ماذا لو لم تكن بعض الحروب نتيجة سوء تقدير سياسي فقط، بل نتيجة إيمان عميق لدى بعض المجتمعات بأنها جزء من قصة تاريخية أكبر، يجب أن تحدث؟
تشير دراسات علم النفس السياسي إلى أن السرديات الدينية والتاريخية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تشكيل وعي المجتمعات خلال فترات الصراع والتحولات الكبرى.
في الشرق الأوسط اليوم، لا يجري الصراع فقط بين جيوش ودول، إنه يجري أيضًا بين سرديات كبرى عن التاريخ ونهايته. في بعض التفسيرات الدينية داخل العالم الإسلامي، تُقرأ التحولات الكبرى في المنطقة ضمن سياق ظهور المهدي في آخر الزمان. وفي بعض التيارات الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، ترتبط التحولات السياسية الكبرى بفكرة الخلاص وظهور الماشيح.
هذه المعتقدات ليست مجرد أفكار روحية خاصة بالأفراد. فعندما تدخل إلى المجال الاجتماعي والسياسي، يمكن أن تتحول إلى قوة نفسية قادرة على التأثير في فهم الناس للأحداث واتجاه المجتمعات في لحظات الأزمات. وهنا يظهر سؤال نادرًا ما يُطرح بوضوح في التحليل السياسي التقليدي: هل يمكن أن تتحول النبوءات إلى قوة تدفع التاريخ نحو تحقيقها؟
النبوءة التي تحقق نفسها
في علم النفس الاجتماعي يوجد مفهوم معروف يسمى النبوءة التي تحقق نفسها بنفسها. فعندما يؤمن عدد كبير من الناس بأن حدثًا معينًا سيقع، فإن سلوكهم وقراراتهم قد تبدأ تدريجيًا بدفع الواقع نحو تحقيقه. استُخدم هذا المفهوم لفهم الأزمات الاقتصادية وسلوك الأسواق وحتى القرارات السياسية. ولكن عندما يدخل إلى المجال الديني والسياسي، يصبح تأثيره أكثر تعقيدًا.
فالمجتمع الذي يعتقد أنه يعيش لحظة تاريخية مرتبطة بنبوءة كبرى قد يصبح أكثر استعدادًا لتحمل الحرب، وأكثر قابلية لتفسير الأحداث كلها ضمن هذه السردية. ومع مرور الوقت، قد تبدأ السياسة نفسها بالتحرك داخل هذا الإطار، ليس بالضرورة لأن القادة يؤمنون دائمًا بهذه النبوءات، بل لأن المجتمع الذي يعيش داخل قصة معينة قد يدفع السياسة تدريجيًا للتحرك داخلها. وهنا تتحول النبوءة من فكرة دينية إلى قوة نفسية-سياسية فاعلة
عندما يلتقي الدين بالسياسة
التاريخ السياسي يوضح أن بعض القادة يدركون جيدًا القوة التعبوية للسرديات الدينية. فالسياسي يعرف أن الحروب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالمعنى. ولهذا تظهر الرموز واللغة الدينية كثيرًا في الخطاب السياسي خلال الأزمات، ليس بالضرورة لأن السياسة دينية بالكامل، بل لأن السرديات الدينية تمنح الصراع معنى يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة. إنها قادرة على توحيد المجتمع، ورفع المعنويات، وتحويل الصراع إلى قضية أخلاقية كبرى. ولهذا، قد تتحول الحرب أحيانًا من صراع على الأرض فقط إلى صراع على المعنى والهوية والتاريخ.
لماذا يصبح الشرق الأوسط مركز هذه السرديات؟
لفهم هذا السؤال، يجب إدراك أن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية، ولكنه المكان الذي تشكلت فيه معظم السرديات الدينية الكبرى في تاريخ البشرية. فاليهودية والمسيحية والإسلام نشأت جميعها في هذه المنطقة، وتشترك في جزء كبير من رموزها الجغرافية والتاريخية. لهذا السبب، فإن الأحداث السياسية التي تقع هنا، غالبًا ما تُقرأ ضمن إطار ديني أو تاريخي أوسع. لكن هناك عاملًا آخر أيضًا، فالمنطقة عاشت خلال القرن الأخير سلسلة طويلة من التحولات والصراعات العميقة. ومع تراكم الأزمات وعدم اليقين، يميل البشر بطبيعتهم إلى البحث عن قصص كبرى تمنح الأحداث معنى. وهكذا تتقاطع الجغرافيا المقدسة مع الأزمات السياسية، فتصبح المنطقة أرضًا خصبة لظهور السرديات حول التاريخ ونهايته.
السرديات في عصر وسائل التواصل
هناك عامل جديد يجعل هذه السرديات أكثر تأثيرًا اليوم مما كانت عليه في أي وقت مضى: وسائل التواصل الاجتماعي.
في الماضي كانت الروايات الدينية أو الأيديولوجية تنتشر ببطء عبر الكتب أو المؤسسات الدينية. أما اليوم ففكرة واحدة أو تفسير واحد للأحداث يمكن أن ينتشر خلال دقائق ليصل إلى ملايين الناس. الخوارزميات تميل بطبيعتها إلى نشر المحتوى الذي يثير المشاعر القوية مثل الغضب والخوف والشعور بالتهديد أو الانتماء إلى قضية كبرى. ولهذا تنتشر السرديات التي تقدم العالم في صورة صراع بين الخير المطلق والشر المطلق بسرعة هائلة. ومع الوقت، قد يجد الناس أنفسهم يعيشون داخل فقاعات سردية تعيد تفسير كل حدث جديد ضمن القصة نفسها. وهنا يصبح الصراع ليس فقط على الأرض، بل أيضًا على العقول والقصص التي يصدقها الناس.
الحرب التي تبدأ في عقل الطفل
لكن أخطر ساحة في أي صراع ليست الجبهة العسكرية، إنما في عقل الطفل. عندما يكبر الطفل وهو يسمع "نحن الخير المطلق وهم الشر المطلق، الحرب بطولة والانتصار هو الهدف الأعلى"، فإننا لا نربي فقط جيلًا صامدًا، نحن نزرع في وعيه بذور الحرب المقبلة.
علم النفس الاجتماعي يوضح أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات صراع يتعلمون بسرعة تقسيم العالم إلى معسكرين: نحن وهم. ومع مرور الوقت تصبح هذه الثنائية جزءًا من الهوية النفسية. ولهذا لا تنتهي الحروب عندما تتوقف الصواريخ، إنها تنتهي فقط عندما يتغير الإطار النفسي الذي يغذيها.
الوعي والمراقبة
في علم النفس الحديث، يوجد مفهوم مهم يسمى الميتامعرفة؛ أي قدرة الإنسان على ملاحظة أفكاره ومشاعره من مسافة واعية. هذه القدرة تصبح أكثر أهمية في زمن الحروب. فالإنسان الذي يمتلك هذا النوع من الوعي لا ينكر الألم أو التعاطف، لكنه لا يسمح أيضًا للخوف أو الغضب أن يبتلع وعيه بالكامل. إنه قادر على أن يرى الحدث، وفي الوقت نفسه يلاحظ كيف يتشكل فهمه لهذا الحدث. يمكن وصف هذه القدرة ببساطة بأنها المراقبة من موقع ثالث.
الإنسان هنا لا يخرج من الواقع، لكنه لا يغرق فيه بالكامل أيضًا. وفي عالم يمتلئ بالاستقطاب، تصبح هذه القدرة أحد أهم أشكال الوعي الإنساني.
السؤال الذي يُطرح دائمًا هو من سينتصر في الحرب؟ لكن السؤال الأعمق ربما يكون مختلفًا: ماذا ستفعل هذه الحرب بوعي البشر؟
فالحروب لا تعيد رسم الحدود فقط، إنها تعيد رسم العقول أيضًا.
هناك من يخرج من الحرب أكثر خوفًا وكراهية، وهناك من يخرج منها بوعي أعمق وقدرة أكبر على الفهم.
السلام يبدأ من التربية. ربما لهذا السبب يبدأ السلام الحقيقي من مكان بسيط لكنه عميق: من الطريقة التي نربي بها الأطفال. أن نعلمهم أن الحرب ليست بطولة، وليست مباراة يفوز فيها طرف ويخسر الآخر. في الحرب، الجميع يخسر شيئًا، يخسر الناس الأمان، والثقة، وأحيانًا جزءًا من إنسانيتهم. فتعليم الطفل أن الحرب دائمًا خسارة إنسانية، قد يكون الخطوة الأولى لبناء عالم أقل قابلية للحروب.
في عصر تتصارع فيه السرديات بقدر ما تتصارع الجيوش، ربما يصبح الوعي أحد أهم أشكال المقاومة الإنسانية، لأن الإنسان القادر على مراقبة أفكاره لا يصبح بسهولة أسيرًا لأي قصة، مهما كانت قوتها.
والتاريخ قد يذكر من انتصر في الحرب، لكن المستقبل سيحدده سؤال مختلف:
أي نوع من الوعي خرج من هذه الحرب؟
