نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية تقريراً تطرقت فيه إلى مجريات الأحداث مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، معتبرة أنّه "إذا أخفقت القيادة الإسرائيلية في اغتنام فرصة التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح حزب الله واحتمال اعتراف لبنان بإسرائيل، فسيكون ذلك إما بدافع الغباء أو النفاق".
وقال كاتب التقرير: "يوم الأربعاء، توجهتُ إلى الحدود الشمالية لإسرائيل، في وقت كانت تقترب فيه من أجمل فصول السنة، غير أن مظاهر الحرب مع حزب الله في لبنان بدت في تناقض صارخ مع هذا الازدهار الطبيعي الهادئ. ومع اقتراب الحرب مع إيران من نهاية أسبوعها الثالث، لا تلوح أي مؤشرات على خفض التصعيد. وكذلك الحال في لبنان: فقد أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين عن هجوم بري "محدود" في مناطق جديدة جنوب لبنان، أعقبه استدعاء 450 ألف جندي احتياط، ما يثير مخاوف من احتلال طويل الأمد للجنوب اللبناني".
وتابع: "وقد حذّرت المملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في بيان مشترك، من أن "أي هجوم بري إسرائيلي واسع النطاق ستكون له عواقب إنسانية مدمّرة، وقد يؤدي إلى نزاع طويل الأمد". وأفادت الحكومة اللبنانية بأن مليون مدني لبناني قد نزحوا، عقب أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي.
وعلى خلاف جولة القتال السابقة، التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023 واستمرت حتى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، لم يُقدم سكان البلدات الشمالية في إسرائيل إلى حد كبير على الإخلاء. وخلال زيارتي إلى بلدة المطلة، أقصى الشمال، كان السكان يجلسون تحت أشعة الشمس على شرفة مقهى صغير. ولم تكن دويّات الانفجارات المستمرة في الخلفية تزعجهم؛ وحدها صفارات الإنذار كانت تدفعهم للنهوض والركض نحو أقرب ملجأ، إذ يمكن للصواريخ أن تصل إلى المطلة خلال ثوانٍ معدودة".
وأضاف: "ومنذ الإعلان في 2 آذار عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وانحياز حزب الله إلى جانب إيران لمهاجمة إسرائيل، تقول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إن الحزب يطلق في المتوسط نحو 100 صاروخ أو طائرة مسيّرة يوميًا باتجاه شمال إسرائيل. ومع ذلك، فإن الأثر المادي على المجتمعات المحلية ظل محدودًا بشكل لافت، حيث سُجلت إصابة مدنية خطيرة واحدة فقط. وبحسب مسؤول عسكري إسرائيلي، تمكن حزب الله من إعادة ترسيخ بعض وجوده وبنيته التحتية في جنوب لبنان، لكنه لم يستعد قوته التي كان يتمتع بها قبل تشرين الأول 2023. وفي المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أن قدراته الدفاعية الجوية والبرية أصبحت أقوى من أي وقت مضى، وأن الدروس المستفادة من النزاعات السابقة حسّنت قدرته على اعتراض معظم المقذوفات الموجهة نحو إسرائيل".
إسرائيل ترفض عرض لبنان
وبحسب الصحيفة: "وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال مسؤولون عسكريون إن هدف الهجوم البري هو الدفاع عن الحدود الشمالية لإسرائيل. وبالنظر إلى ما تحقق من نجاحات عسكرية، ينبغي على القيادة الإسرائيلية الانتقال إلى المرحلة التالية من الحملة: ليس توسيع استخدام القوة العسكرية، بل كبحها — وهو نمط تفكير يبدو أن المسؤولين الإسرائيليين قد غفلوا عنه". وأضاف الكاتب: "ولستُ بأي حال من الأحوال من أنصار أبرز رجال ألمانيا العسكريين، أوتو فون بسمارك، الذي استخدم الحروب على نطاق واسع كأداة سياسية لإعادة تشكيل أوروبا، وانتهى به الأمر إلى توحيد ألمانيا كدولة عام 1871. ومع ذلك، فقد أدرك بسمارك أن الحروب ليست سوى خطوة نحو الاستقرار (إذ لم يكن يؤمن بالسلام)، وأن النظام الحقيقي ينبع من الاتفاقات. لذلك كان حريصًا على إدارة حروبه بطريقة تتيح له التفاوض مع خصومه لاحقًا".
وتابع: "وفي حالة إسرائيل ولبنان، يوجد اتفاق مطروح بالفعل، قدمته فرنسا نهاية الأسبوع الماضي. وهو إطار يضع نزع سلاح حزب الله تحت إشراف دولي، وقد يمهد الطريق أمام اعتراف لبنان بإسرائيل. وللمرة الأولى، توجد حكومة في بيروت مستعدة للانخراط في مثل هذه المفاوضات. غير أن إسرائيل رفضت العرض حتى الآن، مُصرةً على أن يكون نزع سلاح حزب الله شرطًا مسبقًا للمحادثات، رغم إدراكها لضعف الحكومة اللبنانية. وإذا أهدرت الحكومة الإسرائيلية هذه الفرصة التاريخية بسبب هوسها بالحرب، فسيكون ذلك إما نتيجة غباء أو نفاق".




