع اضمحلال الدولة، وفق مبادئ أبرزها:
أولا، وربما الأكثر بداهة، احتكار الدولة وحدها للسلاح وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بلا استثناءات أو "خصوصيات".
ثانيًا، حياد لبنان النهائي عن صراعات المنطقة والعالم. تعاطف الأفراد والمجموعات مع القضايا المختلفة سقفه القانون والدستور وحرية الرأي فقط لاغير، تماما كبقية دول العالم.
ثالثًا، علاقات لبنان الخارجية تحددها المصلحة العليا للدولة. ولبنان الذي لن يعادي أي بلدٍ لا يعاديه لن يدخل في أي أحلاف أو تكتلات سياسية إقليمية أو دولية أو في أي محاور. وسيكون صديقًا لكل من يصادقه.
رابعًا، منع استخدام لبنان كمنصة لأي نشاط مؤذٍ لأي دولة أخرى، أو ساحة لتصفية الحسابات.
خامسًا، حصر قرار الدفاع عن السيادة بالدولة وحدها. الدول الصغيرة الهشة لا تعيش بالاستعراض أو بالمغامرات، بل بقدرتها على ابتكار دور لها يصونها ويجعلها "حاجة" لمحيطها والعالم.
سادسًا، اعتماد لامركزية فعلية تخفف الاحتقان وتمنح كل مجموعة هامشًا لإدارة شؤونها المحلية، فتخلق مسافات آمنة تسمح بإعادة "تطبيع" العلاقات بين مكوّنات لم تعد قادرة على العيش في احتكاك دائم.
هذه المبادئ، بطبيعة الحال، لا تبني دولة حديثة فورًا. لا تعالج فساداً، ولا تعيد هيكلة اقتصاد، ولا تصلح إدارة، ولا تقتصّ من جناة فتحقق عدالة. لكنها قد تكون المدماك الأول لاستمرار "الزواج". قد يرفضها كثيرون اليوم. ولكن في لحظة ما، سنجد أنفسنا أمام خيارين: إما القبول بقواعد جديدة واضحة للعيش معًا، أو الذهاب إلى طلاق لن يكون هذه المرة "حبّيًا" ولا منظّمًا. عندها فقط، ستبدو هذه الأفكار أقل راديكالية مما تبدو عليه اليوم.. وأقل كلفة بكثير.




