الحكومة تحت ضغط إسرائيلي- أميركي- فرنسي: انزعوا السلاح أولاً

مانشيت - المدنالجمعة 2026/03/20
Image-1773239682
سياسيًا، سقطت الوعود بالاحتواء. وعسكريًا، يتقدم واقع التوسع. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

المبادرة الفرنسيّة لوقف الحرب ماتت قبل أن تولد. فوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي انتقل من بيروت إلى إسرائيل، والتقى نظيره جدعون ساعر، اصطدم بالحائط المسدود كما كان متوقّعاً. فهو أبلغ الإسرائيليين بتحفّظات فرنسا على عمليّتهم البرّية في لبنان، داعيًا إيّاهم إلى مراعاة وضع الحكومة اللبنانية، لأنّ حزب الله جرّها، ومعها لبنان، إلى حرب لم يرغب فيها لا الشعب ولا السّلطات.

لكنّ ردّ ساعر جاء تكرارًا للموقف نفسه، وقال بعد الاجتماع: عرضتُ عليه حجم الهجمات التي شُنّت على إسرائيل من الأراضي اللبنانية، التي تجاوزت 2500 هجوم منذ الثاني من آذار، بما في ذلك الهجمات من مناطق جنوب نهر الليطاني، وهي المناطق ذاتها التي تباهت الحكومة والجيش اللبناني قبل شهرين ونصف شهر فقط بتحقيق "سيطرة عملياتيّة" عليها. وللأسف، فإنّ الحكومة اللبنانية وجيشها لا يتّخذان أيّ إجراء فعليّ وذي مغزى ضدّ حزب الله، لا على الصعيد العسكريّ ولا في جوانب أخرى. واقترحتُ عليه أيضًا أن تقوم فرنسا والاتحاد الأوروبي بتصنيف منظّمة "حزب الله" بكامل أجنحتها منظّمةً إرهابية، وليس جناحها العسكريّ فحسب، أسوةً بما فعلته عدّة دول أوروبية بالفعل، لأنّ نزع الشرعيّة الكامل عن حزب الله أمرٌ ضروريّ، لكون هذا الوكيل الإيرانيّ يعمل عسكريًّا ضدّ إسرائيل منذ عقود، فيما يقضي بشكلٍ منهجيّ على لبنان ومستقبله". كما عرض ساعر، بحسب روايته، "العمليات الدقيقة" التي تنفّذها إسرائيل ضدّ عناصر حزب الله، مع تأكيد الجهود المبذولة لتقليل الأضرار التي تلحق بالسكان المدنيين قدر الإمكان. 

وإزاء هذا الفشل في إقناع إسرائيل، اضطرّ بارو نفسه إلى التأكيد مجدّدًا أنّ الحكومة اللبنانية "لا تتّخذ الإجراءات المناسبة لتنفيذ قراراتها بنزع سلاح حزب الله، وعليها أن تفعل". وهنا بالضبط تنكشف حقيقة المشهد: إسرائيل دفعت فرنسا إلى الوقوف في خانتها، لا العكس.

وأثناء ذلك، كان السفير الأميركي في بيروت يجدّد التأكيد أنّ على الحكومة اللبنانية أن تقوم بما عليها لنزع سلاح حزب الله، من دون أيّة إشارة جدّية إلى ضغطٍ فعليّ على إسرائيل لوقف عملياتها. وإذا كانت واشنطن لا ترى إمكانًا للتفاوض في ظلّ استمرار الضربات، فهذا يعني ببساطة أنّ باب الوساطات موصد، وأنّ لا أفق قريبًا لوقف نار أو لمسار تفاوضيّ جدّي.

النتيجة السياسية المباشرة واضحة: واشنطن متفهّمة لما تفعله إسرائيل وتطالب لبنان بالتحرّك، وفرنسا عاجزة ومربكة، فيما تبدو إسرائيل متفلّتة في تنفيذ خططها العسكرية، تدميرًا وتهجيرًا وفرضًا لمنطقة عازلة. وقد أعلن المتحدّث باسم جيشها أنّ الحرب على حزب الله ستتوسّع في الأيام المقبلة. وفي الميدان، تتجدّد الاشتباكات العنيفة على محور الخيام، حيث يُسجَّل تقدّم إسرائيليّ، كما أُفيد عن تقدّم آخر في القطاع الغربيّ، نحو الناقورة من جهة علما الشعب، وترددت معلومات عن توغل في البلدة وسماع أصوات تبادل للنار فيها. كما وجه الإسرائيليون إنذاراً جديداً بالإخلاء من جنوب الزهراني. وفي المقابل، يواصل حزب الله إطلاق الرشقات الصاروخية نحو إسرائيل، وآخرها رشقة باتجاه مستوطنة راموت نفتالي، وثكنة يعرا، ومستوطنتَي كريات شمونة ويفتاح.

 

زيارة بارو: وساطة بلا أنياب

إذن، المعطيات التي خرج بها بارو من تل أبيب لم توحِ بأنّ باريس تمسك بأيّ خيطٍ فعليّ للتأثير. فالرجل قال بوضوح إنّه لا يرى نهايةً واضحةً للأزمة على المدى القريب، في إشارةٍ إلى استمرار التصعيد الإقليميّ وتداخل الجبهات بين لبنان وإسرائيل.

وأوضح بارو أنّه نقل مباشرةً إلى الجانب الإسرائيليّ موقف بلاده المتحفّظ إزاء العملية البرّية في لبنان، في ظلّ مخاوف من اتّساع رقعة العمليات وتداعياتها الإنسانية والسياسية، مشيرًا إلى أنّه أكّد للإسرائيليين أنَّ "الكلفة الإنسانية لعملية برّية في لبنان ستكون عالية". لكنّ هذا الكلام، على أهميّته الإعلامية، بقي في حدود التحذير الأخلاقيّ، لا في مستوى الضغط السياسيّ القادر على تعديل القرار الإسرائيلي.

ولم يكتفِ بارو بالتحفّظ على العمليّة، بل مضى أبعد في تحميل الدولة اللبنانية مسؤوليّة التقصير، حين قال إنّه "على الجيش اللبنانيّ اتّخاذ كلّ التدابير لنزع سلاح حزب الله وفقًا لقرار الحكومة"، لافتًا إلى أنّ "النزاع بين إسرائيل وحزب الله لا يجوز فصله عن النزاع الأكبر مع إيران". كما أعلن استعداد بلاده لتسهيل المحادثات بين لبنان وإسرائيل بالتنسيق مع أميركا، معتبرًا أنّ "الاستفزاز غير المقبول من حزب الله هدّد استقرار لبنان وجرّ البلد إلى حربٍ لم يرغب بها لا الشعب ولا السّلطات".

لقد سقطت الوساطة الفرنسية في فخّ التناقض. فباريس التي جاءت لتمنع اتّساع الحرب، انتهت عمليًّا إلى تبنّي جزءٍ أساسيّ من الرواية الإسرائيلية، أيّ إنّ أصل المشكلة يكمن في عجز الدولة اللبنانية عن فرض قرارها على حزب الله، لا في الخيار الإسرائيليّ المفتوح على التوسّع والتدمير.وبهذا المعنى، لم يكن لقاء بارو، ساعر محطةً تفاوضية، بل مناسبةً لإبلاغ فرنسا، ومن خلفها أوروبا، أنّ إسرائيل لا تبحث الآن عن تسوية، بل عن تفويضٍ سياسيّ أوسع لمتابعة الحرب تحت عنوانَي "الدفاع عن النفس" و"تجفيف مصادر التهديد".

 

واشنطن تراقب من مقعد الشريك

المشهد الدوليّ المحيط بالحرب لا يقلّ دلالةً عن الميدان. فحين تقول فرنسا إنّ على الدولة اللبنانية نزع سلاح حزب الله، وتكرّر واشنطن الرسالة نفسها، فإنّ ذلك يعني أنّ الأولويّة الغربية ليست وقف الحرب بقدر ما هي إعادة تشكيل التوازن الداخليّ في لبنان تحت النار.

السفير الأميركيّ في بيروت جدّد التأكيد أنّ على الحكومة اللبنانية أن تقوم بما عليها لنزع سلاح حزب الله، مضيفًا، بوضوحٍ لا يخلو من الرسائل، أنّه لا يعرف ما إذا كانت مستعدّة للتفاوض في ظلّ استمرار الضربات. في هذه الجملة تختصر واشنطن موقفها: لا ضغط حاسمًا على إسرائيل، ولا رعاية فعلية لوقف نار، بل انتظارٌ لنتائج الميدان، مع تحميل لبنان الرسميّ مسؤوليّة إنتاج "الظرف السياسيّ" المناسب لأيّ تفاوض لاحق. وهكذا تبدو باريس عاجزة، وواشنطن متفهّمة، فيما إسرائيل تتحرّك بثقة من يعرف أنّ الاعتراضات الأوروبية لن تتجاوز حدود العتاب، وأنّ الضغط الأميركيّ سيبقى موجّهًا إلى بيروت أكثر ممّا هو موجّه إلى تل أبيب.

 

الميدان يقول كلمته

سياسيًّا، سقطت الوعود بالاحتواء. وعسكريًّا، يتقدّم واقع التوسّع. إعلان الجيش الإسرائيلي أنّ الحرب على حزب الله ستتوسّع في الأيام المقبلة ليس تفصيلًا إعلاميًّا، بل مؤشّرًا واضحًا إلى أنّ إسرائيل انتقلت من مرحلة "العمليات المحدودة" إلى مرحلة إعادة رسم الوقائع الميدانية، وربّما الديموغرافية، على طول الشريط الحدوديّ.

الاشتباكات العنيفة على محور الخيام، مع ما يُقال عن تقدّمٍ إسرائيليّ، والتقارير عن تقدّمٍ آخر في القطاع الغربيّ باتجاه الناقورة من جهة علما الشعب، تُظهر أنّ الجيش الإسرائيليّ لا يكتفي بالردّ على النيران، بل يسعى إلى إنشاء حزامٍ أمنيّ بالنار، عنوانه المعلن إبعاد حزب الله، وهدفه الأبعد فرض وقائع يصعب التراجع عنها في أيّ مفاوضات لاحقة.

في المقابل، يواصل حزب الله إطلاق الرشقات الصاروخية باتجاه المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، في محاولةٍ لتأكيد أنّه ما زال يمتلك القدرة على الردّ، وأنّ الحرب لم تتحوّل بعد إلى نزهة إسرائيلية.  لكن ذلك، لا يبدّل حتى الآن في الصورة الكبرى: إسرائيل تمضي في التوسيع، والغطاء الدوليّ لفرملة هذا التوسيع ما زال مفقودًا.

 

"هآرتس": فرصة ضائعة بين الغباء والنفاق

في خضمّ هذا التصعيد، لفت تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية إلى زاويةٍ مختلفة في النقاش الإسرائيليّ الداخليّ. الصحيفة اعتبرت أنّه "إذا أخفقت القيادة الإسرائيلية في اغتنام فرصة التوصّل إلى اتّفاق بشأن نزع سلاح حزب الله واحتمال اعتراف لبنان بإسرائيل، فسيكون ذلك إمّا بدافع الغباء أو النفاق".

لكنّ القيمة السياسية الحقيقية في تقرير "هآرتس" تكمن في مكانٍ آخر: فهو يقول، من داخل إسرائيل نفسها، إنّ النجاح العسكريّ لا يُفترض أن يقود إلى توسيع استخدام القوّة، بل إلى كبحها، والانتقال إلى اتفاقات تُنتج استقرارًا. ويذهب أبعد من ذلك حين يتحدّث عن إطارٍ فرنسيّ مطروح، يضع نزع سلاح حزب الله تحت إشرافٍ دوليّ، وقد يمهّد الطريق أمام اعترافٍ لبنانيّ بإسرائيل، معتبرًا أنّ ثمّة حكومةً في بيروت تبدو مستعدّة للانخراط في مفاوضات من هذا النوع، لكنّ إسرائيل رفضت العرض حتى الآن، مصرّةً على جعل نزع السلاح شرطًا مسبقًا للمحادثات، رغم إدراكها لضعف الحكومة اللبنانية.

 

الإمارات والخارجية اللبنانية: جبهة أمنيّة موازية

بالتوازي مع المعركة المفتوحة على الحدود، برز تطوّر أمنيّ وسياسيّ شديد الحساسيّة مع إعلان جهاز أمن الدولة في دولة الإمارات العربية المتحدة "تفكيك شبكة إرهابية ممولة ومدارة من قبل حزب الله اللبناني وإيران، والقبض على عناصرها، تعمل داخل أراضي الدولة تحت غطاءٍ تجاريّ وهميّ، وتسعى لاختراق الاقتصاد الوطنيّ وتنفيذ مخطّطات خارجية تهدّد الاستقرار الماليّ للبلاد".

وأوضح الجهاز أنّ هذه الشبكة عملت، وفق خطةٍ استراتيجيةٍ معدّةٍ مسبقًا مع أطرافٍ خارجية مرتبطة بحزب الله وإيران، على مخالفة الأنظمة الاقتصادية والقانونية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتهديد أمن الوطن، مؤكّدًا أنّ أيّ محاولة لاستغلال الاقتصاد الوطنيّ أو المؤسسات المدنية لأغراضٍ إرهابية أو تآمرية ستُواجَه بحزمٍ وقوّة، ولن يُسمح بأيّ تدخّلٍ خارجيّ يهدّد أمن الدولة أو استقرارها، مهما كان مصدره أو غطاؤه.

هذا الإعلان حمل أبعادًا تتجاوز البعد الأمنيّ المباشر. فهو يضع حزب الله، مرّةً جديدة، في قلب اشتباكٍ عربيّ، ماليّ، وسياسيّ، ويعزّز مسار تجفيف الهوامش الإقليمية المتاحة له، في لحظةٍ يتعرّض فيها أصلًا لضغطٍ عسكريّ إسرائيليّ غير مسبوق.

 

الخارجية تستنكر، وحزب الله ينفي

في المقابل، سارعت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية إلى الإعراب عن "استنكارها الشديد للمخطّط الإرهابيّ الذي استهدف دولة الإمارات العربية المتحدة"، ودانت في بيانٍ ضلوع حزب الله بالمخطّط، مذكّرةً بقرار الحكومة اللبنانية الصادر في 2 آذار 2026 بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله.

وقالت الوزارة إنّ لبنان "يعبر عن تضامنه الكامل مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة التي طالما وقفت معه في المحن والصعاب"، كما هنّأت الأجهزة الأمنية الإماراتية على يقظتها، وأعربت عن استعداد السلطات اللبنانية التامّ للتعاون في التحقيقات وصولًا إلى معاقبة المرتكبين.

لكنّ حزب الله سارع إلى نفي ما صدر عن الإمارات بشأن "شبكةٍ مزعومة" مرتبطة به، وقال في بيانٍ له: "ينفي حزب الله ما صدر من اتّهاماتٍ ملفّقة بحقّه عن الجهات الأمنية في دولة الإمارات، ويؤكّد بصورةٍ قاطعة أنّ هذه الادّعاءات عاريةٌ من الصحّة تمامًا، ولا تستند إلى أيّ واقعٍ أو حقيقة، فحزب الله ليس لديه أيّ تواجد داخل الإمارات وغيرها من الدول تحت أيّ غطاءٍ أو مسمّى تجاريّ أو غيره، ويعتبر أنّ هذه المزاعم تأتي في سياق محاولاتٍ متكرّرة للإساءة إلى الحزب وتشويه صورته لأهدافٍ باتت واضحةً جليّةً ولا تخفى على أحد".

كما استهجن الحزب "المسارعة غير المسؤولة" من قبل وزارة الخارجية اللبنانية إلى تبنّي هذه الروايات الصادرة عن جهاتٍ خارجية، وإصدار موقف إدانة بحقّ "مكوّنٍ لبنانيّ أساسيّ" قبل التثبّت والتحقّق، بدل التحلّي بالحدّ الأدنى من المسؤولية الوطنية، خصوصًا في ظلّ ما يتعرّض له لبنان وشعبه من عدوانٍ إسرائيليّ وحشيّ.

 

لا هدنة في الأفق

المشهد النهائيّ لا يتحمل التجميل. المبادرة الفرنسية سقطت قبل أن تبدأ، لأنّها لم تمتلك أدوات الضغط، ولأنّ إسرائيل لا ترى مصلحةً في وقف الحرب الآن. واشنطن لا تعارض هذا المسار، بل تواكبه بشروطٍ سياسية موجّهة إلى الدولة اللبنانية. أمّا لبنان الرسميّ، فيبدو بين نارَين: ضغطٌ خارجيّ يطالبه بنزع سلاح حزب الله فورًا، وحربٌ إسرائيلية تُضعف قدرته أكثر فأكثر على إنتاج أيّ قرارٍ سياديّ جامع.

في المقابل، يتصرّف حزب الله على أنّه ما زال قادرًا على خوض حرب استنزاف، في حين تتصرّف إسرائيل على أنّ اللحظة مؤاتية لفرض وقائع طويلة الأمد على الحدود، وربّما داخل المعادلة اللبنانية نفسها. وحتى إشعارٍ آخر، لا تبدو المنطقة متّجهةً إلى تسوية، بل إلى جولةٍ أشدّ قسوةً من إعادة الترتيب بالقوّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث