تواصل إسرائيل عمليّتها العسكريّة في جنوب لبنان، مركّزةً على تحييد التهديدات الأكثر إلحاحًا قرب الحدود، وفي مقدّمتها محاولات التسلّل ونيران الصواريخ المضادّة للدّروع، في وقتٍ تقرّ فيه التقديرات بأنّ التحدّي الآتي من شمال نهر اللّيطاني لا يزال قائمًا وأكثر تعقيدًا.
وقال وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، هذا الأسبوع: "حيثما يوجد إرهابيّون وصواريخ، لن تكون هناك منازل ولا سكّان"، في إشارةٍ إلى ما وصفه مراقبون بعقيدةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّةٍ جديدةٍ على الحدود مع لبنان.
وبحسب هذا التوجّه، تسعى إسرائيل إلى تطبيق نموذجٍ شبيهٍ بما نفّذه جيشها في رفح وبيت حانون في قطاع غزّة، من خلال تدمير المناطق الحدوديّة وإخلائها، بهدف إنشاء منطقةٍ دفاعيّةٍ تبعد مصادر التهديد عن التجمّعات الإسرائيليّة القريبة.
غير أنّ المعطيات الميدانيّة في لبنان تختلف عن تلك التي سادت في غزّة، إذ تشير التقديرات إلى أنّ حركة "حماس" لم تعد تملك سوى قدرةٍ محدودةٍ على إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، فيما لا يزال "حزب الله" قادرًا على مواصلة استهداف الشمال الإسرائيليّ بطائراتٍ مسيّرةٍ وصواريخ متوسّطة المدى تطلق من شمال اللّيطاني.
ومنذ 2 مارس/آذار، حين بدأ "حزب الله" إطلاق الصواريخ على إسرائيل ردًّا على غارات سلاح الجوّ الإسرائيليّ ضدّ إيران، وسّعت إسرائيل عمليّاتها في جنوب لبنان، وشملت العمليّات تفجير خمسة جسورٍ فوق نهر اللّيطاني، في محاولةٍ لمنع نقل الأفراد والعتاد إلى جنوب البلاد.
كما دمّرت إسرائيل منازل قريبةً من الحدود، وصفتها بـ"قرى خطّ التماس"، وقالت إنّها نجحت عمليًّا في إزالة تهديد الصواريخ المضادّة للدّروع ضدّ التجمّعات الإسرائيليّة في الشمال، وهو خطرٌ كان قائمًا قبل عمليّة "السّهم الشّمالي" عام 2024.
لكنّ هذا التقدّم، وفقًا للتقديرات الإسرائيليّة، لم ينه الخطر بالكامل، إذ لا يزال سكّان الشمال يواجهون تهديدات القصف الجوّيّ والصاروخيّ من مناطق تقع شمال النهر، ما يظهر أنّ الضربات التي تلقّاها "حزب الله" خلال عام 2024، رغم قساوتها، لم تفقده القدرة على إلحاق ضررٍ ملموسٍ بإسرائيل.
وتقول التقديرات إنّ الحزب تعرّض لضرباتٍ قاصمةٍ في قيادته، كما فقد جزءًا كبيرًا من ترسانته الصاروخيّة وبنيته التحتيّة في جنوب لبنان، بما في ذلك الأنفاق والمستودعات والمواقع المحصّنة، إلا أنّ ما تبقّى لديه لا يزال كافيًا لمواصلة الهجمات.
وفي ظلّ هذا الواقع، يبرز سؤالٌ أساسيٌّ داخل إسرائيل: كيف يمكن إزالة التهديد القادم من شمال اللّيطاني؟ وهل يتطلّب ذلك دفع قوّاتٍ بريّةٍ إلى ما وراء النهر، بما قد يعيد إلى الأذهان سيناريو عمليّة "سلامة الجليل" عام 1982؟
ويرى مراقبون أنّ التحدّي الحاليّ لم يعد يقتصر على إنشاء "منطقةٍ عازلة"، بل أصبح مرتبطًا بنيرانٍ تطلق من عمق الأراضي اللبنانيّة، ما يجعل السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب اللّيطاني وحدها غير كافيةٍ لإعادة الأمن الكامل إلى الشمال الإسرائيليّ.
وتشير القراءة العسكريّة إلى أنّه لا يوجد "حلٌّ عسكريٌّ نظيف"، إذ تستطيع إسرائيل تقليص حجم النيران، وربّما الحدّ منها بشكلٍ كبير، لكنّ القضاء عليها تمامًا يحتاج إلى ما هو أبعد من الضربات الجوّيّة أو العمليّات البريّة المحدودة.
ويطرح في هذا السياق مزيجٌ من الخيارات، يشمل عمليّاتٍ استخباريّةً مستدامةً شمال النهر، تستهدف فرق الإطلاق والأنظمة المتنقّلة ومواقع التخزين، إلى جانب الرهان على مدى استعداد الدولة اللبنانيّة وقدرتها على فرض احتكار السلاح، وكذلك على تعطيل خطوط الإمداد الإيرانيّة التي تتيح لـ"حزب الله" إعادة التسلّح.
وفي المدى القريب، تظهر المعطيات أنّ التركيز الاستراتيجيّ الإسرائيليّ لا يزال منصبًّا بدرجةٍ كبيرةٍ على إيران، إذ توجّه قدرات سلاح الجوّ والاستخبارات والجهد العمليّاتيّ نحوها، وهو ما يحدّ من قدرة إسرائيل على تسخير كامل ثقلها العسكريّ في الساحة اللبنانيّة.
وتؤكّد هذه المعادلة، بحسب مراقبين، أنّ الحملة الحاليّة في جنوب لبنان تصمّم لتحييد التهديدات المباشرة فقط، أي التسلّل ونيران الصواريخ المضادّة للدّروع، مع احتواء النيران بعيدة المدى، لا القضاء عليها نهائيًّا، وهو ما يجعلها حلًّا جزئيًّا من وجهة نظر سكّان الشمال.
وفي حال انتهت الحرب مع إيران، يرجّح أن تتمكّن إسرائيل من تحويل مزيدٍ من الموارد والاهتمام إلى الجبهة اللبنانيّة، بما قد يفتح الباب أمام تكثيف ملاحقة منصّات الإطلاق شمال اللّيطاني، أو حتى توسيع العمليّات البريّة.
في المقابل، يظلّ هناك رهانٌ آخر داخل إسرائيل على احتمال أن تستغلّ الحكومة اللبنانيّة ضعف إيران و"حزب الله" لإعادة فرض سيطرتها على البلاد واتخاذ خطواتٍ فعليّةٍ تمنع إطلاق النار على إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة.
لكنّ هذا الرهان يبدو، في الوقت الراهن، محفوفًا بالمخاطر، لا سيّما مع تقارير أفادت بأنّ لبنان أعلن، يوم الثّلاثاء، السفير الإيرانيّ "شخصًا غير مرغوبٍ فيه"، ومنحه مهلةً حتى يوم الأحد لمغادرة البلاد، بأمرٍ من الرئيس جوزيف عون، في حين أشار "حزب الله" إلى أنّ السفير لن يغادر.
ويعدّ هذا التطوّر اختبارًا واضحًا لمدى قدرة الدولة اللبنانيّة على فرض قراراتها في مواجهة الحزب. فإذا عجزت الحكومة عن فرض مغادرة دبلوماسيٍّ واحدٍ خلافًا لرغبة "حزب الله"، فإنّ قدرتها على كبحه ومنعه من إطلاق النار تبدو موضع شكٍّ كبير.
أمّا إذا نجحت في ذلك، فقد يشير الأمر إلى تحوّلٍ، ولو حذرًا، في ميزان القوى داخل لبنان، وهو ما قد يمثّل المسار الأكثر استدامةً لخفض التوتّر، ليس عبر توغّل القوّات الإسرائيليّة في العمق اللبنانيّ، بل عبر استعادة الدولة اللبنانيّة تدريجيًّا سيطرتها على أراضيها.
وفي المحصّلة، تبدو إسرائيل أمام خيارين أحلاهما مرٌّ: إمّا مواصلة احتواء التهديد عبر عمليّاتٍ بريّةٍ محدودةٍ وضرباتٍ دقيقةٍ ودفاعاتٍ نشطة، مع القبول باستمرار مستوى معيّنٍ من النيران، وإمّا تصعيد الحملة شمالًا في محاولةٍ لقمع ما تبقّى من قدرات "حزب الله" بشكلٍ أكثر حسمًا، مع ما قد يترتّب على ذلك من خطر اندلاع حربٍ أوسع في لبنان.




