لم يتوقف الجدال السياسي المتعلق بمحاكمة عناصر حزب الله الذين أوقفهم الجيش اللبناني قبل أيام في جنوب لبنان. إذ يُطبق القضاء مفاعيل قرار مجلس الوزراء القاضي باعتبار العمل العسكري للحزب خارجًا عن القانون.
في المقابل يُصر مسؤولو الحزب على اعتبار القرار باطلًا. وكان آخر تعليق في هذا الإطار ما قاله عضو المكتب السياسي وفيق صفا، وقبله نائب رئيس المكتب محمود قماطي، ووصل إلى التلويح بالعمل على تغيير قرار الحكومة بـ"أي وسيلة"، وذلك في وقت كان رئيس الحكومة نواف سلام يُشدد على أنه لا رجعة عن قرار الحكومة وتنفيذه.
اعتصام واعتراض
هكذا بات لبنان أمام جدل مفتوحٍ، وأمام خطوات لا يستطيع القضاء تخطيها، خصوصًا أن مجلس الوزراء رسم الإطار السياسي - القانوني الذي ينبغي أن يسير عليه القضاء العدلي والعسكري على حدٍّ سواء.
آخر فصول هذا الجدل المفتوح هي الدعوة التي وجهها عددٌ من الناشطين المؤيدين لحزب الله للاعتصام أمام المحكمة العسكرية يوم غدٍ الثلاثاء 24 آذار، بالتزامن مع عقد جلسة الاستجواب لعنصرين موقوفين من الحزب أمام قاضية التحقيق الأولى في المحكمة العسكرية غادة أبو علوان.
تكتسب جلسة الغد أهمية كُبرى في مسار هذه الملف. فالقاضية أبو علوان ستستجوب عنصرين من الحزب كان قد ادعى عليهما مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم قبل أسبوعيْن بجرم الجناية وفقًا للمادة 288 من قانون العقوبات.
إذ يندرجُ هذا الادعاء والاتهام تحت إطار "خرق التدابير التي تتخذها الدولة اللبنانية في زمن الحرب، وتعريض لبنان لخطر الاعتداءات الإسرائيلية". كما جاء هذا الادعاء بعدما ضبطت عناصر الجيش اللبناني 21 صاروخًا من طراز غراد - عيار 122 ملم وأعتدة حربية وقنابل يدوية وذخائر.
تداعيات جلسة الاستجواب
فجلسة الغد هي الأولى التي يُستجوب فيها عناصر من الحزب بجرم الجناية نتيجة نقلهم للأسلحة والصواريخ في الجنوب اللبناني، تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء الذي قضى باعتبار العمل العسكري لحزب الله عملاً خارجاً عن القانون يتطلب تحرك القضاء للملاحقة القانونية.
تشير معلومات "المدن" إلى أن جلسة استجواب العناصر ستكون لها تداعيات مفصلّة على مسار الملاحقة في الفترة المقبلة، إذ ستوضح طبيعة ملاحقة عناصر الحزب في المحكمة العسكرية، أكان عبر التشدد في الإجراءات أم من خلال الاكتفاء بمدة التوقيف التي بلغت حوالى الأسبوعين فقط.
للتوضيح أكثر، فإن تسطير مذكرات توقيف وجاهية بحق العنصرين وإحالتهما موقوفين إلى المحكمة يعني أن المحكمة العسكرية تمضي في التشدد في الإجراءات انطلاقًا من قرار مجلس الوزراء لكن في حال قرّرت إخلاء سبيلهما بكفالة مالية مرتفعة، وتحويلهما إلى المحكمة، فهذا يدل إلى أن المحكمة قررت الاكتفاء بمدة التوقيف، ما يعني أنه في المرحلة المقبلة ،وفي حال توقيف عناصر جديدة للحزب، فإن مدة التوقيف لن تتجاوز الأسبوعين.
لكن من الناحية السياسة كان سلاح الحزب يُعتبر مغطّى عبر الحكومات المتعاقبة قبل 2024، والتي كانت تُشرع ما يعرف بـ"حق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي" أو عبر ثلاثية "جيش - شعب ومقاومة" التي كانت تندرج في البيانات الوزارية. المفارقة اليوم أن العكس حصل، فتغير الغطاء الحكومي إلى اعتبار ذلك خروجًا عن القانون، ما يستوجب الملاحقة.
تطبيق القرارات السياسية
في الإطار عينه، علمت "المدن" أن قيادة الجيش أوقفت العمل بتسهيل مرور حاملي ما يُعرف بـ"بطاقة اللجنة الأمنية" التي يُصدرها حزب الله، على اعتبار أن ما كان مغطّى في البيانات الوزارية سابقًا باتَ مخالفًا للقانون انطلاقًا من البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام وقراريْ الحكومة في 5 و7 آب 2026، والقرار الأخير مطلع شهر آذار الجاري.
كما أنه لا تنفصل عن الإطار عينه التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الحكومة نواف سلام في حوارٍ تلفزيوني، حيث أكد أن لا عودة عن قرار الحكومة بحصر السلاح، وأنه لن يخضع لـ"ابتزاز الحزب للحكومة".
لكن المهم أيضًا أن رئيس الوزراء كشفَ في الحوار التلفزيوني أن الجيش أوقف عناصر تابعين للحزب يحملون السلاح في الجنوب، ما يعني أن الرئاسة الثالثة، وبالتعاون مع الوزرات المختصة، تتابع تفاصيل التوقيفات والمحاكمات، وهذا ما سيتظهر يوم غد، فإما أن يتشدد القضاء عبر تطبيق مفاعيل قرار السلطة التنفيذية، وإما أن يتخذ إجراءات غير مُشددة قد تفتح الباب أمام الحكومة ووزارتيْ العدل والدفاع لاتخاذ خطوات لتصحيح المسار القضائي والقانوني.




