طرد السفير الإيراني: فصل في مسار علاقة صعبة بين بيروت وطهران

بتول يزبكالثلاثاء 2026/03/24
Image-1771948050
يمكن فهم الحساسية اللبنانية المستجدة تجاه الوجود الإيراني غير الدبلوماسي.. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

إنّه حدثٌ جلّل في السياسة. إنّها المرّة الأولى الّتي تصل فيها العلاقة اللّبنانيّة – الإيرانيّة إلى هذا الطور. اليوم، ضجّت السّاحة اللّبنانيّة، بخبر سحب بيروت الموافقة على اعتماد السّفير الإيرانيّ المعيّن محمّد رضا شيباني، مع مهلةٍ حتّى الأحد لمغادرة البلاد، وبالرغم من أنّ الوزارة أكّدت أنّ ذلك، لا يعتبر قطعًا للعلاقات الدبلوماسيّة مع إيران، بل هو تدبير بحقّ السفير لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسيّ وموجباته كسفير معين في لبنان (راجع "المدن"). إلّا أنّ القرارالذي كان متوقعًا أو على الأقلّ غير مفاجئ بعد الدعوات التي وجهها شطر واسع من القوى اللّبنانيّة لتوجيه رسالة لإيران بعد تجدّد الحرب بين إسرائيل وحزب الله، لم يشعل أزمةً دبلوماسيّةً مع طهران فحسب، بل فجّر أيضًا خلافًا داخليًّا حول طريقة اتّخاذه وحدود الغطاء الرّئاسيّ له، فيما ربطت أوساطٌ سياسيّةٌ الخطوة بتنامي الاعتراض على دور "الحرس الثّوريّ" الإيرانيّ في لبنان، وعلى ما تعتبره الدّولة تدخّلًا متزايدًا في شؤونها السّياسيّة والأمنيّة.

 ومن هنا، لا يعود السّؤال محصورًا بطرد السفير ومسوغاته وارتداداته، بل بكيفيّة وصول العلاقة بين لبنان وإيران إلى هنا. فإعلان بيروت الأخير قد يكون مُمهدًا لإعادة تعريف علاقتها بطهران على قاعدةٍ كانت مفقودةً منذ عقود. ويكشف في المقابل، حصيلة مسارٍ طويلٍ انتقلت فيه العلاقة من التّقارب المحدود في عهد الشّاه، إلى التّشابك الثّوريّ بعد 1979، ثمّ إلى التّداخل الأمنيّ والعسكريّ والسّياسيّ الذي جعل الحدود بين الدّولة اللّبنانيّة والنّفوذ الإيرانيّ في الآونة الأخيرة، أقلّ وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى.

 

تاريخ العلاقة 

في عهد الشّاه، لم تكن العلاقة اللّبنانيّة الإيرانيّة علاقة محورٍ صلب، بقدر ما كانت جزءًا من توازنات الحرب الباردة في المشرق. إيران البهلويّة، الحليفة الوثيقة للغرب، تموضعت في مواجهة المدّ القوميّ العربيّ الذي مثّله جمال عبد النّاصر، ووجدت في لبنان كميل شمعون نقطة تقاطعٍ سياسيٍّ مع هذا الخيار. لذلك لم يكن عارضًا أن يزور الشّاه بيروت في كانون الأوّل 1957، ولا أن تؤيّد طهران موقف شمعون في أزمة 1958. لكنّ هذا التّقارب ظلّ محدودًا ومحكومًا باعتبارات الاصطفاف الإقليميّ أكثر ممّا كان قائمًا على شراكةٍ ثنائيّةٍ عميقة. بل إنّ العلاقات عرفت اهتزازاتٍ أيضًا، ومنها القطيعة عام 1969 على خلفيّة وجود تيمور بختيار، رئيس "السافاك" السّابق المنشقّ عن الشّاه، في لبنان. وهذا يعني أنّ لبنان كان، حتّى قبل سقوط الملكيّة، ساحةً تتقاطع فيها مع إيران الرسميّة وإيران المعارضة في آنٍ معًا. 

في السّبعينيّات، لم يكن لبنان مجرّد بلدٍ عربيٍّ يتبادل التّمثيل الدّبلوماسيّ مع طهران، بل صار أيضًا مكانًا تقصده شبكات المعارضة الإيرانيّة، وممرًّا يلتقي فيه النّضال الفلسطينيّ مع الإسلاميّين الإيرانيّين المناهضين للشّاه. وتذكر المصادر التأريخيّة  أنّ بعض عناصر المعارضة الإيرانيّة تلقّوا تدريبًا عسكريًّا في مخيّماتٍ فلسطينيّةٍ في لبنان إبّان حكم الشّاه، فيما كانت العلاقة بين القوى الفلسطينيّة والثّورة الإيرانيّة في بداياتها دافئةً بعد 1979. وفي هذا المناخ بالذّات، برز دور الإمام موسى الصّدر، رجل الدّين الإيرانيّ المولد اللّبنانيّ الجذور، الذي أسّس عام 1974 "حركة المحرومين"، قبل أن تتشكّل "أمل" جناحًا مسلّحًا لها في الحرب الأهليّة. وإلى جانبه تحرّك مصطفى شمران، الذي عرف لاحقًا في إيران كأحد رجال الثّورة والحرب، بينما كان في لبنان من المساهمين في تأطير جزءٍ من الحراك الشّيعيّ وتنظيمه وتدريبه. وهنا بالتّحديد لم تعد العلاقة بين البلدين علاقة سفارتين، بل بدأت تتحوّل إلى علاقة بيئةٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ ودينيّةٍ عابرةٍ للحدود.

 

"الثورة الإسلاميّة" في لبنان

صعود الثّورة الإسلاميّة عام 1979، كان العامل الحاسم في تبدّل طبيعة العلاقة بين البلدين، جذريًّا. سقطت إيران الشّاه، الحليف الغربيّ المحافظ، وقامت مكانها جمهوريّةٌ تحمل مشروعًا ثوريًّا يعتبر تصدير النّفوذ جزءًا من تعريفه لنفسه. في لبنان، وجدت طهران بيئةً جاهزةً نسبيًّا، طائفةً شيعيّةً خرجت من التّهميش، وحربًا أهليّةً مفتوحة، والجنوب الُمثقل بوطأة الاحتلال الإسرائيليّ والصّدامات الفلسطينيّة – اللّبنانيّة، وسوريا الّتي تمسك بمفاصل الدولة اللّبنانيّة. لذلك توطّد "النّمط الثّوريّ" في العلاقة على حساب النّمط الدّبلوماسيّ الكلاسيكيّ. لم تعد إيران تتعامل مع لبنان باعتباره فقط دولةً لها سفارةٌ فيه، بل بوصفه أيضًا ساحةً متقدّمةً لمشروعها الإقليميّ الجديد.

ثمّ جاء الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982 ليمنح هذا المسار دفعته الحاسمة. فبعد الغزو، دخلت وحداتٌ من "الحرس الثّوريّ" الإيرانيّ إلى البقاع عبر سوريا، وتمركزت في منطقة بعلبك، حيث أسهمت في تدريب بعض المجموعات ودعمها، ومنها ما سيتبلور لاحقًا في "حزب الله". وتجمع المصادر البحثيّة والسّياسيّة على أنّ الحزب ولد في تلك اللّحظة من تفاعل عدّة روافد، منها انشقاقاتٌ عن "أمل"، وكوادر إسلاميّة شيعيّة تأثّرت بالفكر الخمينيّ، وشبكاتٌ ناشطةٌ في المجال الدّعويّ والسّياسيّ، على أنّ العامل الحاسم كان الرّعاية الإيرانيّة، الماليّة والعقائديّة والعسكريّة، بإسنادٍ من النظام السوريٍّ آنذاك، في الجغرافيا والسّياسة. ومنذ تلك اللّحظة، لم تعد طهران في لبنان مجرّد دولةٍ صديقةٍ أو حليفة، بل أصبحت صاحبة استثمارٍ استراتيجيٍّ طويل الأمد..

 

قطع العلاقات واحتضان شيعي

إلّا أنّ لبنان الرسميّ حينها لم يكن متحمسًا لهذه الاندفاعة الإيرانيّة، وشكّل عام 1983 واحدةً من أكثر محطّات العلاقات اللبنانيّة، الإيرانيّة، توتّرًا، بعدما دخلت هذه العلاقات في طور القطيعة على وقع رفض طهران اتّفاق 17 أيّار مع إسرائيل، وتحريضها العلنيّ على إسقاطه ومقاومته، في ما عدّته بيروت آنذاك تدخّلًا سافرًا في شؤونها الداخليّة. غير أنّ هذا التوتّر لم يكن منفصلًا عن السياق الذي أعقب الاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام 1982، حين انخرطت إيران مبكرًا في دعم خيار المقاومة، سياسيًّا وميدانيًّا.

وبدأ قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع إيران في تشرين الثاني 1983، ويُذكر أنّ المدير العام لوزارة الخارجيّة يومها السفير فؤاد الترك استدعى القائم بالأعمال الإيراني وأمهله 72 ساعة للمغادرة. وعندها قامت جماعات شيعيّة باعتصام في أحد جوامع الضاحية، وابقوا على السفير سنة ونصف في الضاحية لديهم، وبعد "انتفاضة 6 شباط"، وإسقاط "اتفاق 17 أيار"، قدّمت الخارجية الإيرانيّة أوراق اعتماد جديدة لسفير جديد.

 ومع إسقاط اتّفاق 17 أيّار وإلغائه في عام 1984، سارت العلاقة الرسميّة على إيقاع التطورات الإقليميّة وتحديدًا الحرب العراقيّة - الإيرانيّة الّتي وقف فيها لبنان إلى جانب الموقف العربيّ، وبدأت العلاقة تتّجه تدريجيًّا نحو إعادة الترميم بعد نهاية الحرب العراقيّة - الإيرانيّة، إلى أن دخلت، في مطلع التسعينيّات وبعد اتّفاق الطائف، مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون السياسيّ، تُوّجت بانطلاقة أوضح للعلاقات الرسميّة بين البلدين عام 1991، مع زيارة وزير الخارجيّة فارس بويز إلى طهران وإطلاق اللجنة الاقتصاديّة المشتركة بين البلدين.

 

استثمار طويل الأمد

على امتداد التّسعينيّات ثمّ بعد الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان عام 2000، ترسّخ هذا الاستثمار. لكنّ حرب تمّوز 2006 كانت المحطّة التي جعلت النّفوذ الإيرانيّ أكثر ظهورًا وأشدّ ثقةً بنفسه. يومها اعتبر "حزب الله" أنّه حقّق انتصارًا وقدّمت طهران هذا الانتصار بوصفه دليلًا على أنّ مشروعها الإقليميّ بات جالسًا فعلًا على ضفاف المتوسّط وعلى تماسٍّ مباشرٍ مع إسرائيل، كما قال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في تصريحات سابقة.  غير أنّ المسار لم يبق صاعدًا على الخطّ نفسه. فالحرب الواسعة التي تعرّض لها "حزب الله" في 2024 مثّلت ضربةً قاسيةً لبنيته القياديّة والعسكريّة، قبل أن تكشف تقارير رويترز في آذار 2026 أنّ "الحرس الثّوريّ" عاد بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثّاني 2024 ليعيد تنظيم قيادة الحزب، ويرسل ضبّاطًا للإشراف على إعادة التّسليح والتّدريب وإعادة بناء التّشكيلات.

 وهذه ليست تفصيلةً تقنيّة، بل علامةٌ على أنّ العلاقة بين طهران والحزب بلغت مستوىً من التّداخل يجعل إيران، في نظر خصوم "حزب الله" والحكومة اللّبنانيّة ، شريكًا مباشرًا في قرار فتح جبهة الجنوب، لا داعمًا من بعيد. ومن هنا يمكن فهم الحساسيّة اللّبنانيّة المستجدّة تجاه الوجود الإيرانيّ غير الدّبلوماسيّ.

 

عام التوتر الدبلوماسيّ

بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على لبنان، شهدت العلاقة الدبلوماسيّة بين لبنان الرسميّ وإيران توترًا بالغًا بدأ من استدعاء حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي، للسفير الإيرانيّ مجتبى أماني تنديدًا بتصريحات رئيس البرلمان الإيرانيّ محمد باقر قاليباف الذي قال وقتها إنّ "إيران ستكون مستعدة للتفاوض بشكل ملموس حول إجراءات تنفيذ القرار 1701 مع فرنسا، التي ستعمل كدولة وسيط بين حزب الله وإسرائيل"، وثمّ استدعائه مرةً أخرى على خلفية تصريحاته الّتي قال فيها إن مشروع نزع السلاح "هو مؤامرة واضحة ضدّ الدول". وتلا ذلك، في الحكومة الحالية، استدعاء وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، للقائم بأعمال السفارة الإيرانية توفيق صمدي إلى وزارة الخارجية حيث قابله الأمين العام للوزارة السفير عبد الستار عيسى، وواجهه بجملة من التساؤلات الجدية إزاء التصريحات الصادرة عن السفارة الإيرانية في لبنان ومندوب إيران لدى الأمم المتحدة، ولا سيما لجهة ادعائهم أن الإيرانيين الأربعة الذين استُهدفوا في أحد فنادق منطقة الحازمية يحملون صفة دبلوماسية، وأن وجودهم على الأراضي اللبنانية كان بعلم وزارة الخارجية اللبنانية ومعرفتها، وهو ما تنفيه الوزارة نفياً قاطعاً وتعتبره مخالفاً للحقيقة. وآخرها اليوم بطرد السفير. 

 

وعليه، قد لا يكون ما جرى مجرّد حادثةٍ دبلوماسيّةٍ عابرة، بل لحظةً كاشفةً لاختبارٍ أعمق يتعلّق بموقع لبنان في خرائط الاشتباك الإقليميّ، وبقدرته على إعادة رسم حدود علاقاته الخارجيّة وفق مقتضيات سيادته وتوازناته الدّاخليّة في آنٍ معًا. غير أنّ المشهد لا يزال أبعد من أن يُحسم نهائيًّا: فبين من يرى في الخطوة بدايةَ تصحيحٍ لمسارٍ مختلّ، ومن يعدّها تصعيدًا محفوفًا بالمخاطر، يبقى الأكيد أنّ العلاقة بين بيروت وطهران دخلت مرحلةً جديدةً عنوانها إعادة التّقييم، لا القطيعة بالضّرورة، والمراجعة، لا الحسم الكامل. وفي بلدٍ اعتاد أن تتداخل فيه الدّبلوماسيّة بالسّياسة، والسّيادة بتوازنات الخارج، ستبقى الأسئلة مفتوحةً حول ما إذا كان هذا التّحوّل سيُفضي إلى قواعد اشتباكٍ جديدة، أم أنّه سيبقى فصلًا آخر في علاقةٍ لم تعرف يومًا الاستقرار الكامل..

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث