جمود سياسي لم يكسره لقاء أو تصريح أو أي موقف رسمي يوضح أين أصبحت دعوة لبنان المفتوحة لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بما يؤكد أن لا تجاوب أميركي أو إسرائيلي مع العرض اللبناني، فيما بقي حديث السفير الأميركي ميشال عيسى يتردد في الأروقة السياسية لما حمله من رد واضح وصريح بأن لا حوار ولا مفاوضات ما لم يتول الجيش التصدي لسلاح حزب الله، ويذهب لبنان حينها لمفاوضات مباشرة وعلى مستوىً رسمي كبير بين لبنان وإسرائيل. وسط كل ذلك تراجع البحث في تشكيل لجنة التفاوض مع إسرائيل بعدما اصطدم تشكيلها بإصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على رفض ترشيح شخصية شيعية، ولم تلق فكرة الاكتفاء بحضور السفير سيمون كرم كموفد رئاسي للمفاوضات الاستحسان بعد. في هذا الوقت غاب التواصل المعلن بين الرؤساء، وتوقفت الرسائل باتجاه الخارج بعدما احتل الميدان صدارة المتابعات سواء في إيران أو في لبنان.
مشهد مركّب في الجنوب
في الجنوب يتكشّف مشهد ميداني مركّب. عنوانه أن الكلمة للميدان، سواء بالنسبة إلى حزب الله أو إسرائيل التي تسعى إلى فرض واقع جديد يتجاوز حدود العمليات التقليدية، في ظل التصعيد المتسارع على الجبهة الجنوبية. فإلى جانب الضربات الجوية واستهداف البنى التحتية، ولا سيما الجسور على نهر الليطاني، برز توجّه إسرائيلي واضح لاستخدام العامل السكاني كورقة ضغط، عبر الدفع نحو تفريغ مناطق الجنوب وربط عودة الأهالي بشروط تتعلّق بنزع سلاح حزب الله، في محاولة لفرض معادلة تفاوضية قائمة على الضغط الإنساني إلى جانب السيطرة الميدانية.
وهو ما نقلته اليوم الكاتبة الإسرائيلية دانا فايس الاسي، في تقرير نُشر في "القناة 12 الإسرائيلية"، واعتبرت فيه أنّ "الجيش الإسرائيلي لا يتجه حاليًا إلى تنفيذ مناورة برية واسعة، بل يعتمد مسارًا مختلفًا يقوم على دفع سكان الجنوب نحو الشمال، بهدف تفريغ المنطقة واستخدامها كورقة ضغط في أيّة تسوية محتملة مع الحزب".
ويكشف التقرير عن نية واضحة لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لربط عودة السكان بمسألة نزع سلاح حزب الله، حيث نقل عن مسؤول أمني قوله: "لن نسمح للسكان الشيعة بالعودة إلى جنوب لبنان حتى يتم نزع سلاح حزب الله، هذه ورقة ضغط غير مسبوقة". ويعكس هذا التصريح توجّهًا لاستخدام السيطرة الميدانية كوسيلة لفرض شروط سياسية مباشرة. في حين برز ما نقلته صحيفة "هارتس" العبرية التي قالت: "لن يتحقق "النصر الكامل" لإسرائيل على حزب الله".
إسرائيل تصطدم بقوة دفع حزب الله
في المقابل، لا تبدو هذه الاستراتيجية قادرة على تحقيق حسم سريع، إذ تصطدم القوات الإسرائيلية بواقع ميداني معقّد، مع استمرار المواجهات المباشرة في أكثر من محور، ولا سيما في مدينة الخيام ومحيط الناقورة، حيث يخوض حزب الله اشتباكات عن قرب لمنع محاولات التوغّل. ويكثّف الحزب من عملياته الهجومية، مستهدفًا تجمعات الجنود والقواعد العسكرية والمستوطنات بصليات صاروخية وأسلحة نوعية، ضمن ما يعلن عنه من عمليات متصاعدة، بالتوازي مع صدّ دفاعي منظّم يعتمد على تكتيكات عسكرية مدروسة تشمل نصب الكمائن واستهداف الآليات والتحركات.
وتوضح بيانات حزب الله المتتالية والتي بلغ عددها 24 بياناً لحزب الله اليوم توضح واقع الصد الدفاعي لحزب الله، الذي يمنع القوات الإسرائيلية من التقدّم على الرغم من الغطاء الناري الكثيف الذي تعتمده إسرائيل في عمليات التوغل لضمان وصولها إلى العمق الجنوبي الذي تريده.
وأعلن "حزب الله" في سلسلة بياناته أن "المقاومة الإسلامية تخوض اشتباكات مباشرة مع قوّات جيش العدوّ الإسرائيليّ في مدينة الخيام بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة ولا تزال الاشتباكات مُستمرّة حتّى لحظة صدور هذا البيان".
كما أعلن استهداف تجمّع لجنود جيش العدوّ، في موقع هضبة العجل شمال مستوطنة كفاريوفال بصليةٍ صاروخيّة، واستهدف تجمعين آخران في مستوطنة المطلّة بصليةٍ صاروخيّة، وفي مشروع الطيبة بصليةٍ صاروخيّة، واشتبك حزب الله مع قوّة إسرائيليّة حاولت التوغّل من منطقة الطباسين باتجاه مبنى بلديّة بلدة الناقورة بالأسلحة الخفيفة والمُتوسطة، كما استهدف تجمّعًا لجنود الجيش الإسرائيليّ في محيط مُعتقل الخيام، وقاعدة فيلون جنوب روش بينا بصليات صاروخية، وموقع المرج مقابل بلدة مركبا الحدودية بصليةٍ صاروخيّة، وتجمعًا لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في خلّة العقصى في خراج بلدة العديسة الحدوديّة بصاروخٍ نوعيّ.كما استهدف عناصر الحزب تجمعًا لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في مشروع الطيبة بصاروخٍ نوعيّ.
إعادة هيكلة الحزب بدعم من الحرس الثوري الإيراني
وتعزّز هذه القدرة الميدانية ما كشفه تقرير لوكالة "رويترز" حول إعادة هيكلة حزب الله بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، الذي أعاد تشكيل القيادة العسكرية وسدّ الثغرات التي أحدثتها الضربات الإسرائيلية، عبر إدخال ضباط وإعادة تنظيم منظومة القيادة والتدريب والتسليح. هذا التدخّل ساهم في استعادة الحزب لفعاليته القتالية بسرعة، وهذا ما انعكس في وتيرة العمليات المرتفعة والانخراط المباشر في المواجهة الإقليمية.
ويشير التقرير إلى أن هذه العملية تُعد الأولى من نوعها منذ تأسيس حزب الله في العام 1982 على يد الحرس الثوري، وهذا ما يعكس مستوى تدخل مباشر وغير مسبوق بعد الخسائر التي شملت اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله وعدد من القادة البارزين. ووفق المصادر، فقد أرسل الحرس الثوري ضباطًا لإعادة تدريب المقاتلين والإشراف على إعادة التسلح، إلى جانب إعادة هيكلة منظومة القيادة التي اخترقتها الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ما ساهم سابقًا في استهداف قيادات الحزب.
ويضيف التقرير أن هذا الاستثمار الإيراني ساهم في إعادة تمكين حزب الله بسرعة، وهذا ما أتاح له الانخراط في الحرب الإقليمية إلى جانب طهران اعتبارًا من 2 آذار، حيث أطلق مئات الصواريخ باتجاه إسرائيل، في الوقت الذي تواصل فيه القوات الإسرائيلية عملياتها التي أدت إلى مقتل أكثر من 1000 شخص في لبنان، وسط مواجهات مباشرة في الجنوب.
كل الوقائع الميدانية أو تصريحات المسؤولين الأميركيين أو في إسرائيل تؤكد أننا أمام معركة مفتوحة على مسار طويل ومعقّد أساسها كيف ستنتهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.




