عقيدة التدمير وإنتاج التهجير ... من غزة إلى لبنان

ياسر مناعالأربعاء 2026/03/25
Image-1772201918
السيطرة وإعادة تشكيل المجتمع والمجال الجغرافي والتوزيع الديموغرافي. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يتجه الخطاب الإسرائيلي في تناول الحرب الجديدة على لبنان نحو استحضار نماذج عملياتية طُبّقت في قطاع غزة خلال حرب الإبادة عام 2023، خاصة في رفح وبيت حانون، ضمن تصور يقوم على أن زيادة حجم الدمار تسرّع عمليات التهجير وتُسهّل فرض السيطرة الميدانية.

بدا ذلك من تصريح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بنية إسرائيل انشاء "منطقة أمنية" حتى نهر الليطاني في جنوب لبنان وطرح تطبيق نموذج رفح وبيت حانون، في إشارة مباشرة إلى اعتماد أنماط عمل قائمة على استهداف البنية التحتية الحيوية. وضمن هذا التصور، وجّه الجيش نحو التعامل مع الجسور الخمسة فوق نهر الليطاني بوصفها أهدافًا مركزية في أي تحرك ميداني محتمل.

يتقاطع هذا الطرح مع خطاب سياسي سابق يعكس المنطق ذاته، حيث هدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في 5 آذار 2023، بتكثيف القصف على الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت حتى تبدو مثل مدينة "خان يونس"، جنوب قطاع غزة.

 يكشف هذا التلاقي بين التصريحات عن نمط تفكير يستند إلى نقل التجربة العملياتية من غزة إلى لبنان ضمن مقاربة تقوم على استخدام القوة النارية المكثفة والردع وإعادة إنتاج نماذج التدمير في بيئات جغرافية مختلفة.

يمكن فهم هذا التوجه ضمن الإطار التحليلي الذي يقدّمه نيف غوردون في مقاله "The Gaza Doctrine"، المنشور في 22 آذار 2026 في The New York Review of Books، حيث يعرّف ما يسميه "عقيدة غزة" بوصفها بنية تقوم على ترابط ثلاثي بين التدمير الواسع النطاق والتهجير الجماعي وتعطيل شروط الحياة. يتيح هذا الترابط قراءة استهداف البنية التحتية باعتباره أداة تتجاوز إضعاف القدرات العسكرية المباشرة، لتعمل على إعادة تشكيل المجالين السكاني والسياسي.

يشير غوردون إلى أن هذا النمط لم يبقَ محصورًا في غزة واتجه للظهور في ساحات أخرى مثل لبنان. وهو ما يعكس انتقالًا في آليات إدارة الحرب والإبادة نحو توظيف التدمير المنهجي كوسيلة لإعادة إنتاج البيئة التي يتحرك ضمنها الخصم.

من الجدير ذكره أن هناك في الأدبيات الإسرائيلية ما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية"، وهي مقاربة عسكرية إسرائيلية تقوم على استخدام قوة نارية عالية الشدة تستهدف المجال المدني والبنية التحتية لإحداث دمار واسع، بما يرفع كلفة المواجهة على الخصم وبيئته المحيطة ويُنتج أثرًا ردعيًا يتجاوز ساحة القتال المباشر. برز هذا النهج بشكل واضح خلال حرب لبنان عام 2006 واستمد تسميته من الضاحية الجنوبية لبيروت التي شكّلت النموذج الأبرز لتطبيقه.

في غزة، ظهر هذا النموذج بصورة مكثفة خلال حرب الإبادة 2023 حيث استهدفت إسرائيل البنية التحتية بشكل واسع ومنهجي. وشمل ذلك شبكات المياه والكهرباء والطرق والمرافق الحيوية إلى جانب المؤسسات الصحية في إطار توسيع نطاق العمليات ليطال الشروط الأساسية للحياة داخل القطاع. 

في القطاع الصحي على سبيل المثال، تعرضت المستشفيات للقصف والحصار، ما أدى إلى تدمير عدد منها أو تعطيلها بشكل كامل ضمن مئات الهجمات التي استهدفت منشآت طبية خلال فترة الحرب. تعكس المعطيات حجم هذا الانهيار، حيث دُمّرت 9 مشافٍ بشكل كامل و25 بشكل جزئي، ولا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته، فيما تواصل 18 مستشفى العمل بصورة جزئية، في مقابل خروج 18 مستشفى عن الخدمة، وهو ما يكشف تآكلًا شبه كامل في القدرة الصحية داخل القطاع.

يربط غوردون هذا التدمير بحركة السكان، حيث يؤدي انهيار البنية الصحية إلى فقدان القدرة على التعامل مع الإصابات والأمراض ويجعل البقاء في المكان محفوفًا بالمخاطر. يوضح أن استهداف "خطوط الحياة الأخيرة" يدفع السكان إلى المغادرة نتيجة عجزهم عن تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء. بهذا المعنى، يتحول التدمير من نتيجة للعمليات إلى أداة تُنتج التهجير عبر تقويض المقومات الأساسية التي تتيح للسكان الاستمرار في أماكنهم.

في هذا السياق، يرى الباحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، غابي سبوني، أن هدم المنازل والدمار الواسع في القطاع يشكّلان أداة لإنتاج بيئة غير قابلة للحياة تدفع السكان إلى البحث عن مخرج خارجها. يربط ذلك بتراجع صلاحية غزة للسكن نتيجة تدمير البنية التحتية وانتشار الأنقاض وانهيار شروط العيش الأساسية، ما يرفع كلفة البقاء على المستوى اليومي.

ينطلق هذا التصور من اعتبار الهدم جزءًا من مسار يقود إلى التهجير، حيث يؤدي تراكم الدمار وتعذر إعادة الإعمار إلى تقليص البدائل أمام السكان ودفعهم نحو الهجرة بوصفها الخيار العملي المتاح. بهذا المعنى، يتحول تدمير المنازل إلى أداة ضغط تعيد تشكيل القرار الفردي للسكان من خلال تقويض إمكانية الاستمرار في المكان.

في لبنان، يتخذ هذا النمط شكلًا مشابهًا في الحرب الجارية اليوم 2026 حيث يتركّز الاستهداف على البنية التحتية الحيوية والمجال المدني، ويظهر ذلك في استهداف الجسور بوصفها عقدًا أساسية في شبكة النقل، ما يؤدي إلى قطع مسارات الإمداد وتعطيل حركة السكان وإضعاف الوصول إلى الخدمات. يترافق ذلك مع هدم واسع للقرى الحدودية أدى إلى تدمير مناطق كاملة وتحويلها إلى بيئات غير صالحة للسكن إلى جانب استهداف مناطق مدنية ومرافق خدمية مع تصاعد التهديد باستخدام البنية التحتية كأداة ضغط، وهو ما يعكس نمطًا يعمل على تضييق شروط الحياة ودفع السكان نحو النزوح.

تُظهر المقارنة أن الفارق الجوهري بين الحالتين يرتبط باتجاه التهجير الناتج عن هذا النمط من الاستهداف. في غزة، يتجه التهجير نحو الخارج نتيجة الحصار وضيق المساحة واتساع نطاق التدمير، ما يحدّ من إمكانات النزوح الداخلي ويدفع باتجاه الخروج من القطاع في إطار يقترب من مفهوم الترانسفير.

 في المقابل، يبقى التهجير في لبنان ذا طابع داخلي، حيث يتيح العمق الجغرافي إعادة توزيع السكان داخل الدولة رغم شدة القصف في مناطق محددة ويأخذ شكل إزاحة سكانية داخلية.

مع ذلك، يتقاطع المساران في النتيجة، حيث يعمل هذا النمط من الاستهداف على إفراغ مناطق معينة من سكانها تمهيدًا للسيطرة عليها مع اختلاف في آلية التنفيذ بين ترانسفير خارجي في غزة وإزاحة داخلية في لبنان.

يمكن توضيح هذا المنطق عبر تفكيك الدوافع الأساسية التي تقف خلف استهداف البنية التحتية، بوصفها أدوات متداخلة تعمل في اتجاه واحد:

أولًا، الانتقام ورفع كلفة المواجهة والردع. يعتمد هذا المسار على توسيع نطاق التدمير لرفع الثمن الذي يدفعه الخصم ومحيطه، بحيث لا تقتصر الكلفة على الخسائر العسكرية وتمتد إلى المجال المدني والحياتي. يهدف ذلك إلى خلق ضغط متراكم يجعل الاستمرار في المواجهة خيارًا عالي الكلفة ويُنتج أثرًا ردعيًا يتجاوز ساحة القتال إلى البيئة الاجتماعية الأوسع.

ثانيًا، استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة. يقوم هذا الدافع على أن المجتمع يوفر للمقاومة عمقًا بشريًا وخدماتيًا سواء عبر الإيواء أو الدعم اللوجستي أو الغطاء الاجتماعي. يؤدي تدهور الظروف المعيشية نتيجة تدمير البنية التحتية إلى تقليص قدرة هذه البيئة على أداء هذا الدور ما يضعف الارتباط بين السكان والمقاومة على المستوى العملي.

ثالثًا، الضغط المباشر على المقاومة. يؤدي استهداف الطرق والجسور وشبكات الاتصالات إلى تعطيل خطوط الإمداد وتقييد الحركة وإضعاف القدرة على التنسيق، ما ينعكس مباشرة على الأداء العملياتي. يشكّل استهداف المدنيين أيضًا أداة ضغط إضافية، حيث يخلق بيئة ضاغطة تحيط بالمقاومة وتحدّ من هامش مناورتها.

رابعًا، السيطرة وإعادة تشكيل المجتمع والمجال الجغرافي والتوزيع الديموغرافي. يؤدي التدمير الواسع إلى دفع السكان نحو النزوح ما يغيّر الكثافة السكانية في مناطق محددة ويفرغ مناطق أخرى من سكانها. يخلق هذا الواقع خريطة سكانية جديدة ويعيد تشكيل المجال الجغرافي بما يتوافق مع أهداف السيطرة أو تقليص الاحتكاك في المراحل اللاحقة.

يكشف تتبّع الممارسات الإسرائيلية عبر الزمن اعتماد نمط مستقر يقوم على استهداف مقومات الحياة داخل مناطق المواجهة. ظهر هذا النهج في الضفة الغربية خلال عملية "السور الواقي" عام 2002، حيث طالت العمليات البنية الحضرية في المدن عبر تدمير الطرق وشبكات المياه والكهرباء إلى جانب استهداف المراكز الحكومية والأسواق والمرافق المدنية، ما أدى إلى إعادة تشكيل الحيز العمراني وتقييد قدرة هذه المناطق على احتضان نشاط الفصائل الفلسطينية.

عاد هذا النمط للظهور في مخيمات شمال الضفة عام 2025، حيث جرى تهجير السكان وهدم مساحات واسعة مع تجريف الطرق وتعطيل الخدمات وإعادة ضبط المداخل والمخارج، وهو ما انعكس على حركة السكان وأضعف انتظام حياتهم اليومية.

فيما يمتد هذا التوجه في الحرب الجارية على إيران إلى نطاق أوسع حيث طالت الضربات منشآت مدنية ومرافق خدمية، منها مدارس، ما أدى إلى تعطيل قطاعات أساسية ورفع كلفة المعيشة وفرض ضغطاً متزايداً على المجتمع الإيراني، في سياق يهدف إلى دفعه نحو الانقلاب على النظام.

يكشف هذا التسلسل أن استهداف البنية التحتية يشكّل جزءًا من استراتيجية متكررة في إدارة الحروب تقوم على تفكيك شروط الحياة وإنتاج ضغط متراكم يحمل بعدًا ردعيًا ويستهدف تشكيل الوعي وإقناع الخصم بلغة المواجهة عبر رفع كلفة الاستمرار.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث