الحدود اللبنانية-السورية في الحرب: بين الاحتواء أو الانفجار

Image-1774352605
منطقة احتكاك محتملة يمكن أن تتأثر سريعًا بأي تصعيد في المنطقة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تعد الحدود اللبنانية-السورية مجرّد منطقة هشّة بين دولتين متجاورتين عانتا الحروب والصراعات وتأكّل المؤسسات الرسمية المسؤولة عن إدارتها في كلا البلدين، بل تحوّلت في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان وتوسّعها المطّرد إلى خط اضطراب حساس، تتقاطع عنده حسابات سورية الأمنية مع مخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تكون هذه الحدود مسرحًا محتملًا لها؛ فالتطورات المتسارعة في المنطقة، لا سيما مع انخراط حزب الله في المواجهة الإقليمية التي أعقبت الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، أعادت تحميل هذه الحدود أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز الإطار التقليدي لإدارة الحدود بين دولتين "شقيقتين".

 

لقد كشفت الوقائع الميدانية الأخيرة على طول الشريط الحدودي بين الدولتين عن هذه التحوّلات بوضوح؛ فالإنزال الإسرائيلي في بلدة لبنانية حدودية مع سورية، وحادثة إطلاق القذائف في محيط سرغايا، والتعزيزات العسكرية السورية في عدد من النقاط الحدودية، وسلسلة الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع بمسؤولين لبنانيين  وعرب ودوليين، كلها مؤشرات على أن ملف الحدود ما عاد مقتصرًا على الشأن الروتيني كضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبح جزءًا من تفاعلات إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل الحرب الدائرة في المنطقة وباحتمالات اتساعها.

في هذا السياق، لا تنظر الحكومة السورية إلى ما يجري على هذا الجانب اللبناني من الحدود على أنه شأن لبناني بحت، بل من زاوية خشيتها من أن تصبح هي نفسها جزءًا من جبهة إضافية في حال توسع نطاق الحرب. في المقابل، يخشى لبنان أن يتحوّل أي احتكاك حدودي أو تفلت عسكري إلى عامل إضافي لتوسيع الحرب التي يعيشها أصلًا نتيجة العدوان الإسرائيلي الواسع على جنوب لبنان وصولًا إلى العاصمة بيروت. بين هاتين المقاربتين، قد تجد إسرائيل في استمرار الهشاشة الأمنية على الحدود اللبنانية-السورية فرصة لتوسيع هامش الضغط على حزب الله، أو لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة بما يخدم استراتيجيتها العسكرية.

انطلاقًا من هذا، يسعى تقدير الموقف هذا إلى تحليل موقع الحدود اللبنانية-السورية في سياق التحوّلات الإقليمية الراهنة، من خلال قراءة تطور هذا الملف تاريخيًّا، وفهم التحوّلات التي طرأت عليه بعد سقوط نظام الأسد، وتحليل الهواجس الأمنية لكل من سورية ولبنان في المرحلة الحالية، وصولًا إلى استشراف السيناريوات المحتملة لمستقبل هذه الحدود في ظل توسع الحرب والعدوان.

 

الحدود اللبنانية-السورية تاريخيًّا: من هشاشة الترسيم إلى فائض التداخل

يصعب مقاربة ما يجري اليوم من دون العودة إلى الطبيعة التاريخية الخاصة للحدود اللبنانية-السورية. فهذه الحدود لم تكن منذ نشأتها حدودًا صلبة بين كيانين منفصلين بالكامل، بل خرجت من إرث الانتداب الفرنسي، وهي تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من الالتباس السياسي والاجتماعي والجغرافي

لقد ظلّ جزء واسع من المناطق الحدودية، الممتد عبر سلاسل جبلية ووديان وبلدات متداخلة، فضاءً مفتوحًا أكثر منه خطًّا فاصلًا . وكانت العلاقة بين السكان على جانبي الحدود، لا سيما في البقاع، والقلمون، وريف حمص، وعكار، والهرمل، أقرب إلى الامتداد الاجتماعي والاقتصادي منها إلى علاقة جوار بين مجتمعين منفصلين.

هذه الطبيعة الخاصة للحدود جعلت إدارتها منذ الاستقلال أمرًا ملتبسًا، فملف ترسيمها ظلّ ناقصًا في أكثر من نقطة، وكانت القدرة على الضبط الميداني محدودة، فيما بقيت المعابر غير الشرعية جزءًا بنيويًّا من الاقتصادات المحلية ومن شبكات النفوذ.

لكن العامل الحاسم في جعل هذه الحدود أكثر تعقيدًا كان المسار السياسي للعلاقة بين الدولتين. فمنذ دخول القوات السورية لبنان في عام 1976، ثم خلال مرحلة الوصاية والهيمنة السورية حتى عام 2005، لم تُدَر الحدود بوصفها حدودًا بين دولتين كاملتي السيادة، بل بوصفها جزءًا من مجال سياسي وأمني واقتصادي واحد تتحكم دمشق في مفاصله الأساسية. لذلك، لم يكن ضبط الحدود أولوية لبنانية ولا سورية، بل كان المطلوب في كثير من الأحيان الإبقاء على هذا الالتباس لأنه يخدم شبكات السيطرة والحركة والنفوذ.

 

بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005، بدأ ملف الحدود يبرز بقوة أكبر في النقاش السياسي اللبناني ، لكن ليس باعتباره ملفًّا سياديًّا وإداريًّا وحسب، بل باعتباره جزءًا من إعادة تعريف العلاقة مع سورية بعد الوصاية أيضًا. إلا أن هذا النقاش بقي أسير الانقسام اللبناني الداخلي، بين من أراد مقاربته من زاوية السيادة الكاملة وضبط المعابر، ومَن ظل يتعامل معه من زاوية الحاجة إلى إبقاء هامش واسع للحركة، سواء لاعتبارات سياسية مرتبطة بعلاقة حزب الله مع النظام السوري، أو لاعتبارات محلية واقتصادية مرتبطة بواقع المناطق الحدودية وشبكات التهريب.

ثم جاءت الثورة السورية في عام 2011 فمنحت الحدود وظيفة جديدة أكثر خطورة. فقد تحوّلت إلى ممر للمسلحين، والسلاح، والتمويل، وعبور اللاجئين، والمواد المهربة، وخرجت السيطرة عليها من يد الدولتين بدرجات متفاوتة . وبذلك ما عادت الحدود مجرّد منطقة هشّة، بل صارت جزءًا من تشكّل الحرب السورية نفسها. هذا الإرث هو الذي يفسر لماذا لا يُنظر اليوم إلى أي تحرك عسكري أو أمني على طول هذه الحدود بوصفه إجراءً تقنيًّا فحسب، بل باعتباره فعلًا سياسيًّا ذا دلالات إقليمية أيضًا.

في هذا السياق، برزت محاولات دولية لمساعدة الحكومة اللبنانية على تعزيز قدرتها على ضبط الحدود. ومن أبرز هذه المحاولات المشروع الذي دعمته بريطانيا ابتداءً منذ عام 2014 لإنشاء شبكة من أبراج مراقبة عسكرية على طول أجزاء من الحدود الشرقية والشمالية للبنان، مجهّزة بكاميرات حرارية وأنظمة رصد متطورة. وقد ساهمت هذه الأبراج في تحسين قدرة الجيش اللبناني على مراقبة التحركات في المناطق الحدودية الوعرة والكشف المبكر عن عمليات التسلل والتهريب. إلا أن تأثيرها بقي محدودًا نسبيًّا، لأن المشكلة الحدودية لم تكن تقنية فحسب، بل كانت مرتبطة بطبيعة التداخل الجغرافي والاجتماعي أيضًا، وبوجود شبكات تهريب وفاعلين غير دولتيين يصعب ضبط حركتهم بالكامل.

 

ما بعد سقوط الأسد: من حدود النفوذ إلى حدود الاحتواء

أحدث سقوط بشار الأسد ونظامه تحوّلًا مهمًّا في المقاربة السورية لملف الحدود مع لبنان؛ فالإدارة السورية الجديدة لم ترث دولة منهكة ومجالًا حدوديًّا هشًّا فحسب، بل ورثت إرثًا ثقيلًا أيضًا من علاقة غير متوازنة مع لبنان، ومن استخدام الحدود ممرّات نفوذ وتداخل أمني. لذلك، كان من الطبيعي أن يظهر في خطاب القيادة الجديدة ميل واضح إلى إعادة تعريف وظيفة الحدود، وما عادت دمشق تريدها مجالًا للهيمنة، ولا ساحة لإدارة الداخل اللبناني، بل خطًّا يجب تحصينه لمنع انتقال الأخطار إلى سورية ومنع عودة استخدامه لمصلحة شبكات حليفة لإيران.

هذا التحوّل ظهر في الخطاب الرسمي للقيادة السورية الجديدة ، فالمقاربة الجديدة تقوم على أربع أفكار مترابطة. الأولى، أن سورية لا تريد التدخل في لبنان، ولا تنوي استخدام حضورها أو جغرافيتها لاستعادة نمط الوصاية السابق. الثانية، أن أمن الحدود بات مسألة سيادية سورية مباشرة مرتبطة بشرعيتها الدولية كما استقرارها الداخلي، لا مجرد تفصيل إداري يمكن التراخي حياله. والثالثة، أن استقرار لبنان مهمّ لسورية، لكن هذا لا يعني قبول دمشق بأن تصبح حدودها مع لبنان منفذًا لتسلل الفوضى أو السلاح أو الصراعات الإقليمية.

 

التطورات الأخيرة: قلق متزايد من توسّع التحركات

لم تكن التطورات الحدودية الأخيرة مجرّد حوادث أمنية موضعية، بل تعكس مستوى متزايدًا من الحساسية التي باتت تحيط بالحدود اللبنانية-السورية في ظل الحرب الإقليمية الجارية. فقد شكّل الإنزال الإسرائيلي في منطقة لبنانية تقع على الحدود الشرقية مع سورية وحادثة سقوط القذائف في محيط سرغايا، وما أعقبهما من تعزيزات عسكرية سورية في عدد من النقاط الحدودية، مؤشرًا إلى أن هذه الحدود باتت تُقرأ من جانب الأطراف المعنية ضمن سياق أوسع يتجاوز البعد الأمني التقليدي.

فبالنسبة إلى دمشق، لا تقتصر دلالات هذه الحوادث على مسألة ضبط الحدود أو الرد على خروقات محدودة، بل ترتبط بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى الداخل السوري أيضًا، سواء عبر تحرّكات مرتبطة بحزب الله أو عبر محاولات إسرائيلية لفتح مسارات ضغط إضافية في المنطقة. من هذا المنظور، يمكن فهم التعزيزات العسكرية السورية الأخيرة بوصفها جزءًا من مقاربة احترازية تهدف إلى منع تحوُّل المناطق الحدودية إلى مساحة يمكن أن تُستخدم لتوسيع نطاق المواجهة.

في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات بقدر كبير من الحذر، إذ تخشى بيروت أن يؤدّي أي احتكاك حدودي أو سوء تقدير عسكري إلى فتح مسار إضافي للحرب في وقت يواجه البلد تصعيدًا عسكريًّا مستمرًّا على جبهته الجنوبية مع إسرائيل. لذلك، سعت السلطات اللبنانية إلى احتواء حادثة سرغايا بسرعة عبر القنوات العسكرية والدبلوماسية، في محاولة لمنع تحوّلها إلى أزمة سياسية أو أمنية بين البلدين.

 

تقاطع الهواجس اللبنانية والسورية

تعكس التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية-السورية تقاطعًا واضحًا بين الحسابات الأمنية السورية ومخاوف لبنان من اتساع نطاق الحرب الإقليمية.

بالنسبة إلى دمشق، يرتبط هذا الملف بقلق متزايد من احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري. فإلى جانب التخوف من أي تحرّك عسكري مرتبط بحزب الله عبر الشريط الحدودي، تنظر القيادة السورية بقلق إلى النشاط العسكري الإسرائيلي المتزايد في مناطق البقاع القريبة من سورية. وتشير التقديرات  في دمشق إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في هذه المنطقة، سواء عبر ضرب البنى العسكرية للحزب أو عبر تنفيذ عمليات إنزال محدودة تستهدف مواقع محددة في عمق محافظة البقاع.

في بعض السيناريوات التي تُتَدَاول في الأوساط الأمنية، يبرز احتمال تحرّك إسرائيلي انطلاقًا من منطقة مرصد جبل الشيخ في اتجاه البقاع الغربي، الأمر الذي قد يجعل قوات الاحتلال الإسرائيلي أقرب جغرافيًّا إلى دمشق ويمنحها قدرة أكبر على الإشراف الميداني على مساحات من الأراضي السورية. كما يُطرح احتمال أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت نقاط موقتة أو حضور عسكري على المرتفعات الجبلية في السلسلة الشرقية، بما يتيح لها مراقبة المجالين اللبناني والسوري في آنٍ.

من هذا المنظور، تنظر دمشق إلى البقاع بوصفه منطقة شديدة الحساسية في التوازنات العسكرية الحالية؛ إذ تخشى أن يؤدي استمرار وجود بنى عسكرية لحزب الله في تلك المناطق، إلى توفير ذريعة إضافية لإسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية هناك. لهذا السبب، تضغط سورية منذ فترة على لبنان من أجل اتخاذ خطوات أكثر جدية للتعامل مع هذا الملف وتفكيك بعض البنى العسكرية لحزب الله في منطقة البقاع، انطلاقًا من تقدير مفاده أن إسرائيل قد تستغل وجود هذه البنى ومخازن الأسلحة هناك لتوسيع نطاق عملياتها والإطباق أكثر على سورية ولبنان معًا.

 

في المقابل، ينظر لبنان إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل حساسية؛ فالدولة اللبنانية، التي تواجه أصلًا عدوانًا عسكريًّا موسّعًا في جنوب لبنان ومناطق أخرى وصولًا إلى العاصمة بيروت، تخشى أن يؤدي أي توتر على الحدود الشرقية إلى فتح مسار إضافي للحرب في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. كما أن التاريخ المعقد للعلاقة السورية- اللبنانية  يجعل أي انتشار عسكري سوري قرب الحدود عرضة لتفسيرات متباينة في الساحة اللبنانية، حيث يُقرأ أحيانًا ضمن سياق أمني دفاعي، وأحيانًا أخرى ضمن هواجس سياسية مرتبطة بمرحلة الوصاية السورية السابقة.

 

من التنسيق إلى الاحتواء

في موازاة هذه التطورات، بدأ يتشكل تدرّجًا نمط جديد من قنوات التنسيق بين لبنان وسورية  بعد سقوط نظام الأسد، يقوم على إدارة المخاطر الحدودية أكثر مما يقوم على بناء سياسة حدودية مشتركة متكاملة. فالتواصل بين المؤسّستين العسكريتين، إلى جانب الاتصالات السياسية بين المسؤولين في البلدين، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن أي توتر غير مضبوط على الحدود قد يتحوّل سريعًا إلى عامل إضافي لتعقيد المشهد الإقليمي.

بناء عليه، يبدو أن هذا النمط من التنسيق يتجه تدرّجًا من مجرد تبادل معلومات أو احتواء حوادث موضعية إلى محاولة غير معلنة لبناء آلية احترازية لمنع انتقال تداعيات الحرب الإقليمية إلى هذه الحدود.

مع ذلك، لا تزال هذه القنوات التنسيقية محدودة بضعف الثقة السياسية بين البلدين وبالهشاشة البنيوية لإدارة الحدود. لذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل التنسيق الظرفي الحالي إلى مقاربة أكثر استقرارًا لإدارة الشريط الحدودي، بما يحدّ من احتمالات تحوّله إلى نقطة اشتعال إضافية في سياق الصراع الإقليمي.

 

السيناريوات المحتملة

1. سيناريو الاحتواء المنظم

يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومتين في دمشق وبيروت، بدعم عربي ودولي ضمني، في تثبيت قواعد اشتباك حدودية غير معلنة حيث لا تدخّل سوري في لبنان، ولا استخدام منظم للحدود من جانب حزب الله أو غيره ضد سورية، مع استمرار التواصل بين الجيشين، واحتواء سريع للحوادث الميدانية.

في هذا السيناريو، تتحوّل الحدود إلى خط توتّر مضبوط، لا إلى خط مواجهة. ويكون هذا الخيار هو الأكثر واقعية إذا استمرّت القيادة السورية في سياسة التحييد، وإذا وجدت الدولة اللبنانية مصلحة في تطوير التنسيق الأمني مع دمشق، وإذا تراجعت قدرة إيران في توسيع الحرب.

2. سيناريو التوترات المحدودة والمتكررة

تعتبر الهشاشة البنيوية للحدود، واستمرار الحرب، وبقاء حزب الله لاعبًا عسكريًّا أساسيًّا، عوامل تجعل من المرجّح تكرار حوادث من نوع سقوط قذائف، أو مناوشات، أو اتهامات متبادلة، أو تحركات عسكرية محدودة على جانبَي الحدود. في هذا السيناريو لا تنفجر الحدود بالكامل، لكنها تبقى مصدرًا دائمًا للقلق، ويزداد فيها منطق إدارة الأزمات بدل حلّها. وخطورة هذا أنه قد يراكم طبقات من عدم الثقة بين الطرفين، ويمنح إسرائيل فرصة استثمار أي حادث لتوسيع عدوانها للضغط على كل من لبنان وسورية. ونظرًا إلى الظروف الراهنة يعتبر هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا.

3. سيناريو الاختراق الإسرائيلي للمنطقة الحدودية

يفترض هذا السيناريو أن توسع إسرائيل عدوانها إلى مرحلة أكثر هجومية في منطقة البقاع والمناطق القريبة من سورية، سواء عبر عمليات إنزال، أو عمليات خاصة، أو ضربات نوعية متكررة، أو محاولات تثبيت مواضع نار وسيطرة على مرتفعات حسّاسة. في هذه الحالة، تصبح الحدود اللبنانية-السورية مجالًا عملياتيًّا مزدوجًا، ساحة حرب ضد حزب الله، ومجال ضغط على سورية نفسها.

هذا السيناريو لا يعني بالضرورة مواجهة سورية-إسرائيلية مباشرة، لكنه يرفع احتمالات الاحتكاك، ويدفع دمشق إلى اتباع مزيد من العسكرة على الحدود، وقد يضع لبنان أمام مستوى جديد من الحرب لا يقتصر على الجنوب.

4. سيناريو التحرّك السوري باتجاه لبنان والسيطرة على منطقة عازلة في البقاع

ينطلق هذا السيناريو ممّا تردّد عن تقارير حول تشجيع أميركي نحو دفع سورية إلى الدخول نحو المناطق الحدودية اللبنانية في سهل البقاع لنزع سلاح حزب الله والسيطرة على تلك المناطق، الأمر الذي لم يلق حتى الساعة التجاوب المطلوب من الجهات السورية؛ فالجانب السوري متوجّس من فكرة التدخل في لبنان ومن الانخراط في الحرب الحالية، وتبقى احتمالية حدوث هذا السيناريو موجودة نظريًّا إلا أنه يبقى غير مرجّح في المرحلة الراهنة لتبعاته السياسية والعسكرية السلبية.

خاتمة

تكشف التطورات الأخيرة أن الحدود اللبنانية-السورية دخلت مرحلة جديدة من الحساسية الأمنية والسياسية، إذ لم تعد مجرّد ملف إداري يتعلّق بضبط المعابر أو مكافحة التهريب، بل أصبحت إحدى النقاط التي تتقاطع عندها تداعيات الحرب الإقليمية الجارية في المنطقة. فالتداخل بين الحسابات الأمنية السورية، ومخاوف لبنان من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، واحتمالات سعي إسرائيل إلى استثمار هشاشة البيئة الحدودية وتوسيع عدوانها، تجعل من هذه الحدود مساحة شديدة التأثّر بتطوّرات الصراع الدائر في المنطقة.

 

منطقة احتكاك محتملة

في هذا السياق، تبدو الحدود اللبنانية-السورية مرشّحة لأن تبقى خلال المرحلة المقبلة إحدى الجبهات الهشّة في المشهد الإقليمي، ليس بالضرورة بوصفها ساحة مواجهة مباشرة، بل باعتبارها منطقة احتكاك محتملة يمكن أن تتأثّر سريعًا بأي تصعيد عسكري أو سياسي في المنطقة. فالهشاشة البنيوية التي طبعت إدارة هذه الحدود تاريخيًّا، إلى جانب استمرار وجود فاعلين غير دولتيين وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، تجعلها عرضة لأن تتحوّل إلى مساحة ضغط إضافية ضمن الحسابات الاستراتيجية للقوى المنخرطة في الحرب.

انطلاقًا من هذا، فإن إدارة الحدود اللبنانية-السورية خلال المرحلة المقبلة ستشكّل اختبارًا مهمًّا لقدرة الدولتين على منع تحوّلها إلى ساحة إضافية للحرب الإقليمية. فنجاح بيروت ودمشق في تطوير قنوات تنسيق أمني فعّالة وتعزيز ضبط المنطقة الحدودية قد يساهم في احتواء تداعيات الحرب ومنع انتقالها إلى هذه الجغرافيا الحسّاسة. في المقابل، قد يؤدّي استمرار الهشاشة الأمنية وغياب آليات تنسيق مستقرّة إلى زيادة احتمالات الاحتكاك، أو إلى فتح المجال أمام قوى إقليمية للاستثمار في التوتّرات الحدودية بما يخدم حساباتها في الصراع الدائر.

في المحصلة، لن يتحدّد مستقبل الحدود اللبنانية-السورية بميزان القوى العسكري في المنطقة فحسب، بل بمدى قدرة الدولتين على إعادة تعريف إدارة هذه الحدود أيضًا في إطار من التنسيق الأمني والسياسي يحدّ من هشاشتها المزمنة، ناهيك بقدرة البلدين على مقاومة المخطّطات الدولية والإسرائيلية تجاهها، بما يحول دون تحوّل الحدود إلى إحدى نقاط الاشتعال المحتملة في حرب إقليمية لم تتّضح حدودها النهائية بعد.