بينما تقترب النيران الإسرائيليّة من رسم خرائط ديموغرافيّة وجغرافيّة جديدة تصل إلى الليطاني، وربما الزهراني، تبدو الدولة في بيروت غارقة في صراع صلاحيات وحسابات ضيّقة حول طرد سفير أو بقائه. المشهد اللّبنانيّ اليوم يختصر مأساة بلد يُحوِّل الصراع الوجودي مع الخارج إلى "تآكل ذاتي" في الداخل، حيث يتجاذب الجميع ما يمكن من نفوذ، ولكن فوق الركام.
فقد فجَّر قرار وزير الخارجية يوسف رجّي بطرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني لغمًا سياسيًّا في التوقيت الأكثر حرجًا. وفيما يبدو رئيس الحكومة نواف سلام متبنِّيًا لخيار "الحسم الدبلوماسيّ" لترميم علاقة لبنان بالشرعيّة الدوليّة، اختار الرئيس جوزاف عون التموضع في "المنطقة الوسطى". فهو بدا "في الأجواء"، لكنّه يرفض الصدام المباشر، تاركًا الباب مواربًا أمام تسوية قد تنتهي بـِ "تحذير" السفير بدلاً من طرده، تجنّبًا لكسر الجرّة نهائيًّا مع طهران والقوى الشيعيّة.
وتتجه الأنظار إلى جلسة الحكومة غدًا، حيث تشير المعطيات إلى أنّ وزراء أمل وحزب الله سينتهجون استراتيجيّة "الاعتراض الوقائي". والسيناريو المرجَّح ليس الاستقالة، بل الانسحاب من الجلسة في حال الإصرار على طرد السفير، وهو ما يعني شلّ القدرة التنفيذية للدولة في لحظة تتطلّب أعلى درجات الجهوزية. ووفق مصادر في الحكومة، يعكس هذا السلوك انفصامًا بين "منطق الدولة" التي تسعى إلى فرض هيبتها، و"منطق المكوّنات" التي ترى في السفير الإيراني خطًّا أحمر.
وكان لافتًا بيان الجيش الذي أوضح حيثيات الصاروخ الذي تمّ اعتراضه أمس فوق كسروان، إذ أشار إلى أنه إيراني الصنع، من نوع "قدر، 110"، وأنّ هدفه المرجّح كان خارج الأراضي اللبنانية. كما أكّد أنّه لا توجد أيّ منصّات صواريخ اعتراضية داخل الأراضي اللبنانية. ووفق البيان، فإنّ الصاروخ باليستي موجّه، يبلغ طوله نحو 16 مترًا، ومداه نحو ألفَي كيلومتر، ويحتوي على عدّة صواريخ صغيرة الحجم.
وكلّ هذا يجري فيما انتقلت إسرائيل إلى مرحلة تتجاوز فيها الدولة اللبنانية بالكامل، عبر تصعيد حربها للسيطرة الميدانية وتأمين حدودها بالقوّة النارية، على الأقل حتى الليطاني أو الزهراني.
وبذلك، يبدو لبنان اليوم "خارج الكادر". فبينما يختلف اللبنانيون على تفاصيل بروتوكولية ومواقف سياسية تجاه سفير، تتحرّك الجغرافيا من تحت أقدامهم. وفي النهاية، سيحصلون على "لا شيء": لا سيادة في الداخل، ولا اعتراف في الخارج، ولا أرض في الجنوب. وبالفعل، ينتحر لبنان ببطء في "صالونات السياسة الداخلية"، بينما يُكتب مستقبله بدمٍ ونار على ضفاف الليطاني والزهراني.
أزمة السفير: الدولة المربكة والمحور المستنفَر
كلّ الأنظار تتجه إلى جلسة الحكومة المقرّرة غدًا الخميس، والتي يُتوقَّع أن تشهد نقاشًا ساخنًا حول مسألة طرد السفير الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني من لبنان، وما استتبعها من ردود فعل تنذر بأزمة قد تُفجِّر الحكومة من الداخل، بالنظر إلى التباين الواضح بين الوزراء على خلفية القرار.
مصادر وزارية أبلغت "المدن" أنّ هذا الملف سيُطرح حُكمًا على طاولة النقاش، أقله من جانب وزراء "الثنائي"، إلا إذا نجحت الاتصالات الجارية في الكواليس في تعطيل صاعق الانفجار قبل لحظة التفجير السياسي. ذلك أنّ الأزمة لم تعد محصورة بعنوان دبلوماسي، بل تحوّلت إلى اختبار توازنات داخل السلطة نفسها: من يملك قرار الدولة، ومن يملك حقّ تعطيلها، ومن يضع السقف السياسي للسيادة وحدودها.
وتستبعد هذه المصادر استقالة وزراء "الثنائي"، أو انسحابهم الكامل من الحكومة، أو خروج جميع الوزراء الشيعة منها. لكنّ الاحتمال الأكثر تداولًا يتمثّل في انسحاب وزراء أمل وحزب الله من الجلسة، لا من الحكومة، أو الذهاب إلى اعتكاف سياسي مدروس، بما يوجّه رسالة اعتراض حادّة من دون الذهاب إلى الانفجار الشامل. وبحسب هذه القراءة، فإنّ الاستقالة ليست واردة حاليًّا، لأنّها ترفع كلفة المواجهة على الجميع، فيما المطلوب من وجهة نظر الأطراف المعترضة هو تطويق ذيول أزمة "كان البلد في غنى عنها".
رمي الكرة في ملعب عون: أم كشف مأزق القرار؟
في موازاة ذلك، تستغرب مصادر سياسية منخرطة في خطّ المعالجة رمي كرة الحلّ في ملعب رئيس الجمهورية جوزاف عون، وتقول بوضوح: "يرتكبون الخطأ ويرمون المسؤولية على غيرهم". وتؤكّد هذه المصادر أنّ قبول أوراق اعتماد السفراء يندرج أصلًا ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، لا وزير الخارجية، بما يعني أنّ أيّ خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها قفزًا فوق التراتبية الدستورية والسياسية.
وتضيف أنّ القرار لم يُحرج طرفًا واحدًا، بل أحرج الجميع، لأنّه صعّب المخارج بدل أن يفتحها. وتسأل: كيف يتصوّر من اتخذ القرار آلية تنفيذه؟ وهل يمكن للدولة اللبنانية أن تذهب إلى مقرّ السفارة، وهي تُعدّ وفق الأعراف أرضًا تابعة للدولة الممثَّلة، لتطرد السفير بالقوّة؟ في هذا السؤال يكمن جوهر المأزق: قرار مرتفع السقف، من دون تصوّر واقعي لكلفة تنفيذه أو آثاره.
في المقابل، تؤكّد مصادر "الثنائي" أنّ الاتصالات لا تزال قائمة لتدارك التداعيات، ومعالجة الأمر عبر مخرج يحفظ ماء وجه الجميع. وتضع هذه المصادر المخارج في عهدة "من بيدهم القرار والفصل"، في إشارة واضحة إلى أنّ الحلّ الفعلي لن يُصنع في الإعلام، بل في التفاهمات الرئاسية، وربما عبر إعادة توصيف ما جرى على أنّه "تحذير سياسي" لا "قرار طرد" نهائي. وتلفت إلى أنّ "الجميع كان على علم"، وأنّه "لو توافرت النيات الحسنة لكان بالإمكان إيجاد المخارج بسهولة".
هنا، لا يبدو الخلاف على سفير فحسب، بل على وظيفة السلطة نفسها: هل هي سلطة قرار سيادي فعلي، أم سلطة إدارة تناقضات داخلية، تُصدر مواقف كبرى ثم تعود لتبحث عن تسويات صغرى؟
حكومة على حافّة الشلل في لحظة الخطر
الأخطر في هذا المشهد أنّ الدولة تدخل هذا الاشتباك الداخلي في لحظة إقليمية وعسكرية شديدة الحساسية. فلبنان لا يقف أمام أزمة بروتوكولية مع سفير، بل أمام اختبار بقاء سياسي وأمني. وإذا انسحب وزراء أساسيون من الجلسة، أو تحوّل الاعتراض إلى اعتكاف مفتوح، فإنّ الحكومة ستفقد قدرتها التنفيذية في توقيت يتطلّب أعلى درجات التماسك، لا سيّما مع اتّساع نطاق النار الإسرائيلية، وارتفاع منسوب القلق من تحوّلات الميدان.
هذا هو التناقض اللبناني المزمن: حين تقترب المخاطر الوجودية من الأبواب، تنكفئ النخبة إلى نزاعات الصلاحيات، وكأنّ البلاد لا تواجه حربًا مفتوحة بقدر ما تواجه خلافًا إداريًّا على ترتيب المقاعد داخل مجلس الوزراء.
إسرائيل تتقدّم، ولبنان يتلهّى بنفسه
في هذا الوقت، تبدو إسرائيل وكأنّها حسمت خيارها: تجاوز الدولة اللبنانية بوصفها طرفًا عاجزًا، والتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الوقائع بالنار. لم تعد المسألة في الحسابات الإسرائيلية مرتبطة فقط بالردع أو الضربات الموضعية، بل باتت تلامس فكرة إعادة رسم الشريط الحدودي، وربما فرض معادلات ميدانية جديدة تمتدّ حتى الليطاني، أو أبعد، وصولًا إلى الزهراني في أسوأ السيناريوهات.
صحيفة "معاريف" العبرية قرأت الجبهة اللبنانية من هذه الزاوية تحديدًا، معتبرة أنّ "حزب الله" يواجه ضغوطًا متزايدة على وقع احتمال التوصّل إلى تفاهم أميركي، إيراني يوقف القتال مع طهران، لكنّه يترك إسرائيل تواصل عملياتها في لبنان. هذه الفرضية، بحدّ ذاتها، تكشف حجم القلق داخل الحزب من احتمال أن يجد نفسه، ومعه بيئته اللبنانية، في مواجهة مصير منفصل عن مصير طهران، أو على الأقل أقلّ حماية ممّا كان يعتقد.
وفق التقرير، فإنّ أكبر ما يخشاه الحزب اليوم هو أن تتحوّل التسويات الإقليمية إلى أداة عزله ميدانيًّا، بحيث تستعيد إيران بعض شروطها التفاوضية، فيما يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحساب الإسرائيلي، الأميركي. وهذا ما يفسّر، في قراءة كثيرين، ارتفاع منسوب الخطاب التعبوي، بالتوازي مع تشدّد داخلي في ملفات من نوع طرد السفير أو حصرية السلاح أو موقع الحكومة في المعادلة.
ما وراء الليطاني: العقيدة الإسرائيلية الجديدة
القراءة الإسرائيلية للميدان لا تقف عند حدود الاشتباك اليومي. فالتقرير نفسه يتحدّث عن عمل عسكري "بوتيرة محدودة"، لكن ضمن خطة أشمل تقوم على دفع "حزب الله" إلى ما وراء نهر الليطاني، من دون الحاجة إلى مناورة شاملة في هذه المرحلة. المعنى السياسي والعسكري لذلك واضح: إسرائيل تريد تغيير قواعد السيطرة من الجوّ والنار والمرتفعات، لا بالضرورة عبر احتلال تقليدي مباشر، بل عبر فرض شريط ردعي ناري يمنع العودة إلى ما كان قائمًا قبل الحرب.
والأخطر في هذه المقاربة هو ما يُنقل عن نية إسرائيل عدم السماح بعودة السكان الشيعة إلى جنوب لبنان، بما يحمّل "حزب الله" والحكومة اللبنانية معًا عبء التداعيات الاجتماعية والديموغرافية. هنا، لا تعود الحرب مسألة عسكرية فقط، بل تصبح مشروع ضغط مركّب، غايته كسر البيئة، وإحراج الدولة، ودفع الداخل اللبناني إلى التآكل من تلقاء نفسه.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يتحوّل الصراع حول السفير الإيراني إلى تفصيل صغير في مشهد أكبر: إسرائيل تبني الوقائع، واللبنانيون يتنازعون على اللغة التي سيصفون بها الانهيار.
صاروخ كسروان..الجيش يقدّم روايته
وسط هذا الضجيج، جاء بيان قيادة الجيش ليضيف بُعدًا أمنيًّا بالغ الحساسية إلى المشهد. فقد أوضحت القيادة ملابسات سقوط أجزاء من صاروخ على نطاق جغرافي واسع، مشيرة إلى أنّ الصاروخ إيراني الصنع، من نوع "قدر، 110"، وأنّ هدفه المرجّح كان خارج الأراضي اللبنانية. كما أكّدت أنّه لا توجد أيّ منصّات صواريخ اعتراضية داخل الأراضي اللبنانية.
ووفق البيان الصادر عن مديرية التوجيه، فإنّ الصاروخ باليستي موجّه، يبلغ طوله نحو 16 مترًا، ومداه نحو ألفَي كيلومتر، ويحتوي على عدّة صواريخ صغيرة الحجم. وقد انفجر على علوّ مرتفع، ما يرجّح أنّ هدفه كان خارج لبنان، وأنّ سبب انفجاره يعود إمّا إلى خلل تقني، وإمّا إلى صاروخ اعتراضي. وما بين هذين الاحتمالين، تبقى حقيقة واحدة: لبنان صار ممرًّا أو مسرحًا أو هامشًا لصواريخ الآخرين، فيما دولته تحاول فقط أن تشرح للرأي العام ما الذي سقط فوق رؤوس الناس.
وليس تفصيلًا عابرًا أنّ أصوات انفجارات قوية جدًّا سُمعت على دفعات في مناطق متفرّقة من جبل لبنان، ولا سيّما في كسروان. فالجبهة لم تعد هناك فقط، في الجنوب البعيد، بل بات صداها يتردّد في قلب الجبل، كإشارة واضحة إلى أنّ الحرب حين تتمدّد لا تستأذن توازنات الداخل ولا حساسياته.
نعيم قاسم: خطاب التعبئة ومواجهة "الاستسلام"
في المقلب الآخر، جاء خطاب الأمين العام لـِ "حزب الله" نعيم قاسم ليؤكّد أنّ الحزب لا يزال يتعامل مع المرحلة بوصفها معركة مصيرية مفتوحة، لا مجرّد جولة ضغط يمكن احتواؤها. فقد شدّد على أنّ "المقاومة أعدّت العدّة المناسبة، ومقاوموها مصمّمون على الاستمرار بلا سقف، وهم الآن رمز الوطنية الساطع"، معتبرًا أنّ طرح حصرية السلاح تلبية لمطلب إسرائيلي، في ظل استمرار الاحتلال والعدوان، ليس سوى خطوة على طريق زوال لبنان وتحقيق "إسرائيل الكبرى".
وفي كلامه، يربط قاسم بين أيّ دعوة إلى التفاوض تحت النار وبين فرض الاستسلام على لبنان، ويرى أنّ التفاوض أصلًا مرفوض مع "عدوّ يحتلّ الأرض ويعتدي يوميًّا". كما يضع الحرب الجارية في سياق مشروع أميركي، إسرائيلي أوسع، هدفه تجريد لبنان من عناصر قوّته، وإشعال الفتنة الداخلية، وشرعنة الاحتلال، ومنع الجيش من التسلّح والدفاع عن الوطن.
هذا الخطاب لا يوجَّه إلى إسرائيل وحدها، بل إلى الداخل اللبناني أيضًا. فهو يردّ على الحكومة، وعلى خصوم الحزب، وعلى كلّ من يطرح أولوية الدولة على أولوية السلاح، عبر معادلة حاسمة: إمّا "الاستسلام والتنازل عن الأرض والكرامة والسيادة"، وإمّا "المقاومة والمواجهة الحتمية". وفي هذا التوصيف، لا يترك الحزب مساحة رمادية واسعة بين الخيارين.
لبنان "خارج الكادر"
الصورة النهائية قاتمة. في الخارج، إسرائيل تتصرّف على أساس أنّ لديها فرصة لإعادة هندسة الجنوب بالنار، وفرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة. وفي الإقليم، تُطبخ احتمالات تفاوض كبرى قد تعيد توزيع الأوراق، من دون أن تضمن للبنان أيّ موقع فعلي على الطاولة. أمّا في الداخل، فالنظام السياسي لا يزال عالقًا في منازعاته التقليدية: مَن قرّر، ومن أُحرج، ومن ينسحب، ومن يبقى، وكيف تُدار الأزمة من دون أن ينهار التوازن الهشّ.
هكذا يصبح لبنان "خارج الكادر" فعلًا. لا لأنّ الآخرين تجاهلوه فقط، بل لأنّه ساهم بنفسه في إخراج نفسه من الصورة. وحين تنشغل الطبقة السياسية بمعارك الصالونات، فيما الجغرافيا تهتزّ تحت الأقدام، لا يعود السؤال مَن ربح جولة السفير، بل مَن سيخسر الجنوب، والسيادة، وما تبقّى من الدولة.
في المحصّلة، ليست أزمة السفير سوى العرض الأوضح لمرض أعمق: دولة معلّقة بين منطقين، منطق يريد استعادة معنى الشرعية، ومنطق يخشى أن تؤدّي هذه الاستعادة إلى كسر توازناته. وبين المنطقين، تتقدّم إسرائيل، ويتراجع لبنان. وفي هذا الفراغ بالذات، يُكتب أخطر ما في المرحلة: بلدٌ ينصرف إلى حروبه الداخلية الصغيرة، فيما تُرسَم حدوده ومستقبله وموقعه بالنار، لا بالسياسة.




