رصد تقريرٌ إسرائيليّ مسار التّحوّل الذي شهده "حزب الله" خلال العقود الأخيرة، معتبرًا أنّ التّنظيم الذي كان في ذروة قوّته في العام 2000 يواجه اليوم تراجعًا تدريجيًّا في موقعه داخل لبنان، سياسيًّا وشعبيًّا، وسط تعقيداتٍ داخليّةٍ وإقليميّةٍ متراكمة. وتندرج هذه القراءة في سياق محاولاتٍ إسرائيليّةٍ متواصلة لفهم التبدّلات التي طرأت على مكانة الحزب، في ضوء المواجهات الأخيرة، والتحوّلات الإقليميّة، والتغيّرات التي أصابت بنيته القياديّة والسّياسيّة.
تدهور الشعبيّة
ووفق التقرير الذي نشره يوغيف كرمل في موقع N12 الإسرائيليّ، فإنّ "حزب الله"، الذي برز قوّةً صاعدة بعد الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان في العام 2000، لم يعد اليوم في الموقع نفسه، ولا سيّما في ظلّ الضغوط العسكريّة والسّياسيّة المتزايدة التي يتعرّض لها، فضلًا عن التّحوّلات التي شهدتها قيادته، وفي مقدّمها مقتل أمينه العامّ السّيّد حسن نصر الله في أيلول 2024. ويعتبر التقرير أنّ هذه التبدّلات لم تضعف الحزب عسكريًّا فحسب، بل فرضت عليه أيضًا تحدّياتٍ تتعلّق بصورة حضوره الدّاخليّ ودوره في المعادلة اللّبنانيّة.
ويستعيد التقرير المرحلة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب، حين تعزّزت مكانة الحزب داخليًّا، وتكرّست صورته بوصفه قوّةً منتصرة، وهو ما تجلّى، بحسب التقرير، في خطاب "بيت العنكبوت" الشهير في بنت جبيل. غير أنّ ملامح التراجع، وفق القراءة نفسها، بدأت تظهر تدريجيًّا، وخصوصًا بعد حرب تمّوز 2006، التي أقرّ نصر الله لاحقًا أنّه لو كان يدرك حجم تداعياتها على لبنان، لما كان اتّخذ القرار نفسه. ومن هذه المحطّة تحديدًا، يرى التقرير أنّ صورة الحزب بدأت تدخل مرحلةً أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد الإجماع على دوره على حاله السّابق.
ويشير التقرير إلى أنّ السّنوات الأخيرة، وخصوصًا منذ تجدّد المواجهة مع إسرائيل، شهدت تراجعًا ملحوظًا في صورة الحزب داخل لبنان، إذ باتت شريحةٌ من اللّبنانيّين تنظر إليه بوصفه عامل ضغطٍ إضافيًّا على البلاد، بدلًا من اعتباره قوّة حماية. ويأتي ذلك، بحسب التقرير، في ظلّ الأزمات الاقتصاديّة المتفاقمة، والانهيار الماليّ، والحروب المتكرّرة، وهي عوامل ساهمت في تبديل مقاربة قسمٍ من الرّأي العامّ اللّبنانيّ لدور الحزب ووظيفته.
"حملة تخويف"؟
وفي هذا السّياق، ينقل التقرير عن الباحث جوناثان الخوري، المقيم في حيفا والمتخصّص في العلاقات الإسرائيليّة اللّبنانيّة، قوله إنّ جزءًا من المجتمع اللّبنانيّ عاش، بين عامي 2000 و2019، تحت ما وصفه بـ"حملة تخويف"، معتبرًا أنّ الحزب اعتمد، وفق هذا الطرح، على أساليب التّرهيب وإسكات المعارضين، بما في ذلك الاغتيالات السّياسيّة. ويضيف أنّ احتجاجات عام 2019 شكّلت نقطة تحوّلٍ بارزة، إذ بدأت تربط، في نظر بعض الأوساط، بين الحزب والأزمة الدّاخليّة، ولا سيّما على الصعيدين الاقتصاديّ والسّياسيّ.
كما يتوقّف التقرير عند حرب تمّوز 2006، معتبرًا أنّها عزّزت موقع الحزب مرحليًّا، لكنّها، في المقابل، فتحت الباب أمام تساؤلاتٍ داخليّةٍ حول كلفة الخيارات العسكريّة وانعكاساتها على لبنان. ويرى أنّ محطّة عام 2008 شكّلت بدورها نقطةً مفصليّة، مع دخول "حزب الله" إلى بيروت، حيث تحوّل استخدام السّلاح، وفق الرّواية التي يعرضها التقرير، من مواجهة إسرائيل إلى الدّاخل اللّبنانيّ، الأمر الذي أحدث صدمةً لدى شريحةٍ من الرّأي العامّ، وترك أثرًا عميقًا في نظرة خصومه إليه.
ويبرز التقرير كذلك دور التّحالف بين "حزب الله" و"حركة أمل"، مشيرًا إلى أنّ هذا التّحالف وفّر غطاءً سياسيًّا مهمًّا للحزب على مدى سنوات، إلّا أنّه يواجه اليوم تحدّياتٍ داخل البيئة الشّيعيّة نفسها، في ظلّ حديثٍ متزايد عن إمكان بروز تمثيلٍ سياسيٍّ شيعيّ خارج هذا الثّنائيّ، للمرّة الأولى منذ عام 1992. ويعكس هذا الطرح، بحسب التقرير، مؤشّراتٍ على تبدّلٍ تدريجيّ في التّوازنات الدّاخليّة، وإن كان لا يزال في بداياته ولم يتحوّل بعد إلى مسارٍ حاسم.
تداعيات الحرب السّوريّة
ويسلّط التقرير الضّوء أيضًا على تداعيات تدخّل الحزب في الحرب السّوريّة، معتبرًا أنّ هذا التّدخّل حمّل لبنان أعباءً إضافيّة، من أزمة النّزوح إلى الضغوط الاقتصاديّة، قبل أن تتفاقم الصّورة مع فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأوّل، وهذا ما عزّز، وفق التقرير، الانطباع لدى بعض اللّبنانيّين بأنّ الحزب يجرّ البلاد إلى صراعاتٍ إقليميّة لا ترتبط مباشرةً بالمصلحة الوطنيّة اللّبنانيّة. ومن هذا المنطلق، يربط التقرير بين تراكم الأزمات وبين تنامي الأسئلة في الدّاخل اللّبنانيّ حول حدود دور الحزب وكلفة خياراته.
ويطرح التقرير تساؤلاتٍ حول مستقبل الحزب في حال تغيّرت المعادلة في إيران، مشيرًا إلى أنّ نسبةً كبيرةً من تمويله، تقدّر بنحو 90 في المئة، تأتي من طهران، وهذا ما يجعله عرضةً لتداعيات أيّ تحوّلٍ في السّياسات أو القدرات الإيرانيّة. كما ينقل عن باحثين أنّ التّحوّلات الإقليميّة تؤدّي دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل النّقاش الدّاخليّ في لبنان، في ظلّ ما يشار إليه بـِ "قطار ترامب"، أي المتغيّرات السّياسيّة التي قد تدفع بعض الأطراف إلى طرح خياراتٍ كانت، في مراحل سابقة، خارج دائرة التّداول، بما في ذلك نقاشاتٌ تتعلّق بترتيباتٍ أمنيّةٍ أو سياسيّةٍ مع إسرائيل.
وفي ختام التقرير، يرى الكاتب أنّ التغيّر في صورة "حزب الله" داخل لبنان بدأ يتبلور تدريجيًّا، لكنّه لا يزال بطيئًا، مشيرًا إلى أنّ شريحةً من اللّبنانيّين باتت تنظر إلى الحزب بوصفه جزءًا من صراعٍ إقليميٍّ أوسع، لا قوّةً حصريّةً لحماية لبنان. ويعكس هذا الاستنتاج، في جوهره، محاولةً إسرائيليّةً لقراءة المشهد اللّبنانيّ من زاوية خصوم الحزب، ورصد مكامن التبدّل في بيئته السّياسيّة والشّعبيّة.
وفي المحصّلة، تعكس هذه القراءة الإسرائيليّة محاولة تفسير التّحوّلات داخل لبنان من منظورٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ يرتبط بحسابات الصّراع مع "حزب الله"، في وقتٍ تبقى فيه الوقائع الميدانيّة والسّياسيّة مفتوحةً على احتمالاتٍ متعدّدة، بين استمرار المواجهة، أو إعادة رسم التّوازنات الدّاخليّة والإقليميّة، أو الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة يعاد فيها تعريف موقع الحزب ودوره داخل المعادلة اللّبنانيّة.




