بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

المدن - سياسةالأربعاء 2026/03/25
Image-1774464654
بقي المحور الشرقي اليوم، من أبرز محاور الضغط، وتركزت فيه عمليات القصف والتوغل والمواجهة البرية. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

دخل التوغّل البرّيّ الإسرائيليّ في جنوب لبنان، مساء اليوم، مرحلةً أكثر خطورةً ووضوحًا في الأهداف، بعد تداول معطياتٍ إسرائيليّةٍ تحدّثت عن اتّفاقٍ على توسيع السيطرة البرّية الإسرائيلية في لبنان وصولًا إلى حدود مدينة صور، وعن اتّفاقٍ على إقامة ما لا يقلّ عن 18 موقعًا عسكريًّا إسرائيليًّا داخل الأراضي اللبنانيّة. وبحسب هذه المعطيات، فإنّ القرار يتجاوز مجرّد تنفيذ توغّلاتٍ موضعيّةٍ أو فرض شريطٍ حدوديٍّ ضيّق، إلى مشروع نزع سلاح "حزب الله" وفرض سيطرةٍ تمتدّ حتى خطّ القرى الثالث داخل الحدود اللبنانيّة، عبر شبكة مواقع عسكريّةٍ ثابتةٍ لا يقلّ عددها عن 18 موقعًا.

بهذا المعنى، لم يعد المشهد الميدانيّ في الجنوب يقرأ بوصفه سلسلة اقتحاماتٍ متقطّعة، بل بوصفه محاولةً منظّمةً لإعادة رسم الجغرافيا العسكريّة للجنوب، من كفرشوبا شرقًا إلى الناقورة غربًا، تحت غطاءٍ من القصف الجوّيّ والمدفعيّ، وأعمال التدمير والتجريف، وبالتوازي مع معارك استنزافٍ يخوضها "حزب الله" على امتداد المحاور الشرقيّ، والأوسط، والغربيّ. وعليه، فإنّ تقييم يوم 25 آذار لا ينطلق فقط من حدود ما أنجز ميدانيًّا، بل من طبيعة المشروع الإسرائيليّ الذي بدأ يتكشّفتوسيع السيطرة، تثبيت المواقع، ودفع خطّ الاحتلال الفعليّ شمالًا داخل الجنوب اللبنانيّ.

 

نهار قتالي طويل

ويمكن توصيف اليوم القتاليّ في جنوب لبنان، بأنّه يوم توسيع الضغط الميدانيّ وتثبيت السّقف السّياسيّ الإسرائيليّ أكثر ممّا هو يوم حسمٍ عسكريٍّ نهائيّ. فالمشهد العامّ يظهر أنّ إسرائيل دفعت نحو توسيع نطاق التّوغّل البرّيّ على أكثر من محور، بالتّوازي مع رفع مستوى الخطاب السّياسيّ والعسكريّ المرتبط بجنوب لبنان. بمعنى آخر، كان هذا اليوم يوم استنزافٍ مفتوح أكثر منه يوم إنجازٍ حاسم.

سياسيًّا، كان لافتًا أنّ الخطاب الإسرائيليّ اليوم لم يعد يقتصر على توصيف العمليّات بوصفها ردًّا أمنيًّا أو دفاعًا حدوديًّا، بل اتّجه إلى إعلان هدفٍ ميدانيٍّ واضح يقوم على إنشاء "منطقةٍ أمنيّة" في جنوب لبنان، تمتدّ حتّى نهر الليطاني.إذ  أعلن اليوم، رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو أنّ إسرائيل "في طور توسيع المنطقة العازلة" في جنوب لبنان، وقال إنّها أنشأت "منطقةً أمنيّةً حقيقيّة" لمنع التسلّل نحو الجليل والحدود الشماليّة، مضيفًا أنّ توسيعها يهدف إلى إبعاد تهديد الصواريخ المضادّة للدروع وإقامة منطقةٍ عازلةٍ أوسع. كما ربط نتنياهو ذلك بهدفٍ سياسيّ، عسكريّ أوسع، هو "تفكيك حزب الله"، معتبرًا أنّ هذا الهدف مرتبط أيضًا بالمواجهة الأشمل مع إيران

هذا التّحوّل في التّصريحات يعني أنّ القيادة الإسرائيليّة باتت تربط الحركة العسكريّة الجارية على الأرض بهدفٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ معلن، لا بمجرّد عمليّاتٍ موضعيّةٍ عابرة. والأهمّ أنّ هذا الخطاب يحمل في طيّاته محاولةً لتبرير بقاءٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ داخل الأراضي اللبنانيّة، وربطه بمفهوم "إزالة التّهديد"، وهو مفهومٌ فضفاضٌ يفتح الباب أمام عمليّةٍ طويلةٍ ومفتوحة. كما أنّ النّبرة الإسرائيليّة بدت اليوم أكثر صراحةً في الحديث عن إعادة تشكيل الواقع الحدوديّ، لا فقط منع إطلاق النّار أو التّسلّل، بل فرض شريطٍ أمنيٍّ جديد، مع ما يرافق ذلك من منع عودة السّكّان إلى بعض المناطق، وتكثيف الهدم، وتعطيل الحركة بين جنوب الليطاني وشماله.

 

خريطة التّوغّل الإسرائيليّ اليوم

في خريطة الميدان، يمكن القول إنّ التّوغّل الإسرائيليّ بات يقوم على ثلاثة محاور رئيسيّةالمحور الشّرقيّ، والمحور الأوسط، والمحور الغربيّ. وهذه الخريطة لا تعني سيطرةً إسرائيليّةً مكتملةً ومتّصلةً على كامل هذه المساحة، بل تعني أنّ الضّغط البرّيّ والنّاريّ موزّعٌ عليها بصورةٍ متزامنة، بهدف تشتيت الدّفاعات، واستنزاف القوّات المقابلة، وفتح أكثر من ثغرةٍ تكتيكيّة.وقد بدا واضحًا اليوم أنّ إسرائيل لم تعد تعمل على محورٍ واحدٍ فحسب، بل انتقلت إلى سياسة التّوسيع المرحليّ، حيث يجري دفع القوّات من الحافّة الحدوديّة إلى الدّاخل في نقاطٍ متعدّدة، مع إسنادٍ جوّيٍّ ومدفعيٍّ وهندسيٍّ كثيف، وبما يترافق مع سياسة هدمٍ وتجريفٍ ونسف معابر وجسور.

وعليه، فإنّ خريطة اليوم تظهر تقدّمًا إسرائيليًّا بالنّار والتّوغّل المحدود على عدّة جبهات.

وفي الوقائع العمليّة، ما يزال الجيش الإسرائيليّ يندفع في بعض النّقاط، ويتراجع أو يبطّئ حركته في نقاطٍ أخرى تحت تأثير الاشتباكات المباشرة والقصف الصاروخيّ والاستهداف المتكرّر للتجمّعات والآليّات. وهذا يعني أنّ حدود التّقدّم الإسرائيليّ لا تقاس فقط بمسافة التّوغّل داخل الأراضي اللبنانيّة، بل أيضًا بمدى القدرة على التّثبيت والإمساك وربط المحاور، وهي عناصر لا تبدو مكتملةً حتّى الآن.

 

المحور الشّرقيّ

بقي المحور الشّرقيّ اليوم، من أبرز محاور الضّغط القتاليّ، وتركّزت فيه عمليّات القصف والتّوغّل والمواجهة البرّيّة في نطاق البلدات الحدوديّة الشّرقيّة ومحيطها. ويبدو هذا المحور، عسكريًّا، من أكثر القطاعات حساسيّةً، لأنّه يجمع بين إمكانيّة الحركة البرّيّة نسبيًّا، وبين الحاجة إلى فتح طريقٍ نارّيٍّ نحو الداخل الجنوبيّ.

في هذا القطاع، اعتمد الجيش الإسرائيليّ على القصف الجوّيّ والمدفعيّ، وعلى القوّات البرّيّة المدعومة بالآليّات، مع حضورٍ واضحٍ للعمليّات الهندسيّة، سواءٌ في التّدمير أو في شقّ مسارات التّقدّم. أمّا في الجهة المقابلة، فكان ردّ حزب الله يقوم على استهداف التجمّعات القتاليّة، وضرب الآليّات، ومحاولة تعطيل خطوط الاندفاع قبل أن تتحوّل إلى مواقع ثابتة.

أمّا اليوم، فتركّزت الاشتباكات، في بلدات قضاء مرجعيون، ولا سيّما الطيبة، والعديسة، والخيام، ومركبا. وفي هذا القطاع، سُجّلت استهدافاتٌ متكرِّرةٌ لتجمّعات الجنود والآليات، مع حديثٍ عن مواجهاتٍ مباشرةٍ في مركبا بالتزامن مع تقدُّم دبّاباتٍ إسرائيلية تحت غطاءٍ ناريٍّ كثيف. كما أنّ الخيام ما زالت، من أوائل الأهداف البرّية التي سعت إسرائيل إلى "تطهيرها" بوصفها خطوةً أولى قبل التقدّم نحو الليطاني وعليه، يمكن القول إنّ المحور الشرقيّ هو محور "الكسر نحو الداخل": إسرائيل تحاول عبره فتح ثغرةٍ من القرى الحدوديّة نحو عقدة الخيام، فيما يسعى "حزب الله" إلى منع تثبيت أيّ رأس جسرٍ ميدانيّ عبر استهداف الدبّابات، والجرافات، والتجمّعات البشريّة للقوّات

Image-1774464282
تركّزت الاشتباكات، في بلدات قضاء مرجعيون، ولا سيّما الطيبة، والعديسة، والخيام، ومركبا. وفي هذا القطاع، سُجّلت استهدافاتٌ متكرِّرةٌ لتجمّعات الجنود والآليات.

 

القطاع الأوسط

في القطاع الأوسط، برزت المواجهة في نطاق القرى والمواقع الحدوديّة التي تشكّل عقدة تماسٍّ مباشرةٍ بين الجانبين. وما بدا مهمًّا اليوم هو أنّ هذا المحور لم يعد مجرّد قطاع إسناد، بل تحوّل إلى محور احتكاكٍ مباشر يحاول فيه الجيش الإسرائيليّ تفكيك البنية الدّفاعيّة المقابلة عبر التّقدّم المتدرّج، فيما يسعى حزب الله إلى تحويله إلى ساحة استنزافٍ يوميٍّ مانعٍ للتّثبيت.

وهذا هو المحور الأكثر حساسيّةً اليوم، لأنّه يجمع بين القرى الحدوديّة التقليديّة في بنت جبيل، وبين محاولات الالتفاف نحو تلالٍ وأوديةٍ أعمق. فالقصف المدفعيّ طال صباحًا مارون الراس، ويارون، وأطراف بنت جبيل، وبالتوازي، تحدّثت تقارير محليّة عن استمرار الضغط في عيترون أيضًا، ضمن القوس نفسه

المستجدّ الأهمّ هنا كان جهة دبل. إذا قصفت المدفعيّة الإسرائيليّة بعنفٍ أطراف دبل، والقوزح، وحانين، وسط اشتباكاتٍ لمنع القوّات المتقدِّمة من الوصول إلى حيّ "بركة دبل". إلّا أنّ مختار دبل نفى دخول الجيش الإسرائيليّ إلى داخل البلدة نفسها، رغم تقارير عن تقدّمٍ باتجاهها، ما يعني أنّ القتال كان، على الأرجح، عند الأطراف والحوافّ القريبة لا في قلب البلدة المأهول

وفي الاتجاه نفسه، أُفيد بأنّ توغّلًا إسرائيليًّا كبيرًا حصل في ساعات الصباح الأولى إلى أطراف دبل، والمناطق الواقعة عند أطراف بيت ليف، بعد توغّلٍ سابقٍ في القوزح، وأنّ الهدف هو الالتفاف باتجاه التلال والأودية المحيطة ببنت جبيل، بالتوازي مع التحرّك في مارون الراس، ويارون، وعيترون. وهذا يجعل المحور الأوسط، ميدانيًّا، محور "تطويق بنت جبيل نارِيًّا"، أكثر منه محور اقتحامٍ مدينيّ مباشر حتى اللحظة.

وهذا المحور يكتسب أهمّيّته من كونه يربط بين الوسط الحدوديّ والعمق الجنوبيّ، ويتيح نظريًّا فتح خطوط ضغطٍ إضافيّة. لكنّه في الوقت نفسه يفرض على القوّات المتقدّمة خوض قتالٍ معقّدٍ في بيئةٍ شديدة الحساسيّة، حيث تختلط الحركة البرّيّة بالنّار المباشرة والكمائن الصاروخيّة والاشتباك القريب.

Image-1774464396
 أُفيد بأنّ توغّلًا إسرائيليًّا كبيرًا حصل في ساعات الصباح الأولى إلى أطراف دبل، والمناطق الواقعة عند أطراف بيت ليف، بعد توغّلٍ سابقٍ في القوزح، وأنّ الهدف هو الالتفاف باتجاه التلال والأودية المحيطة ببنت جبيل.

 

المحور الغربيّ

أمّا المحور الغربيّ، فكان عنوانه الأبرز اليوم المواجهة العنيفة في القطاع السّاحليّ والحدوديّ الغربيّوتكمن أهمّيّة هذا المحور في أنّه لا يعبّر فقط عن محاولة ضغطٍ على الجبهة الغربيّة، بل عن سعيٍ إلى تهديد الحركة بين الجنوب والسّاحل، وربط الميدان البرّيّ بفكرة عزل الجنوب عن بقيّة الجغرافيا اللبنانيّة.ولذلك، فإنّ القتال في هذا هو جزء من هندسةٍ ميدانيّةٍ أوسع، تراد منها محاصرة الجنوب بالنّار، وتوسيع هامش الحركة الإسرائيليّة على الأرض، وإرباك الدّفاعات المقابلة عبر فتح جبهةٍ من أكثر من جهة.

Image-1774464467
تكمن أهمّيّة هذا المحور في أنّه لا يعبّر فقط عن محاولة ضغطٍ على الجبهة الغربيّة، بل عن سعيٍ إلى تهديد الحركة بين الجنوب والسّاحل.

 

طبيعة الاشتباكات.. وأين جرت

اتّسمت اشتباكات اليوم بطابعٍ مركّبٍ ومتعدّد المستوياتفمن الجانب الإسرائيليّ، حضرت الغارات الجوّيّة، والقصف المدفعيّ، والعمليّات البرّيّة المحدودة المدعومة بالدبّابات والآليّات، إلى جانب نشاطٍ هندسيٍّ واضحٍ تمثّل في نسف معابر وجسورٍ وتدمير منازل ومبانٍ ومواقع يعتقد أنّها تستخدم في القتال أو الإسناد. ومن الجانب المقابل، جاءت الاشتباكات على شكل رشقاتٍ صاروخيّةٍ، وصواريخ مضادّةٍ للدّروع، ومسيّراتٍ هجوميّة، ونيرانٍ مباشرة، وكمائن استهدافٍ للتجمّعات والآليّات المتقدّمةوهذا يظهر أنّ حزب الله لم يكتف بردٍّ ناريٍّ عن بعد، بل سعى إلى جعل التّقدّم البرّيّ الإسرائيليّ مكلفًا في نقاط تماسٍّ مباشرة.

وجرت هذه الاشتباكات على امتداد المحاور الثلاثة، في البلدات الحدوديّة ومحيطها، وفي مناطق الحوافّ والمواقع الأماميّة والمسارات التي تحاول القوّات الإسرائيليّة سلوكها أو تثبيتها.

في الجانب الإسرائيليّ، برز استخدام سلاح الجوّ في الغارات الإسناديّة والضّربات على الأهداف القتاليّة والبنى والمواقع، إلى جانب المدفعيّة في القصف التّمهيديّ والضّغط المستمرّ على خطوط الاشتباك. كما حضرت القوّات البرّيّة المدعومة بالدبّابات والآليّات المدرّعة، مع دورٍ واضحٍ للوحدات الهندسيّة في الهدم والتّجريف ونسف المعابر والأنفاق والمباني.

وفي المقابل، استخدم حزب الله الصّواريخ القصيرة المدى، والصّواريخ المضادّة للدّروع، والمسيّرات الهجوميّة، والأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، والنّيران المباشرةويعكس هذا المزيج نمطًا قتاليًّا قائمًا على استنزاف القوّة المتقدّمة، وتعطيل حركتها، ومنعها من تحويل اختراقاتها الموضعيّة إلى سيطرةٍ مستقرّة.

Image-1774464514
خريطة جنوب لبنان. اللون الأرجواني يُشير إلى التوغّل العسكريّ. أما الأحمر فهو المناطق الّتي أنذرها الجيش الإسرائيليّ. 

 

أبرز ما كشفه ميدان اليوم هو أنّ العمليّة الإسرائيليّة لم تعد مجرّد سلسلة غاراتٍ معزولة، بل تحوّلت إلى محاولة فرض واقعٍ أمنيٍّ جديدٍ جنوب لبنان، يقوم على التّوغّل، وتوسيع النّطاق العملانيّ، وتقطيع أوصال المنطقة عبر تدمير المعابر والجسور وتعطيل خطوط الحركة. في المقابل، أظهر أداء حزب الله أنّه ما يزال قادرًا على إبقاء الجبهة مشتعلة، ومنع انتقال العمليّة الإسرائيليّة من مرحلة الضّغط إلى مرحلة الحسم. فالجبهة بقيت متّصلةً بالنّار، والاشتباكات توزّعت على أكثر من محور، والردود الصاروخيّة والميدانيّة استمرّت بما يكفي لتأكيد أنّ التّوغّل ما يزال يواجه كلفةً مرتفعة.

لذلك، يمكن القول إنّ خريطة اليوم تختصر بهذه العبارةتقدّمٌ إسرائيليٌّ بالنّار على ثلاثة محاور، ومقاومةٌ تمنع الحسم، وجنوبٌ مفتوحٌ على مواجهةٍ أطول وأشدّ تعقيدًا.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث