تكشف مقالاتٌ وتقارير نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة عن نقاشٍ داخليٍّ متصاعد في إسرائيل بشأن مخاطر توسيع المواجهة مع "حزب الله"، وسط تحذيراتٍ من الانزلاق إلى حرب استنزافٍ طويلةٍ ومعقّدة، تتداخل فيها الجبهة اللّبنانيّة مع الضغط الإيرانيّ المتدرّج على العمق الإسرائيليّ. وتعكس هذه المقاربات، في جانبٍ منها، تنامي القلق داخل الأوساط الإسرائيليّة من كلفة الذهاب إلى تصعيدٍ واسع، في وقتٍ لا تبدو فيه إمكانات الحسم السريع مضمونة، لا عسكريًّا ولا سياسيًّا.
"نشوة القوّة"
وفي هذا السّياق، اعتبر الكاتب أوريل لين، وهو رئيسٌ سابق لاتحاد الغرف التجاريّة في إسرائيل، أنَّ توسيع الحملة العسكريّة ضدّ "حزب الله" يعكس حالةً من "نشوة القوّة"، ومن عدم التقدير الكافي لتداعيات المرحلة المقبلة، سواء على المستوى العسكريّ أو على مستوى صورة إسرائيل في الخارج. ورأى لين أنّ الرّدّ المحدود الذي نفّذه الحزب، عبر إطلاق صواريخ نحو الشمال تضامنًا مع إيران، ولّد داخل إسرائيل انطباعًا بوجود فرصةٍ ذهبيّة للقضاء عليه، غير أنّ هذا التقدير، بحسب تعبيره، يتجاهل قدرة الحزب على الصمود، كما يتجاهل امتلاكه ترسانةً صاروخيّة قد تجعل حياة سكّان الشمال "جحيمًا" لسنوات.
وأشار لين إلى أنّ القضاء الكامل على "حزب الله" يتطلّب عمليّةً برّيّةً واسعة، واحتلال جزءٍ كبير من لبنان، وهو خيارٌ محفوفٌ بالمخاطر في ضوء التّجارب السّابقة، وما أظهرته من كلفةٍ بشريّةٍ وعسكريّةٍ وسياسيّة. واعتبر أنّ الأولويّة كان يفترض أن تكون لتركيز الجهد العسكريّ على إيران، بدل تشتيته بين الجبهات، مشدّدًا على أهمّيّة التّنسيق مع الولايات المتّحدة لضرب القدرات العسكريّة الإيرانيّة، ولا سيّما الصواريخ والطائرات المسيّرة، انطلاقًا من فرضيّةٍ تقول إنّ إضعاف طهران سينعكس تلقائيًّا على "حزب الله" ويقلّص هامش حركته.
ولم يغفل الكاتب البعد الدّاخليّ في المشهد الإسرائيليّ، إذ اعتبر أنّ سكّان الشمال هم "الضّحايا الحقيقيّون" لهذا التّصعيد، بعدما عاشوا فترات نزوحٍ طويلة منذ 7 تشرين الأوّل، قبل أن يجدوا أنفسهم مجدّدًا تحت التّهديد. وفي هذا الإطار، وجّه انتقادًا واضحًا إلى السّلطات الإسرائيليّة، على خلفيّة ما وصفه بالفشل في الاستعداد لتجدّد القتال، وكذلك تقليص الدعم المخصّص للسكّان المتضرّرين. كما حذّر من أنّ توسيع العمليّات في لبنان سيؤدّي إلى ارتفاع منسوب الانتقادات الدّوليّة لإسرائيل، بفعل مشاهد النّزوح والضّحايا المدنيّين، بما قد يفاقم عزلتها الخارجيّة، حتّى داخل الولايات المتّحدة نفسها.
"فخّ حزب الله الحدوديّ"
وبالتوازي مع هذه القراءة، أضاء تقريرٌ آخر للصحافيّ آفي أشكنازي، في الصحيفة نفسها، على ما وصفه بـِ "فخّ حزب الله الحدوديّ"، مشيرًا إلى أنّ الحزب يعتمد نمط "حرب الفقراء"، أي إدارة مواجهةٍ منخفضة الكلفة نسبيًّا، تقوم على الاستنزاف المتدرّج، وإرباك الجبهة الدّاخليّة الإسرائيليّة، واستثمار عناصر الجغرافيا والميدان لتحقيق أثرٍ يفوق الإمكانات المستخدمة. وبحسب التقرير، يستفيد الحزب من الظّروف الميدانيّة، مثل الأحوال الجوّيّة والضّباب، لتنفيذ عمليّات تسلّلٍ محدودة، أو قصفٍ مركّز ضدّ مواقع قريبة من الحدود، بما يبقي حالة التوتّر مفتوحةً ويصعّب على إسرائيل فرض استقرارٍ كامل في المنطقة الحدوديّة.
وفي هذا السّياق، برزت بلدة مسغاف عام نموذجًا لهذا النّمط من الهجمات، بعدما شهدت استهدافًا بقذائف الهاون وصواريخ مضادّة للدّروع، أدّى إلى سقوط قتيلٍ وإصاباتٍ وأضرارٍ ماديّة. ووفق هذه القراءة، فإنّ أهمّيّة هذا النّموذج لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في قابليّة توسعه على طول الخطّ الحدوديّ، من رأس النّاقورة إلى الغجر، بما يهدف إلى تقويض صمود السكّان، ودفعهم إلى النّزوح، وتحويل الشريط الحدوديّ إلى مساحة ضغطٍ نفسيٍّ وأمنيٍّ دائم.
ويضع التقرير هذا التّكتيك في سياقٍ أوسع يرتبط بالدّور الإيرانيّ، إذ يرى أنّ طهران تعتمد بدورها أسلوب الضربات المتقطّعة، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولةٍ للحفاظ على ضغطٍ مستمرّ على الدّاخل الإسرائيليّ، من دون الانخراط في مواجهةٍ شاملة. ووفق هذا التقدير، فإنّ إيران تسعى إلى إدارة التوتّر على نحوٍ محسوب، يضمن استنزاف الخصم وإبقائه في حال استنفارٍ دائم، من دون الوصول إلى لحظة الانفجار الكبير. وقد تجلّى ذلك، بحسب التقرير، في إطلاق صواريخ ذات رؤوسٍ متفجّرةٍ ثقيلة باتّجاه أهدافٍ داخل إسرائيل، في رسالةٍ تجمع بين الضغط العسكريّ والردع السياسيّ.
تدمير الجسور
وفي موازاة هذه التقديرات، أعلن وزير الأمن الإسرائيليّ، يسرائيل كاتس، أنّه أصدر تعليماتٍ للجيش بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني فورًا، وتسريع هدم منازل اللّبنانيّين في قرى الخطوط الأماميّة، بهدف إنهاء ما وصفه بالتهديدات. كما أكّد العمل على منع انتقال "حزب الله" وأسلحته إلى جنوب الليطاني، في خطوةٍ تعكس توجّهًا نحو تشديد الإجراءات الميدانيّة، وفرض وقائع جديدة على الأرض، ضمن مقاربةٍ تقوم على رفع كلفة الانتشار والعمل الميدانيّ للحزب في تلك المنطقة.
وتخلص هذه القراءات الإسرائيليّة إلى أنّ إسرائيل تواجه تحدّيًا مركّبًا، يتمثّل في تزامن ضغطين متوازيين, الأوّل، عمليّات استنزافٍ حدوديّة يقودها "حزب الله"، والثّاني، هجماتٌ متقطّعة ذات طابعٍ استراتيجيّ مصدرها إيران. ويعني ذلك، بحسب هذه التقديرات، أنّ تل أبيب قد تجد نفسها أمام حربٍ طويلة الأمد، تستنزف قدراتها العسكريّة والاقتصاديّة، وتضعف تماسك جبهتها الدّاخليّة، بدل أن تفتح الطريق أمام حسمٍ سريع وحاسم.
وفي المحصّلة، تعكس هذه المقاربات الإسرائيليّة إدراكًا متزايدًا بأنّ الحسم السريع على الجبهة اللّبنانيّة ليس خيارًا واقعيًّا في الظّروف الرّاهنة، وأنَّ أيّ تصعيدٍ واسع قد يتحوّل إلى مسارٍ مفتوح على مخاطر ميدانيّة وسياسيّة متعاظمة. كما تكشف، في الوقت نفسه، عن غياب استراتيجيّةٍ واضحة لتحديد أهداف الحرب ومعايير إنهائها، وهو ما يجعل أيَّة اندفاعةٍ عسكريّةٍ جديدة محكومةً، سلفًا، باحتمالات الاستنزاف، بدل الضمانات الفعليّة للإنجاز.




