مآزق الحرب: إسرائيل تخشى الاستنزاف ولبنان أمام هواجس النزوح

مانشيت - المدنالأحد 2026/03/22
Image-1774192242
المستقبل القريب يُكتب، حرفيًا، على إيقاع النار.. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ظهرت اليوم، وبشكلٍ عنيف، بصمات الانسداد في الأفق السّياسيّ والدبلوماسيّ. ودخلت المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل مرحلة جديدة من كسر العظم، متجاوزةً قواعد الاشتباك التقليديّة صوب أفق مجهول. ويبدو أنّ الجبهة الجنوبيّة باتت في خضمّ تدحرج فعلي نحو مواجهة شاملة، الكلمة فيها للنار.
في الصباح الباكر، سدّد حزب الله ضربات موجعة إلى شمال إسرائيل، في ما يبدو أنه قرار منه بالمبادرة ورفض انتظار "الساعة الصفر" الإسرائيليّة بإطلاق العنان لتصعيد بلا أفق. وقد جاء الرد الإسرائيليّ تهديدًا بتنفيذ سياسة "الأرض المحروقة"؛ أي بتحويل الجنوب إلى بيت حانون ثانية. وسرعان ما باشرت إسرائيل تصعيدها ميدانيًّا، وتجلى ذلك فورًا باستهداف الشرايين الحيوية على نهر الليطاني، بدءًا بجسر القاسمية، وهذا ما سيقود إلى عزل الجنوب جغرافيًّا ولوجستيًّا. كذلك، أطلقت إسرائيل العنان لعمليات نسف المنازل في الخيام، في محاولة لفرض واقع جغرافيّ جديد بالقوّة، وتحويل القرى الحدوديّة إلى مناطق غير قابلة للسكن. فيما تعيد الإنذارات الموجهة إلى الأهالي بالانتقال إلى شمال الزهراني إلى الأذهان سيناريوهات "رفح". وهذا ما ينذر بنيّة إسرائيلية لتوسيع نطاق العمليات البرية أو الجوية في شكل غير مسبوق.

ولكن، على الرغم من القوة التدميريّة، تتعالى أصوات داخل تلّ أبيب تخشى الغرق في "حرب استنزاف" طويلة الأمد. فثمّة خبراء يعتقدون أنّ "حزب الله"، بهيكليته المرنة، قادر على إلحاق خسائر موجعة بإسرائيل قد تجعل من الصعب عليها أن تعلن "النصر الناجز". ولكن، في لبنان أيضًا، وبعيدًا من جبهة القتال، ثمة "حرب صامتة" داخل الأروقة السياسية والاجتماعية، تدور حول أزمة النزوح. فالضغط السكاني الهائل على الداخل اللبناني بدأ يضع الدولة المتهالكة والمجتمع المتفسخ أمام استحقاق معيشي وأمني يفوق القدرة على التحمل. وهناك خشية جدية من أن يؤدي التهجير الواسع والضيق الاقتصادي إلى تصدعات في السلم الأهلي، وهذا ما قد يجر البلاد إلى "مآزق بنيوية" تصعب السيطرة عليها.

يتّجه المشهد في جنوب لبنان إلى مزيدٍ من التدهور، مع تصاعد حدّة المواجهات بين "حزب الله" وإسرائيل، وتكثيف الغارات والقصف على بلداتٍ عدّة، بالتزامن مع تهديداتٍ بتوسيع نطاق العدوان والتوغّل البرّيّ، فيما تبدو الجهود الدبلوماسيّة عاجزةً عن كبح الانفجار الميدانيّ أو احتواء انزلاق المنطقة إلى حربٍ واسعة. لم تَعُد المسألة مجرّد جولةٍ تصعيديّةٍ إضافيّة، بل انتقالًا واضحًا إلى مرحلةٍ تتقدّم فيها الوقائع العسكريّة على أيّ حسابٍ سياسيّ، ويصبح فيها الميدان نفسه هو اللغة الوحيدة المتداولة بين طرفين يختبران حدود القدرة على التحمّل وحدود القدرة على الردع.

 

جسر القاسميّة: الرسالة أبعد من الضربة

حين شنّ الجيش الإسرائيليّ غارةً على جسر القاسميّة عند الأوتوستراد الساحليّ، لم يكن الاستهداف محصورًا ببعدٍ عسكريّ مباشر، بل بدا جزءًا من رسالةٍ أشمل، عنوانها تقطيع أوصال الجنوب وخنق حركة الإمداد والربط بين مناطقه وعمقه اللبنانيّ. هذا النوع من الضربات لا يكتفي باستهداف موقعٍ أو بنيةٍ تحتيّة، بل يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بالنار، وتحويل الطرق والجسور والمرافق الحيويّة إلى أهدافٍ مفتوحة ضمن عمليّة ضغطٍ مركّبة على البيئة الحاضنة وعلى شبكة الحركة اللوجستيّة في آنٍ معًا.

في المعنى السياسيّ، تقول إسرائيل إنّها لم تَعُد تكتفي بردودٍ موضعيّة، بل انتقلت إلى محاولة فرض معادلةٍ ميدانيّةٍ جديدة، تُضيّق الخناق على الجنوب، وتضعه أمام اختناقٍ تدريجيّ قد يسبق أيّ توغّلٍ أوسع أو يواكبه. أمّا في المعنى العسكريّ، فإنّ استهداف الشرايين الحيويّة يشير إلى نيّةٍ واضحة بإضعاف قدرة "حزب الله" على المناورة، وربما إلى إعداد المسرح لمواجهةٍ طويلةٍ لا تُدار فقط بالاشتباك المباشر، بل أيضًا عبر الاستنزاف البنيويّ للمكان والسكان.

 

اشتباكات مباشرة وجهوزيّة مفتوحة

ميدانيًّا، أعلن "حزب الله"، السبت، خوض اشتباكاتٍ مباشرةٍ مع قوّاتٍ إسرائيليّةٍ في الخيام والناقورة، مؤكّدًا أنّ مقاتليه تصدّوا لمحاولة توغّلٍ باتجاه مبنى بلديّة الناقورة، بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وحقّقوا إصاباتٍ مباشرة. كما تحدّث عن اشتباكاتٍ أخرى في مدينة الخيام، بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة. وهذه الوقائع، إذا ما قُرئت بعيدًا من البيانات التقليديّة، تعكس أنّ الجبهة لم تَعُد محكومة فقط بنمط الضربات عن بُعد، بل دخلت طور الاحتكاك المباشر الذي يرفع بطبيعته احتمالات التوسّع والانزلاق.

وفي المقابل، رفعت إسرائيل منسوب جهوزيّتها على الجبهة الشماليّة، معلنةً أنّ الفرقة 162 استكملت استعداداتها للعمل في الشمال، وأصبحت جاهزةً لتلقّي الأوامر وفق تقييم الوضع. والرسالة هنا مزدوجة، ردعٌ ميدانيّ لخصمٍ يواصل الضغط، وإشارةٌ داخليّة إلى أنّ القيادة الإسرائيليّة تُحضّر الرأي العامّ لاحتمال الانتقال إلى مستوىٍ أعلى من العمليّات. غير أنّ هذه الجهوزيّة، على أهمّيّتها، لا تعني حسمًا مضمونًا، لأنّ كلّ تصعيدٍ من هذا النوع يفتح في الوقت نفسه باب الاستنزاف، ويضع الجيش الإسرائيليّ أمام اختبارٍ صعبٍ في بيئةٍ قتاليّةٍ معقّدة ومتشعّبة.

 

"بيت حانون" في الجنوب: من التهديد إلى العقيدة

في التصعيد الأخطر، لوّح وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بإمكان تطبيق "سيناريو بيت حانون" في القرى الحدوديّة اللبنانيّة. وهذا ليس مجرّد توصيفٍ إعلاميّ، بل إعلانٌ عن ذهنيّةٍ قتاليّةٍ تقوم على التدمير الواسع والمنهجيّ قبل أيّ تحرّكٍ برّيّ. أي إنّ إسرائيل تُمهّد، نظريًّا على الأقلّ، لاعتماد نموذج "الأرض المحروقة" بوصفه مدخلًا إلى أيّ عمليّةٍ لاحقة، بحيث تُزال البيئة العمرانيّة أو تُفرّغ من قدرتها على الاحتمال، قبل الاقتراب منها بالقوّات.

يقوم هذا النموذج على خمس ركائز أساسيّة: قصفٌ كثيفٌ يسبق التوغّل، تقدّمٌ محدودٌ ومدروسٌ بدل الاحتلال الواسع، اعتمادٌ عالٍ على المعلومات الاستخباراتيّة، تركيزٌ على تدمير الأنفاق والبنى العسكريّة، ثمّ انسحابٌ بعد تحقيق أهدافٍ محدّدة. بهذا المعنى، لا تسعى إسرائيل، وفق هذا التصوّر، إلى البقاء الطويل في القرى، بل إلى تحويلها ساحاتٍ مدمّرة، تُستنزف فيها بيئة الخصم وتُرفع كلفة بقائه وقدرته على الحركة.

غير أنّ خطورة إسقاط هذا السيناريو على الجنوب اللبنانيّ تكمن في أنّه لا يعني فقط تغييرًا في التكتيك، بل تغييرًا في طبيعة الحرب نفسها. فحين تصبح المنازل والأحياء جزءًا مباشرًا من بنك الأهداف، لا يعود الدمار نتيجةً جانبيّة، بل يتحوّل إلى أداةٍ مقصودةٍ لإعادة رسم المشهد الحدوديّ، بما يُنتج واقعًا جغرافيًّا جديدًا تُفرض فيه مناطق عازلة بالنار، لا بالتفاهمات.

 

الدبلوماسيّة المكسورة: لبنان يصطدم بالحائط

في موازاة الميدان، تعثّرت دعوة لبنان إلى مفاوضاتٍ مباشرة، بعدما اصطدمت برفضٍ إسرائيليّ وأميركيّ، أو بشروطٍ معقّدةٍ تنطوي على أثمانٍ باهظةٍ وتنازلاتٍ لا يستطيع الداخل اللبنانيّ تحمّل تبعاتها. ومنذ الجلسة الثانية في عداد لجنة "الميكانيزم"، أبلغ السفير سيمون كرم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّ المطلوب من لبنان يفوق قدرته على التنفيذ. ومع اندلاع الحرب وارتفاع السقف الإسرائيليّ، بدا واضحًا أنّ تل أبيب لا تنظر إلى أيّ تفاوضٍ إلّا من زاوية فرض الشروط، لا من زاوية إنتاج تسوية.

لبنان الرسميّ حاول تحريك قنواته مع الأميركيّين، سواء عبر المسؤولين المباشرين أو عبر شخصيّاتٍ من الجناح اللبنانيّ الأصل في فريق الرئيس دونالد ترامب. لكنّ اللقاءات والرسائل التي توزّعت بين توم باراك ومسعد بولس لم تُحدث اختراقًا. بل إنّ هذا المسار أزعج سفير واشنطن في لبنان ميشال عيسى، الذي أكّد أنّه وحده المكلّف بالملفّ اللبنانيّ. والنتيجة أنّ بيروت اكتشفت، سريعًا، أنّ أبواب التفاوض ليست مفتوحةً كما توهّمت، وأنّ الدعوة التي ظُنّت مخرجًا سياسيًّا قد تتحوّل إلى ورطةٍ مكشوفة إذا لم تتبدّل موازين الميدان.

 

انقسام الداخل: بين حسابات عون وصلابة برّي

داخليًّا، لم تمرّ الدعوة إلى التفاوض من دون ارتدادات. برز تباينٌ واضح بين حسابات رئيس الجمهوريّة وحسابات رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي. فبينما بدا جوزاف عون أقرب إلى مقاربةٍ ترى في التفاوض المباشر محاولةً لوقف الانهيار ومنع سقوط البلد بالكامل، تمسّك برّي برفض تسمية شخصيّةٍ شيعيّةٍ في عداد الوفد المفاوض، ونصح بإرجاء أيّ تفاوضٍ مباشر إلى ما بعد وقف الحرب، مع التمسّك بلجنة "الميكانيزم" بدلاً من الذهاب إلى مسارٍ سياسيّ غير مضمون النتائج.

في خلفيّة هذا التباين، تقبع قراءتان مختلفتان للمشهد. الأولى تعتبر أنّ انخراط "حزب الله" في الجبهة جرّ لبنان إلى حربٍ لا يحتملها، وأنّ الخروج منها يحتاج إلى ممرّ سياسيّ سريع، ولو كان مكلفًا. أمّا الثانية، فترى أنّ أيّ تفاوضٍ تحت النار وبلا أوراق قوّةٍ ميدانيّة سيكون أشبه بتسليمٍ سياسيّ مجانيّ، وأنّ الوقت ليس وقت تقديم تنازلاتٍ تفتح الباب أمام صراعٍ داخليّ أشدّ خطورةً من الحرب نفسها.

 

الميدان يُبدّل الحسابات

لكنّ العامل الحاسم في تعديل المواقف لم يكن النقاش النظريّ، بل ما جرى ويجري في الميدان. فمع استمرار قدرة "حزب الله" على القتال، وتوجيه إيران ضرباتٍ قويّة لإسرائيل، تبدّل جزءٌ من المزاج السياسيّ في الداخل اللبنانيّ. لم تَعُد صورة الحزب كما قدّمتها بعض التحليلات، على أنّه في حال وهنٍ بنيويّ وعسكريّ، بل ظهر أنّه لا يزال يملك حضورًا عسكريًّا فعّالًا على الجبهة الجنوبيّة، وقادرًا على الصمود وإيلام خصمه.

هذا التحوّل لم يُلغِ الاندفاعة الإسرائيليّة، لكنّه فرملها، أو على الأقلّ انتزع منها وهم الحسم السريع. ومن هنا، جُمّدت الاندفاعة اللبنانيّة نحو التفاوض المباشر، وسُحبت من التداول صيغة الوفد الموسّع الذي يضمّ ممثّلين عن الطوائف الرئيسيّة، ليُبحث بدلًا منها في صيغٍ أضيق لم تنضج بعد، بينها احتمال الاكتفاء بسيمون كرم موفدًا رئاسيًّا. كذلك، لم تتبلور ورقة تفاوضٍ موحّدة بين الرئاسات الثلاث، ما يعكس أنّ القرار اللبنانيّ نفسه لا يزال قيد الاختبار، ومعلّقًا إلى حدّ بعيد على ما ستنتجه الجبهة.

 

بين حرب الاستنزاف والانفجار الكبير

المشهد، في خلاصته، لا يتّجه نحو تهدئةٍ قريبة، بل نحو مزيدٍ من التورّط المتبادل. إسرائيل ترفع سقف النار والتهديد، وتلوّح بعقيدةٍ تدميريّةٍ قاسية. و"حزب الله" يردّ من الميدان، ويقول إنّه لا يزال قادرًا على الاشتباك والمنع والإيلام. أمّا الدبلوماسيّة، فتكاد تبدو تفصيلًا هامشيًّا أمام عنف الوقائع. وفي الداخل اللبنانيّ، تتكدّس طبقات الأزمة، من النزوح والخدمات والاقتصاد، إلى الانقسام السياسيّ ومخاوف السلم الأهليّ.

هكذا، يقف لبنان عند خطّ تماسٍّ مزدوج، نارٌ مفتوحةٌ في الجنوب، وقلقٌ مفتوحٌ في الداخل. وإذا كانت تل أبيب تخشى "حرب استنزاف" طويلة، فإنّ بيروت تخشى ما هو أبعد، حربًا تستنزف الجغرافيا والمجتمع والدولة معًا. وبين خوفين، يتقدّم الميدان على ما عداه، وتبقى الحقيقة الوحيدة أنّ المنطقة دخلت مرحلةً تُكسر فيها الخطوط القديمة، فيما المستقبل القريب يُكتب، حرفيًّا، على إيقاع النار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث