لبنان بين ثلاث سرديات: حزب الله وأعداؤه والدولة المؤجلة

خلدون الشريفالاثنين 2026/03/23
Image-1774173072
تحول حزب السلاح أحد أعمدة "نظام اللادولة" الذي يبتلع لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان اليوم لا يدور الصراع فقط حول حزب الله وسلاحه، ولا حول الحرب الدائرة فيه وحدها. ما يجري في العمق هو صراع بين ثلاث سرديّات كبرى، تحاول كلّ واحدة منها تفسير الأزمة اللبنانية وتحديد طريق الخروج منها.

سردية ترى لبنان جزءًا من معركة إقليمية تقودها إيران ومحورها، وسردية أخرى تختصر المشكلة اللبنانية كلها بحزب الله وسلاحه، وبينهما سردية ثالثة لم تتبلور سياسيًا بعد: سردية الدولة الوطنية.

هذا الصراع بين السرديات ليس نقاشًا فكريًا مجردًا، بل هو ما يحدد مصير لبنان نفسه: هل يبقى ساحة صراع مفتوحة، أم يستطيع، ولو بعد أن تضع الحرب أوزارها، أن يتحول إلى دولة قادرة على حماية مجتمعها وإدارة خلافاتها ضمن مؤسساتها؟

 

سردية المقاومة

السردية الأولى هي سردية حزب الله ومحوره.

في هذه السردية لا تُطرح الأزمة بوصفها خللًا داخليًا في بنية الدولة أو في احتكارها الشرعي للسلاح، بل بوصفها فصلًا من حربٍ إقليمية كبرى على المقاومة، وعلى موقعها في المنطقة، وعلى كل من يرفض الخضوع للمشروع الإسرائيلي–الأميركي.

وفق هذا المنطق، يصبح السلاح ضرورة وجودية لا مجال للتفاوض حولها. ويُقدَّم أي نقاش داخلي بشأنه على أنه استجابة لضغوط خارجية أو تماهٍ مع الحرب على المقاومة.

هذه السردية تستند إلى عناصر واقعية لا يمكن إنكارها: تاريخ طويل من الاعتداءات الإسرائيلية، وعجز دولي مزمن عن ردع إسرائيل أو كبح قدرتها على فرض الوقائع بالقوة، وفشل الدولة اللبنانية نفسها في حماية أرضها وحدودها ومواطنيها.

لكن هذه السردية تتجاهل تحولًا جوهريًا حصل خلال العقود الأخيرة. فالمقاومة التي ظهرت يومًا بوصفها قضية وطنية كادت أن تكون جامعة، تحولت تدريجيًا إلى بنية طائفية مغلقة، مرتبطة بمحور إقليمي، ومنخرطة في الوقت عينه في نظام السلطة اللبناني، بكل ما فيه من محاصصة وتعطيل وانتهاكات.

وعندما يحدث هذا التحول، يتغير معنى السلاح نفسه: فلا يعود مجرد أداة دفاع، بل يتحول إلى عنصر قوة داخلية يعيد تشكيل التوازنات السياسية -كما حصل مرارًا- ويمنع قيام الدولة، ويتحوّل في الوقت نفسه إلى أحد أعمدة نظام اللادولة الذي يبتلع لبنان منذ عقود.

 

سردية أعداء حزب الله

السردية الثانية هي الخاصة بأعداء حزب الله، في بعدها الدولي والداخلي.

هذه السردية تختصر أزمة لبنان في الحزب نفسه: في سلاحه، وفي بنيته العسكرية والأمنية، وفي كونه سلطة موازية للدولة. ومن هنا، لا ترى مخرجًا إلا عبر تفكيكه ونزع سلاحه وإخراجه من المعادلة السياسية والعسكرية، باعتبار ذلك شرطًا مسبقًا لأي استقرار أو إعادة بناء للدولة.

تلتقط هذه السردية جزءًا حقيقيًا من المشكلة، لأن لا دولة يمكن أن تقوم في ظل تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، ولا سيادة يمكن أن تستقيم مع وجود قوة مسلحة خارج إطار الشرعية.

لكنها، في المقابل، تنطوي على قدر كبير من التبسيط والعمى السياسي. فهي، إضافة إلى تعاميها عن مشاكل لبنان البنيوية من فساد وزبائنية وطائفية، ومن ارتباط مزمن بأجندات الخارج منذ نشوء لبنان الكبير، تتعامل مع لبنان كأنه ملف أمني يمكن حسمه بالضغط والقوة، ومع حزب الله كأنه جسم يمكن اقتلاعه من المجتمع اللبناني من دون كلفة داخلية كارثية.

وفوق ذلك، تمنح هذه السردية إسرائيل هامش استباحة واسع باسم "بناء الدولة"، فيما إسرائيل لا تخوض حربها بمنطق دعم الدولة اللبنانية، بل بمنطق الإخضاع والتدمير وإعادة تشكيل التوازنات بالقوة.

والمشكلة الأعمق أن لبنان لم يعد يتحرك ضمن حدوده فقط. فالحرب الدائرة في المنطقة -من إيران إلى جنوب لبنان وغزة، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز- جعلت البلد جزءًا من صراع جيوسياسي أكبر بكثير من قدرته على الاحتمال أو حتى الانخراط فيه.

في مثل هذه الحروب، لا تُحسم المعادلات داخل الدول الضعيفة بل فوقها، ما يجعل لبنان ساحة لتصفية التوازنات، لا دولة قادرة على فرض سيادتها.

هكذا، وبين سردية تبرّر بقاء السلاح إلى ما لا نهاية، وسردية تدعو إلى نزعه ولو بالقوة، يضيع لبنان بين حدّين متناقضين لا ينتجان دولة.

 

السردية الثالثة: الدولة الممكنة

من هنا تبرز الحاجة إلى سردية ثالثة: سردية وطنية.

سردية لا تنكر المشكلة ولا تتهرب منها، لكنها ترفض أيضًا أن يُختصر لبنان بين الحزب وأعدائه.

تنطلق هذه السردية من حقيقة بسيطة: لا يمكن أن تقوم دولة مستقرة في ظل تعدد مراكز القوة العسكرية خارجها. فالدولة الحديثة لا تقوم على توازن الميليشيات، بل على احتكار الشرعية والسلاح.

لكنها تدرك في الوقت نفسه أن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تتم بمنطق الكسر أو الاقتلاع.فحزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري، بل بنية اجتماعية وسياسية راسخة داخل الطائفة الشيعية، لا تظهر مؤشرات جدية على تفككها رغم حجم الألم والخسائر.

وبالرغم من الإحباط المتزايد، لا يظهر تحول جذري في المزاج الشيعي. الأصوات النقدية ارتفعت، لكنها لم تتحول إلى قطيعة فعّالة. بل إن شعور الجماعة بتهديد وجودي يدفع جزءًا منها إلى مزيد من التضامن الداخلي.

ويتعزز هذا الاتجاه بعوامل عدة: الاعتقاد بأن الحرب كانت ستقع على أي حال، وأن إسرائيل اتخذت قرارًا بتصفية الحزب؛ وفشل المسار الدبلوماسي منذ اتفاق وقف النار في تشرين الثاني 2024؛ وترسخ ثقافة التضحية ذات البعد "الكربلائي"؛ والشعور بأن التراجع بعد هذه الكلفة الباهظة بات مستحيلًا.

بهذا المعنى، لم يعد الخيار يُصاغ سياسيًا بقدر ما يُختزل وجوديًا: إمّا القتال مع كلفة عالية، أو الهزيمة بكلفة أعلى.

هذا الواقع يجعل أي طرح يقوم على "تفكيك الحزب" طرحًا غير واقعي، لأنه يتجاهل أن المسألة لم تعد تنظيمًا بل بيئة كاملة.

من هنا، لا يمكن الخروج من المأزق عبر انتصار طرف لبناني على آخر، بل عبر انتقال تدريجي من نموذج اللادولة إلى نموذج الدولة.

 

هذا الانتقال يمر بثلاث خطوات أساسية:

أولًا، إعادة تعريف المقاومة ضمن إطار وطني، بحيث يصبح الدفاع عن لبنان وظيفة دولة -وظيفة مواطن وجيش- لا وظيفة فئة.

ثانيًا، إعادة إدماج الطائفة الشيعية داخل الدولة كشريك كامل، لا كجماعة تبحث عن حماية خارجها.

ثالثًا، إعادة وصل لبنان بعمقه العربي بالمعنى العضوي، بدل بقائه ساحة لصراعات المحاور.

هذه ليست حلولًا سريعة، لكنها الإطار الواقعي الوحيد لكسر الحلقة المفرغة التي يعيشها لبنان.

 

مأزق الشيعة ومأزق لبنان

لكن الخطر الأعمق لا يكمن فقط في مصير حزب الله، بل في مصير البيئة الاجتماعية التي جرى ربطها به. فعندما يتحول تنظيم إلى ممثل شبه حصري لطائفة، ويُربط مصيرها بمصير مشروعه، تصبح هذه الطائفة نفسها في قلب الاستهداف.

في الحروب الحديثة، لا يبقى الاستهداف عسكريًا فقط، بل يمتد إلى المجتمع نفسه.

وهنا تكمن المأساة: استمرار نموذج "المقاومة الطائفية" لا يهدد الدولة اللبنانية فقط، بل يهدد أيضًا الجماعة التي يُفترض أنه يدافع عنها.

الدولة التي لم تولد… هل تولد حيّة؟

في جوهر الأزمة، لا تكمن مشكلة لبنان في حزب الله وحده، ولا في خصومه وحدهم، بل في استحالة الجمع بين منطقين متناقضين: منطق الدولة ومنطق المقاومة الطائفية.

فالدولة تحتكر القرار والسلاح، بينما المقاومة الطائفية تنطلق من شرعية موازية. والجمع بينهما لا ينتج توازنًا، بل نظامًا هشًا قابلًا للانفجار عند كل أزمة.

ما يحتاجه لبنان اليوم ليس تسوية بين السرديتين الأولى والثانية، بل كسرهما معًا. فلا الدولة تُبنى تحت سلاح طائفي، ولا تُفرض بالقوة على مجتمع منقسم.

من دون هذا التحول، ستبقى السرديتان الأولى والثانية تتقاتلان فوق أنقاض لبنان:

واحدة تدفعه نحو اللادولة باسم المقاومة، وأخرى تدفعه نحو التفكيك باسم الدولة. وبينهما يقف لبنان الحقيقي: الدولة التي لم تولد بعد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث