قبيل الحرب مع إيران، لم يكن انضمام "حزب الله" إلى المواجهة محسومًا. اعتمد التنظيم سياسة غامضة، إذ أعلن دعمه الكامل لطهران من دون تحديد شكل تدخله، في وقت كان يواجه تراجعًا عسكريًا وضغطًا سياسيًا داخليًا متصاعدًا لنزع سلاحه. وخلال الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، امتنع الحزب عن القتال وركّز على إعادة بناء قدراته بدعم إيراني.
يرى تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن قرار فتح الجبهة في 2 آذار/مارس جاء رغم كلفته المرتفعة لتحقيق هدفين: تخفيف الضغط عن إيران عبر إشغال إسرائيل في الجبهة اللبنانية، ومنع تراجع الدعم الإيراني في حال تعرضت طهران لضربة قاسية. كما سعى الحزب إلى وقف مسار تراجعه الداخلي، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية ضده من دون رد، وتصاعد الدعوات الرسمية والشعبية لنزع سلاحه، إضافة إلى انتقادات داخل بيئته الحاضنة، خصوصًا مع تفاقم أزمة النزوح.
ويشير التقرير إلى تحوّل في خطاب الحزب خلال الأيام الأولى للحرب. فبعد بيان أول ذي طابع ديني أثار انتقادات داخلية، عاد الحزب ليؤطر مشاركته باعتبارها دفاعًا مشروعًا ضد إسرائيل، متجنبًا إبراز البعد الإيراني بشكل مباشر. كذلك، لم يذكر الأمين العام نعيم قاسم إيران في خطابه الأول خلال الحرب، مؤكداً انتهاء سياسة الإحتواء.
ميدانيًا، يلفت التقرير إلى أن الحزب يستخدم كامل ترسانته منذ البداية، مطلقًا مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة يوميًا باتجاه شمال إسرائيل وعمقها، وصولًا إلى مشارف حيفا، إضافة إلى استخدام محدود لصواريخ باليستية. وفي عملية "العصف المأكول" في 11 آذار/مارس، خطط لإطلاق نحو 600 صاروخ بالتنسيق مع إيران، إلا أن الجيش الإسرائيلي أحبط جزءًا كبيرًا منها.
ورغم تقدير تراجع قوته إلى نحو 20% من مستواها قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، يشير التقرير إلى أن الحزب أعاد بناء جزء من قدراته بعد وقف إطلاق النار، مستفيدًا من دعم إيراني مستمر. وتُقدّر ترسانته قبيل الحرب بنحو 20 إلى 25 ألف صاروخ وقذيفة، إضافة إلى ما بين ألف وألفي طائرة مسيّرة.
في المقابل، أعاد الحزب تنظيم قواته، خصوصًا "قوة الرضوان"، وفق نمط انتشار يقوم على مجموعات صغيرة ومتحركة، لتفادي الاستهداف الاستخباراتي، تحسبًا لأي توغل بري إسرائيلي.
داخليًا، يتحدث التقرير عن تصاعد الضغط على الحزب من قبل رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام، لا سيما بعد قرار السعي لنزع سلاحه في آب/أغسطس 2025. وقد طالبت الدولة اللبنانية الحزب بعدم الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، مشيرة إلى تعهدات بعدم استهداف لبنان في حال التزامه، إلا أن الحزب خالف ذلك.
في هذا السياق، طرح الرئيس عون مبادرة لوقف الحرب، تتضمن وقف إطلاق النار، انسحابًا إسرائيليًا، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، إضافة إلى استعداد غير مسبوق لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ورغم صدى المبادرة دوليًا، رفضها "حزب الله"، مشترطًا وقف العمليات الإسرائيلية أولًا، فيما يعارض رئيس مجلس النواب نبيه بري إجراء مفاوضات تحت النار.
من وجهة النظر الإسرائيلية التي يعكسها التقرير، فإن دخول "حزب الله" الحرب، رغم كونه غير مثالي، يشكّل فرصة لضرب قدراته، خصوصًا في ظل تقدير بأن وتيرة إعادة بنائه تفوق حجم الضرر الذي لحق به، وبسبب غياب تنفيذ فعلي لقرار نزع سلاحه من قبل الدولة اللبنانية. كما يشكك التقرير بفعالية انتشار الجيش اللبناني جنوبًا، معتبرًا أن الحزب لا يزال ينشط في تلك المناطق.
ويقدّر التقرير أن استمرار الحرب سيؤدي، حتى من دون نزع سلاح الحزب بالكامل، إلى تآكل كبير في قدراته، وتراجع مكانته الداخلية، وتقليص قدرة إيران على دعمه، في ظل دعم شعبي داخل إسرائيل لهذه العمليات وغطاء أميركي نسبي.
ويخلص إلى أن العمل العسكري وحده لا يكفي، بل يجب مواكبته بمسار سياسي يستفيد من استعداد الحكومة اللبنانية للدخول في مفاوضات، بهدف تثبيت النتائج ميدانيًا. وفي هذا الإطار، يدعو إلى التركيز على استهداف الحزب عسكريًا من دون توسيع الضربات لتشمل البنية التحتية المدنية أو الجيش اللبناني، وتجنّب التورط في احتلال طويل الأمد، مقابل الدفع نحو تفاهم أمني مع لبنان بدعم دولي، والضغط على الدولة اللبنانية لاتخاذ خطوات أكثر حزمًا للحد من نفوذ الحزب داخل مؤسساتها.




