بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

المدن - سياسةالاثنين 2026/03/23
Image-1774294483
تمهيد للغزو الأوسع: خنق الممرات، استنزاف المدافعين، وتوسيع رؤوس الجسور الحدودية. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

تسارعت وتيرة الاشتباكات الحدوديّة اليوم، وتوسّعت على عدّة محاور في آنٍ معًا، وبذلك لم يعد التوغّل البرّيّ الإسرائيليّ في جنوب لبنان مجرّد سلسلة محاولاتٍ حدوديّةٍ متقطّعة، بل بات أقرب إلى عمليّة ضغطٍ متدرّجةٍ تدار على أكثر من خطٍّ نارّيٍّ وميدانيٍّ في آنٍ واحد، هدفها تثبيت وقائع عسكريّةٍ جديدةٍ جنوب اللّيطاني، وفتح المجال أمام انتقالٍ من "التوغّل المحدود" إلى "التموضع الموسّع" متى توافرت فجوةٌ ميدانيّةٌ تسمح بذلك. وفي هذا السياق، رفعت التصريحات الإسرائيليّة اليوم السقف السياسيّ إلى حدّ الحديث عن حدودٍ جديدةٍ عند نهر اللّيطاني، فيما واصل الجيش الإسرائيليّ ضرب الجسور والمعابر والمنازل، أي إنّ النار على الأرض تواكب خطابًا سياسيًّا يتجاوز منطق الردع الظرفيّ إلى محاولة فرض شريطٍ أمنيٍّ أعرض وأكثر عمقًا.

الأخطر في تصريحات اليوم أنّها لا تبدو معزولةً عن الميدان، بل تقرأ كغطاءٍ سياسيٍّ لعمليّة توسيع بنك الأهداف وتقطيع أوصال الجنوب تدريجيًّا. فعندما يتزامن الحديث عن "حدودٍ جديدة" مع استهداف الجسور فوق اللّيطاني، ومع التهديد بضرب معابر إضافيّةٍ في القطاع الشرقيّ، يصبح واضحًا أنّ إسرائيل لا تكتفي بإضعاف القدرة القتاليّة المقابلة، بل تعمل أيضًا على عزل ساحات الاشتباك عن عمقها اللوجستيّ والبشريّ، وتحويل القرى الحدوديّة إلى جيوبٍ منفصلةٍ يسهل اقتحامها أو محاصرتها أو تدميرها بالنار من دون كلفة الاندفاع السريع نحو عمقٍ أوسع. لذلك، فإنّ الميدان بعد تصريحات اليوم لا يتّجه فورًا إلى اجتياحٍ شاملٍ دفعةً واحدة، بل إلى تثبيت مراحل تمهيديّةٍ للغزو الأوسع: خنق الممرّات، استنزاف المدافعين، وتوسيع رؤوس الجسور الحدوديّة القائمة..

 

المحور الشرقيّ: من كفرشوبا إلى حلتا وما حولها

المحور الشرقيّ هو الأكثر دلالةً من حيث النوايا، لأنّه لا يقتصر على تماسٍّ حدوديٍّ مباشر، بل يختبر فتح ممرٍّ يضغط على حاصبيا وكفرشوبا وحلتا، ويقترب من الخاصرة التي تربط القطاع الحدوديّ الشرقيّ بممرّات البقاع الغربيّ. المعطيات الميدانيّة اليوم تظهر تحرّك رتل دباباتٍ من مرتفعات كفرشوبا نحو أطراف حلتا عبر شانوح، بالتوازي مع قصفٍ مدفعيٍّ على كفرشوبا وكفرحمّام، وهو ما يعني أنّ تل أبيب تحاول فتح محور ضغطٍ جديدٍ يهدّد بجرّ المعركة شرقًا، لا بهدف السيطرة السريعة على حلتا بحدّ ذاتها فقط، بل لاستكشاف إمكانيّة وصل هذا الضغط لاحقًا بمسار عزل المعابر الشرقيّة المؤدّية إلى الداخل. كما أنّ التهديد الإسرائيليّ اليوم بضرب جسر دلافة بين حاصبيا والبقاع يكمّل هذا المشهد، لأنّه يضرب الوظيفة الخلفيّة لهذا المحور، أي خطوط الإسناد والتنقّل، لا رأس الاشتباك فقط.

وفي القراءة العسكريّة، فإنّ فتح حلتا ليس عنوانًا تكتيكيًّا منفردًا، بل رسالةٌ تقول إنّ إسرائيل تريد توسيع رقعة القلق لدى المدافعين وإجبارهم على توزيع القوى بين الخيام والطيبة والناحية الشرقيّة العليا. وهذا النوع من التحرّك لا يعني أنّ الغزو الكبير بدأ بالفعل، لكنّه يعني أنّ مرحلة "تجريب المحاور" دخلت مستوى أعلى، وأنّ حلتا تحوّلت من خاصرةٍ هادئةٍ نسبيًّا إلى نقطة اختبارٍ لفتح بابٍ شرقيٍّ يوازي، أو يساند، الاندفاعة نحو الخيام. لذلك، فالمحور الشرقيّ اليوم هو محور تمهيدٍ أكثر منه محور حسم، لكنّه تمهيدٌ بالغ الخطورة لأنّه يضع منطقة العرقوب وحاصبيا تحت ضغط النيران والحركة في وقتٍ واحد.

Image-1774294771
فتح حلتا ليس عنوانًا تكتيكيًّا منفردًا، بل رسالةٌ تقول إنّ إسرائيل تريد توسيع رقعة القلق لدى المدافعين وإجبارهم على توزيع القوى بين الخيام والطيبة والناحية الشرقيّة العليا.

 

المحور الأوسط: الخيام والطيبة ومعركة القلب الحدوديّ

المحور الأوسط هو عمود التوغّل الفقريّ، لأنّه يجمع بين الخيام والطيبة، ويتّصل عمليًّا بمسار مارون الراس، أي إنّه يمثّل الكتلة الأثقل من القتال البرّيّ. في الخيام، لا تزال المعركة الأكثر كثافةً، وقد أظهرت المعطيات خلال الساعات الأخيرة أنّ الهجوم عليها جرى عبر ثلاثة اتجاهاتٍ داخل هذا القطاع: من الجنوب نحو الشمال، ومن الغرب عند أطراف المرج، ومن الشرق والشمال الشرقيّ قرب الحدود الإداريّة لإبل السقي، بالتوازي مع ضغطٍ ناريٍّ كثيفٍ ومحاولات إطباقٍ على وسط البلدة. هذا يعني أنّ "المعركة المركّبة" التي تحدّثت عنها ليست توصيفًا إعلاميًّا مبالغًا فيه، بل ترجمةٌ ميدانيّةٌ لمحاولة تطويق الخيام وابتلاعها على مراحل، لأنّها العقدة التي تفتح الطريق نحو سهل مرجعيون وتؤمّن تماسًّا أوسع مع العمق الشماليّ للقطاع الحدوديّ..

أمّا الطيبة، فهي ليست جبهةً ثانويّةً، بل ضلع الإسناد في معركة الوسط. المؤشّرات الميدانيّة تظهر أنّ التقدّم هناك واجه تباطؤًا بعد تعرّض الدبابات لنيران الصواريخ المضادّة، وأنّ كثافة الغارات على يحمر وأرنون وزوطر تفهم في سياق محاولة تحييد النيران القادمة من المرتفعات المشرفة على الطيبة. وهذا يعني أنّ إسرائيل لا تقاتل في الطيبة لاحتلال نقطةٍ معزولة، بل لتأمين ممرٍّ باتجاه ضفة اللّيطاني ووادي الحجير، أي لعزل جنوب مرجعيون عن امتداداته، وتهيئة بيئةٍ ميدانيّةٍ تتيح لاحقًا التوسّع نحو ميس الجبل وحولا وربّ ثلاثين. ومن هنا يمكن فهم تزامن الاشتباكات في مركبا والطيبة والخيام، لأنّها ليست جبهاتٍ منفصلة، بل حلقات نارٍ داخل المحور الأوسط نفسه.

وإذا أضيف إلى ذلك استئناف الضغط على مارون الراس وعيترون، وقصف أطراف بنت جبيل، يصبح واضحًا أنّ "المحور الأوسط" بالمعنى العمليّ هو حزمة محاور فرعيّةٍ متداخلةٍ هدفها منع المدافعين من تركيز القوّة في الخيام وحدها. لذلك، تبدو إسرائيل اليوم في هذا القطاع كأنّها تسعى إلى أمرين متلازمين: أوّلًا، السيطرة الناريّة على العقد المرتفعة، وثانيًا، فتح ممرّات توغّلٍ متدرّجةٍ لاختبار إمكان الوصول إلى أحزمةٍ أعمق شمالًا. لكنّ المؤشّر المقابل هو أنّ هذا المحور لا يزال الأكثر كلفةً عليها، لأنّ القتال فيه وصل إلى درجة الالتحام المباشر في بعض النقاط، ما يعني أنّ التقدّم فيه ممكنٌ لكنّه ليس سهلًا ولا سريعًا..

Image-1774294954
 استئناف الضغط على مارون الراس وعيترون، وقصف أطراف بنت جبيل، يصبح واضحًا أنّ "المحور الأوسط" بالمعنى العمليّ هو حزمة محاور فرعيّةٍ متداخلةٍ هدفها منع المدافعين من تركيز القوّة في الخيام وحدها.

 

المحور الغربيّ: الناقورة والساحل واختبار الالتفاف

المحور الغربيّ اكتسب اليوم وزنًا استثنائيًّا، لأنّه فتح بابًا لم يكن مطروحًا بهذا الوضوح في بدايات التوغّل، وهو باب الساحل الحدوديّ عند الناقورة. المعطيات المتقاطعة تظهر أنّ التقدّم هنا جرى من اتجاهين، من الواجهة البحريّة غربًا، ومن الجهة الشرقيّة عبر التمدّد من مرتفعات اللّبونة وأطراف علما الشعب، فيما سجّلت اشتباكاتٌ داخل الناقورة نفسها، وتعرّضت المنطقة لقصفٍ مدفعيٍّ وفوسفوريٍّ، كما أصيبت منشآتٌ داخل مقرّ "اليونيفيل" بعد ساعاتٍ من تسجيل إطلاق نارٍ كثيفٍ وانفجاراتٍ حوله. هذا كلّه يعني أنّ إسرائيل انتقلت في الغرب من مرحلة الضغط بالنار إلى اختبار التقدّم الفعليّ داخل بلدةٍ ساحليّةٍ حسّاسةٍ سياسيًّا وميدانيًّا..

أهمّيّة هذا المحور لا تكمن فقط في الناقورة، بل في وظيفة الالتفاف التي يمنحها. فإذا نجح التثبيت فيه، يمكن أن يتحوّل إلى ذراعٍ تضغط على الساحل الجنوبيّ وتربك خطوط الإسناد بين صور والقرى الحدوديّة، وتمنح القوات المهاجمة مرونةً أكبر في المناورة بعيدًا من تضاريس الشرق الأكثر تعقيدًا. ولهذا السبب، ترافقت محاولة الاندفاع نحو الناقورة مع قصفٍ واسعٍ على بلداتٍ في العمق ضمن قضاء صور، لأنّ الهدف ليس احتلال البلدة الساحليّة في حدّ ذاتها فقط، بل منع تحوّل الساحل إلى خطّ إسنادٍ مضادٍّ للمتحرّكات البرّيّة. وفي هذا المعنى، يمكن القول إنّ الغرب هو محور الالتفاف والتشتيت، وربّما محور المفاجأة الإسرائيليّة الأبرز في هذه الجولة.

Image-1774295147
المعطيات المتقاطعة تظهر أنّ التقدّم هنا جرى من اتجاهين، من الواجهة البحريّة غربًا، ومن الجهة الشرقيّة عبر التمدّد من مرتفعات اللّبونة وأطراف علما الشعب.
Image-1774295255
سجّلت اشتباكاتٌ داخل الناقورة نفسها، وتعرّضت المنطقة لقصفٍ مدفعيٍّ وفوسفوريٍّ، كما أصيبت منشآتٌ داخل مقرّ "اليونيفيل" بعد ساعاتٍ من تسجيل إطلاق نارٍ كثيف.

إلى أين يتّجه التوغّل؟

المعارك وصلت إلى مرحلةٍ هجينة: ليست اجتياحًا شاملًا بالمعنى الكلاسيكيّ، لكنّها تجاوزت بوضوحٍ مستوى الغارات والاقتحامات الموضعيّة. ما يجري الآن هو تأسيس جبهة توغّلٍ متعددة الرؤوس، تدار بالنار الكثيفة، وبتقطيع الطرق والجسور، وبتوسيع نقاط الاحتكاك المباشر، وبدفع السكان إلى الفراغ القسريّ جنوب اللّيطاني. وإذا استمرّ هذا النسق، فالمرجّح أن تتّجه إسرائيل إلى تثبيت شريطٍ قتاليٍّ واسعٍ على امتداد المحاور الثلاثة، لا إلى اندفاعةٍ خاطفةٍ نحو عمقٍ بعيدٍ دفعةً واحدة. أي إنّها قد تفضّل "احتلال الأطراف وتفريغ الوسط" قبل المغامرة بانتشارٍ أعمق وأكلف.

بالمحصّلة، ما بعد تصريحات اليوم يوحي بأنّ إسرائيل تريد أمرًا أكبر من ردٍّ عسكريٍّ مؤقّت: تريد إعادة رسم الجغرافيا الأمنيّة للجنوب، بالنار أو بالإخلاء أو بكليهما معًا. غير أنّ هذه الوجهة تصطدم حتى الآن بحقيقةٍ ميدانيّةٍ ثابتة، وهي أنّ فتح المحاور الثلاثة لا يعني تلقائيًّا حسمها، بل قد يكون أيضًا دليلًا على أنّ محورًا واحدًا لم يكن كافيًا للإنجاز السريع. ومن هنا، فإنّ أخطر ما في المشهد الحاليّ ليس فقط حجم التوغّل، بل انتقاله من الاستهدافات الجويّة إلى "الهندسة الميدانيّة" الطويلة، أي إعادة تشكيل الجنوب بالنار والعزل والتدمير، تمهيدًا لفرض وقائع تفاوضيّةٍ جديدةٍ لاحقًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث