ما هو سيناريو بيت حانون الذي هدد كاتس بتكراره في قرى الحدود؟

المدن - سياسةالأحد 2026/03/22
Image-1774190119
هو نموذج يقوم أساسًا على مبدأ الأرض المحروقة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تصعيدٍ إسرائيليّ لافت يحمل دلالاتٍ عسكريّة وسياسيّة بالغة الحساسيّة، لوّح وزير الدّفاع الإسرائيليّ، يسرائيل كاتس، بإمكان تطبيق ما يعرف بـِ "سيناريو بيت حانون" في القرى الحدوديّة اللّبنانيّة، في إشارةٍ واضحة إلى اعتماد نموذجٍ قتاليّ يقوم على التدمير الواسع والمنهجيّ قبل أيّ تحرّكٍ ميدانيّ برّيّ. ويعكس هذا التلويح، في حال ترجمته عمليًّا، توجّهًا نحو مرحلةٍ أكثر قسوةً وخطورةً في جنوب لبنان، بما قد يرفع منسوب المخاوف من عمليّاتٍ تقوم على الإحراق المسبق للميدان، وإعادة تشكيله بالنار قبل أيّ محاولة تقدّم أو تمركز.

 

سيناريو بيت حانون
ويستخدم مصطلح "سيناريو بيت حانون" في الخطابين العسكريّ والإعلاميّ للدلالة على نموذجٍ عمليّاتيّ اعتمده الجيش الإسرائيليّ في قطاع غزّة، وتحديدًا في بلدة بيت حانون شماليّ القطاع خلال جولات القتال الأخيرة. وقد ارتبط هذا النموذج بصورةٍ خاصّة بالعمليّات التي سبقت التوغّلات البرّيّة أو رافقتها، حيث جرى اللجوء إلى مستوياتٍ عالية من القصف والتدمير المنهجيّ بهدف إضعاف بيئة المواجهة قبل دخول القوّات. ومن هنا، فإنّ جوهر هذا السيناريو يقوم على مبدأ "الأرض المحروقة"، بوصفه مدخلًا تمهيديًّا لأيّ عمليّةٍ عسكريّة.


ويستند هذا السيناريو إلى مجموعةٍ من الرّكائز الميدانيّة الواضحة. أوّل هذه الرّكائز، سياسة "الأرض المحروقة"، إذ يعتمد الجيش الإسرائيليّ قصفًا كثيفًا وممنهجًا يستهدف المنازل والمباني السكنيّة والبنى التحتيّة على نطاقٍ واسع، قبل أيّ تقدّمٍ برّيّ، بما يؤدّي إلى تدمير البيئة الحاضنة بالكامل، وتقليص هامش حركة الخصم، وتخفيف المخاطر على القوّات المهاجمة، فضلًا عن إضعاف قدرات الفصائل المسلّحة وشلّ قدرتها على المناورة.
أمّا الرّكيزة الثّانية، فهي التوغّل المحدود والمدروس. فبدلًا من السّيطرة الكاملة والسّريعة على مساحاتٍ واسعة، يجري التقدّم تدريجيًّا داخل المناطق المستهدفة، وفق مراحل محسوبة، مع التّركيز على نقاطٍ محدّدة يعتقد أنّها تضمّ بنىً عسكريّة، أو مخازن أسلحة، أو فتحات أنفاق، أو مراكز إطلاق ونشاط ميدانيّ. ويعكس هذا الأسلوب رغبةً في تحقيق أهدافٍ تكتيكيّة مباشرة، من دون التورّط في انتشارٍ طويلٍ ومكلف.
وتتمثّل الرّكيزة الثّالثة في الاعتماد المكثّف على المعلومات الاستخباراتيّة، إذ يبنى هذا النموذج على بنك أهدافٍ معدٍّ سلفًا، مع تحديثه بصورةٍ مستمرّة استنادًا إلى الرّصد الجوّيّ والإلكترونيّ والميدانيّ. وفي هذا الإطار، تستخدم الطائرات المسيّرة ووسائل المراقبة المتطوّرة لتحديد مواقع المسلّحين، ومسارات الحركة، ومواضع الأنفاق، والنقاط التي يشتبه في استخدامها لأغراضٍ عسكريّة.
أمّا الرّكيزة الرّابعة، فتتعلّق بتدمير شبكة الأنفاق، وهو هدفٌ محوريّ في هذا النموذج، إذ ينظر إلى الأنفاق باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في بنية القتال لدى الفصائل المسلّحة. لذلك، يجري العمل على كشف هذه الأنفاق وتفجيرها أو تعطيلها، ولا سيّما في المناطق الحدوديّة، حيث تشكّل عاملًا حاسمًا في الحركة والاختباء ونقل العتاد.
وتتمثّل الرّكيزة الخامسة في الانسحاب بعد الإنجاز، إذ لا يسعى الجيش الإسرائيليّ، ضمن هذا النمط العمليّاتيّ، إلى البقاء طويلًا في المنطقة أو إدارتها ميدانيًّا على نحوٍ دائم، بل ينفّذ ضرباته، ويتقدّم في حدود الأهداف المرسومة، ثمّ ينسحب بعد إنجاز المهمّة، مع الاحتفاظ بقدرة العودة السريعة متى رأى أنّ الظّروف الميدانيّة تستدعي ذلك. وهذا ما يجعل السيناريو أقرب إلى عمليّات استنزافٍ ناريّة متكرّرة، لا إلى احتلالٍ تقليديّ طويل الأمد.

 

استراتيجيّة تدميريّة
وخلال الفترة الماضية، تحوّل "سيناريو بيت حانون" إلى نموذجٍ جرى استحضاره في توصيف عمليّاتٍ أخرى داخل قطاع غزّة، وبات يستخدم للدلالة على استراتيجيّة تجمع بين الضربات المكثّفة، والتوغّل المحدود، وتجنّب الغرق في احتلالٍ طويل، مع محاولة تحقيق أهدافٍ عسكريّة سريعة بأقلّ خسائر ممكنة في صفوف القوّات المهاجمة. غير أنّ الكلفة الفعليّة لهذا النموذج غالبًا ما تكون مرتفعة جدًّا على مستوى الدمار المدنيّ والخسائر الإنسانيّة.
وفي السّياق اللّبنانيّ، يكتسب هذا التهديد أبعادًا أكثر خطورةً، لأنّ إسقاط هذا النموذج على القرى الحدوديّة لا يعني فقط اعتماد تكتيكٍ عسكريّ جديد، بل قد يعني انتقال المعركة إلى مستوىً أكثر تدميرًا للمساكن والأحياء السكنيّة بصورةٍ مباشرة ومنهجيّة. وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ واسعة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المناطق الحدوديّة مقبلة على سيناريو يقوم على الإزالة الممنهجة للمنازل، بوصفها جزءًا من المعركة، لا مجرّد نتيجةٍ جانبيّة لها.


كما يحمل هذا التلويح رسالةً سياسيّة لا تقلّ أهمّيّة عن بعده العسكريّ، إذ يوحي بأنّ إسرائيل تريد تثبيت معادلة ردعٍ جديدة على الجبهة اللّبنانيّة، قوامها التهديد المسبق بتوسيع نطاق التدمير، ورفع الكلفة على البيئة المدنيّة في أيّ مواجهةٍ مقبلة. غير أنّ مثل هذا المنحى لا ينذر فقط بتصعيدٍ ميدانيّ، بل يهدّد أيضًا بتفاقم الأزمة الإنسانيّة، وتعميق حالة عدم الاستقرار على طول الشريط الحدوديّ.
وفي المقابل، تواجه هذه الاستراتيجيّة بانتقاداتٍ واسعة، بسبب ما تخلّفه من دمارٍ هائل في المناطق المأهولة، وما تسبّبه من خسائر بشريّة في صفوف المدنيّين، فضلًا عن الشكوك المتزايدة في قدرتها على تحقيق حسمٍ نهائيّ ضدّ الفصائل المسلّحة. فالتجارب السّابقة أظهرت أنّ التدمير الواسع قد يفرض وقائع ميدانيّة قاسية، لكنّه لا يضمن بالضّرورة إنهاء مصادر التهديد بصورةٍ نهائيّة، وهذا ما يجعل هذا النموذج موضع جدلٍ كبير، بين من يراه أداة ضغطٍ عسكريّ سريع، ومن يعتبره وصفةً مفتوحةً لمزيدٍ من الدمار من دون نتائج حاسمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث