أزمة القرار في الحكومة: كيف انكشفت الدولة في لحظة اختبار؟

غادة حلاويالأربعاء 2026/03/25
Image-1771232152
ينذر القرار بأزمة سياسية قد تصل إلى شلل حكومي( بعبدا)
حجم الخط
مشاركة عبر

في حكومة التعايش بالإكراه، قد يتخذ وزير الخارجية يوسف رجي قرارًا بطرد سفير دولة، فيما يؤكد رئيس الجمهورية عدم علمه به، ويدعو رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى عدم الأخذ به أو تطبيقه، ويصدر وزيران آخران بيانًا بإدانته والمطالبة بالعودة عنه.

ليست خطورة قرار طرد السفير الإيراني في مضمونه فحسب، بل في ما كشفه من خلاف معلن بين مكونات الحكومة، وأيضًا بين الرؤساء، بما ينذر بأزمة سياسية قد تصل إلى شلل حكومي، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة هذه السلطة على الاستمرار.

وما يزيد دلالاته خطورة، أنَّ قرارًا كهذا يلقى ترحيبًا من وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر، بما يُظهِره كأنه استجابة لضغط خارجي. هذا الترحيب لم يكن تفصيلاً، بل شكّل إحراجًا للقرار اللبناني وتقييدًا إضافيًا للحكومة.

إذا كان الرئيس جوزاف عون على علم بالقرار، فالمشكلة كبيرة. أما إذا لم يكن على علم، فالمصيبة أكبر. وهل يُعقل أن تُتخذ خطوة بهذا الحجم من دون تنسيق مع رئيس مجلس النواب؟ الوقائع تشير إلى تفرد في القرار من قبل وزير الخارجية، بما يكشف خللًا بنيويًا في إدارة الدبلوماسية اللبنانية. أقله هذا ما تؤكده مصادر مقربة من بعبدا.

وعليه، كيف يُتخذ قرار بطرد سفير في لحظة إقليمية دقيقة، فيما تستعد طهران لمفاوضات مع الولايات المتحدة؟ وكيف يُبرَّر القرار بأنه غير موجّه ضد الدولة المعنية، ولا يهدف إلى قطع العلاقات معها؟ وهل تقبل أي دولة بهذا النوع من التعاطي الدبلوماسي الملتبس؟

 

في مرحلة حساسة من تاريخ لبنان، تتقاطع الأخطاء مع العجز، وتتحول القرارات المتسرعة إلى عناصر تفجير بدل أن تكون أدوات احتواء. الحكومة باتت مهددة، استمرار وزراء الثنائي فيها على المحك.

ما جرى بين مساء الأحد 1 آذار وصباح الاثنين 2 آذار ليس تفصيلاً، بل نموذج مكثف لأزمة القرار الوطني في زمن الحرب.

خطأ المقاومة بإطلاق صلية الصواريخ الستة، أو السماح بها، لم يكن مجرد خطوة ميدانية غير محسوبة، بل عكس خللًا في تقدير التوازنات. ففي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتراكم الضغوط الدولية وتبحث إسرائيل عن ذرائع، بدا هذا التصرف وكأنه يقدم خدمة مجانية لآلة الحرب. لم يكن التوقيت مناسبًا، ولا الظرف يسمح خصوصًا في ظل واقع لبناني منهك اقتصاديًا واجتماعيًا.

لكن خطأ الدولة كان أكبر. اجتماع 2 آذار لم يرتقِ إلى مستوى التحدي، بل بدا وكأنه انسحاب من المسؤولية. فبدل أن تمارس الدولة دورها الطبيعي، واحتواء التصعيد وضبط الإيقاع الداخلي وفتح قنوات الضغط الدولي، ذهبت نحو نزع الشرعية عن عمل عسكري قائم منذ أكثر من أربعة عقود، وفي ذروة اشتباك إقليمي مفتوح. هذا المسار لم يُضعف المقاومة فقط، بل أضعف موقع الدولة نفسها. ما كان مطلوبًا بوضوح: طلب فوري وصريح بوقف إطلاق الصواريخ تحت سقف المصلحة الوطنية العليا، وتحرك دبلوماسي عاجل نحو المجتمع الدولي والأمم المتحدة لمنع استغلال الحادثة كذريعة لعدوان غير متناسب.

 

كانت الدولة تملك ورقة أساسية: شرعية تمثيل لبنان دوليًا. لكنها فرّطت بها عندما بدت كأنها تتبنى مقولة "ليست مسؤوليتي". هذه المقاربة لا تحمي السيادة، بل تفرغها من مضمونها.

في المقابل، وضعت المقاومة نفسها في زاوية ضيقة، إذ فتح التصرف غير المدروس الباب أمام استهدافها سياسيًا وداخليًا، ومنح خصومها فرصة لضرب شرعيتها. لكن محاولة نزع هذه الشرعية بقرار سريع وفي ذروة المواجهة لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام. هكذا خسر الطرفان: خسرت المقاومة جزءًا من صورتها كقوة منضبطة، وخسرت الدولة ما تبقى من قدرتها على المبادرة. أما لبنان، فخسر موقعه التفاوضي حين بدا عاجزًا عن إنتاج موقف موحد.

أما الدعوة المتسرعة إلى التفاوض المباشر في هذا التوقيت، فبدت أقرب إلى طلب استغاثة منها إلى خيار سيادي. فالتفاوض يحتاج إلى أوراق قوة، لا إلى لحظة ضعف وانقسام.

 

لبنان اليوم أمام معادلة قاسية: إما استعادة الحد الأدنى من التنسيق بين الدولة والمقاومة، ضمن رؤية وطنية واضحة، أو الاستمرار في إدارة الصراع بردود الفعل، حيث يتحول كل خطأ إلى مدخل لانهيار أكبر. في زمن الحروب، لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تعرف كيف تدير هذا الحق.

 

ما كشفه قرار وزير الخارجية ليس فقط خطأً سياسيًا، بل هو خلل بنيوي في بنية السلطة: دولة يُفترض أن تُدار بقرار موحّد، لا يمكن أن يُتخذ باسمها قرار بهذا الحجم من قبل وزير يتصرف وفق توجه حزبي، في وقت يصفّق له عدو يخوض حربًا ضدها.

للقرار تداعياته وأبعاده بلا شك. كلّ المقرّبين من بعبدا يؤكّدون أنّه لا علم للرئيس بقرار طرد السفير، وأنّه تبلغ من وزير الخارجية، الذي زاره، الاكتفاء بالإنذار، ما يطرح التساؤل: هل المطلوب إحراج الثنائي لإخراجه من الحكومة، تمهيدًا لتعيين وزراء شيعة من خارجه؟ (خلال تشكيل الوفد المفاوض، لم تمانع المعنيون تعيين شخصية من خارج الثنائي، وتم الاتصال بعدد من الشخصيات التي رفضت العرض). وما معنى أن يستتبع وزير خارجية إسرائيل إشادته بالقرار بالإيعاز للحكومة بوجوب طرد وزراء الثنائي منها؟

حتى ساعة متأخرة من ليل أمس، كانت قد فشلت المساعي في إيجاد مخرج من "الورطة". وكان الاعتقاد الأقرب هو إصدار بيان من بعبدا، لكن الأخيرة فضّلت التريّث والبحث عن مخارج أخرى، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام.

بري، الذي أغضبته الخطوة ووصفها بالخطيرة، اتصل بالسفير طالبًا إليه عدم المغادرة، وهو لا يزال ينتظر خطوات بعبدا. ولمّحت الوزيرة المحسوبة على حركة أمل في الحكومة، تمارا الزين، إلى إمكانية انسحاب الوزراء. وترى مصادر سياسية أنّ انسحاب وزراء حركة أمل و"حزب الله" سيكون بمثابة هدية لمن يسعى إلى إخراج الثنائي من المعادلة السياسية، لا سيما بعد تأجيل الانتخابات النيابية لعامين.

إزاء هذا الواقع، يفرض سؤال إضافي نفسه: هل من يريد توريط العهد ومحاسبته على عدم الإيفاء بالتزاماته تجاه "حزب الله" وسلاحه؟ 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث