الحرب على لبنان، على الأرجح، لن تنتهي بانتصار عسكري حاسم لأيٍّ من الأطراف. هذه الحقيقة يجب أن تحدد خيارات لبنان الآن، وليس لاحقاً.
لا يوجد سيناريو واقعي يتم فيه القضاء على "حزب الله" من خلال احتلال عسكري إسرائيلي كامل للبنان. حتى لو تمادت إسرائيل واحتلت البلاد بالكامل من أجل تفكيكه، وحتى لو تدخل الجيش السوري في شرق البلاد. وفي الوقت نفسه، أصبح من المستحيل أن يستمر وجود ميليشيا عسكرية في لبنان تابعة لإيران بعد الحرب في الخليج، ولا عودة إلى ذلك.
كما لا يبدو في الأفق أي رغبة دولية بإرسال قوات دولية لدعم الدولة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ونزع سلاح "حزب الله". طبعاً ليس عبر الأمم المتحدة، ولا حتى عبر مجلس السلام لغزة، أو مبادرات دولية متنوعة. هذا الطريق مسدود بالكامل في ظل الوضع الدولي الحالي.
هذا يترك مساراً واحداً: تفكيكاً تدريجياً للسلاح عبر المؤسسات الشرعية للدولة، مدعوماً بمسار دبلوماسي أساسه التفاوض المباشر مع إسرائيل، وتنسيق كامل مع الدول العربية، برعاية أميركية- أوروبية.
هذا الحل الجدي الوحيد والممكن، ومدخله الضروري هو تحرك الجيش اللبناني بسرعة وحسم. ذلك هو الأفضل للبنان.
التأخير يزيد المخاطر. إذا لم تبادر الدولة اللبنانية إلى فرض سيطرتها، فإن أطرافاً أخرى ستتحرك لملء الفراغ. قد توسّع إسرائيل وجودها العسكري في الجنوب بحجة حماية حدودها. وتجارب الضفة الغربية، وغزة، والجولان، تثبت أن الإسرائيلي اليوم، بتفوقه العسكري الكبير والدعم الدولي من معظم الدول الكبرى، قادر على احتلال الأرض والبقاء فيها لعقود، وصولاً إلى القدرة على تغيير الخرائط وفرض شروط قاسية تهدد سيادة لبنان.
كما قد تتغير التوازنات الإقليمية بسرعة. فعندما تهدأ الحرب في الخليج، قد يعود الصراع الإقليمي عبر وكلاء يستغلون ضعف الدول في المنطقة مثل لبنان. وربما يكون النظام في سوريا متأهباً للتدخل في لبنان إذا حصل على دعم أو إشارات دولية.
عندها قد يتحول لبنان مجدداً إلى ساحة حروب للآخرين، مع تعدد القوات الأجنبية على أراضيه، وميليشيات موالية لها تفرض طوقاً على الشرعية وتتحكم بالبلاد.
عدم تحرك الجيش فوراً وبقوة الشرعية، من المرجح أن يؤدي إلى توسع انخراط إسرائيل، أو سوريا، أو ميليشيات فلسطينية، أو أطراف أخرى، في صراع طويل يُخاض على الأرض اللبنانية.
الضامن الوحيد لمنع هذا السيناريو هو مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها، ووحدة اللبنانيين حول جيشهم.
وهذا يعني أن على الجيش اللبناني أن يبدأ تدريجياً وبحزم، بتضييق المساحة العسكرية لـ"حزب الله". ليس من خلال مواجهة متهورة، بل عبر خطوات ثابتة ومدروسة.
الهدف ليس صداماً فورياً، بل استعادة سلطة الدولة ومنع تحويل لبنان إلى ساحة.
يمكن للجيش أن يبدأ بتشديد السيطرة على التحركات الأمنية والعسكرية للحزب، وتفكيك البنية العسكرية الموازية، وتوقيف المقاتلين والمسؤولين الأمنيين، ومصادرة القدرات المالية عبر إغلاق مؤسسات مثل "القرض الحسن".
خطوة بعد خطوة، يجب أن تستعيد الدولة احتكارها للأمن.
كل خطوة ستكون حساسة، ويجب أن يكون الإيقاع مدروساً لتجنب مواجهة داخلية شاملة. لكن الجمود والشلل يحملان مخاطر أكبر بكثير، وهو الجريمة الأكبر بحق لبنان واللبنانيين.
كلما اتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة، سيحصل على دعم أكبر من المجتمع الدولي. الدول العربية والأجنبية التي تريد الاستقرار في لبنان تحتاج إلى دليل على أن الدولة مستعدة للتحرك.
الدعم يأتي بعد الأفعال. هذه لازمة تستحق الإعادة: الدعم يأتي بعد الأفعال.
إذا فشل الجيش اللبناني في التحرك، فقد تكون العواقب قاسية. قد يواجه لبنان توسعاً في التدخل العسكري الخارجي، أو سيطرة ميدانية لقوى خارجية، أو عدم استقرار طويل الأمد، أو احتلالاً إسرائيلياً قد يهدد لبنان كما نعرفه اليوم.
والأسوأ من ذلك، قد تبدأ المجتمعات المحلية، عبر تدخل خارجي، بالتسلح لحماية نفسها إذا شعرت أن الدولة غير قادرة على حمايتها، خصوصاً إذا توسعت الاضطرابات بسبب ضغط أزمة اللجوء والانهيار الاقتصادي.
عدم حسم القرار السياسي، وعدم تحرك الجيش بشكل جدي، هو الطريق إلى تفكك الدولة والمجتمع، وهو المسار الأخطر.
لبنان لا يستطيع تحمل ذلك. على الدولة، وخصوصاً مؤسسة الجيش، التحرك بحزم.
في الوقت نفسه، المسار العسكري وحده لن يحل المشكلة. يجب أن يترافق مع مسار دبلوماسي جدي.
لقد اتخذ لبنان بالفعل خطوة مهمة.
بعد مبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون، وقرار الحكومة اعتبار سلاح "حزب الله" خارجاً عن القانون، ظهرت معادلة جديدة. مسألة سلاح "حزب الله" أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل لبنان، وتقف مباشرة في وجه مبادرة الرئيس لبناء حل مع إسرائيل عبر التفاوض المباشر.
لا عودة إلى الصيغة القديمة من التعايش مع السلاح. هذا أمر حسمه الرئيس والحكومة.
لا يمكن للدولة اللبنانية أن تتعايش إلى أجل غير مسمى مع قوة مسلحة تابعة لإيران تعمل خارج سلطتها، وتنفذ أجندة إقليمية، وتأتمر بالحرس الثوري. هذه الحقيقة يجب أن تتحول الآن إلى تحضير مشروع سياسي حاسم لصالح قيام الدولة اللبنانية السيدة المستقلة.
لذلك، يجب على لبنان أن يبدأ الاستعداد للمفاوضات المباشرة.
هذا لا يعني التسرع في الدخول في مفاوضات كيفما كان، بل بناء الأرضية السياسية لها. على الحكومة أن تعمل تدريجياً على بناء دعم لبناني واسع لمسار دبلوماسي ينهي الحرب ويستعيد السيادة.
الشرعية الشعبية ستكون أساسية قبل بدء أي مفاوضات، والموضوع أبعد من ميثاقية سياسية، بل هو عمل على حشد التأييد لخيار التفاوض كممر أسلم لإنهاء الحرب الدائرة، وتحييد لبنان، وحماية مجتمعه، وتماسك دولته.
الهدف واضح: إخراج لبنان من قلب المواجهة الإقليمية، ورفض تحويله إلى ساحة للصراع.
إذا تمكن لبنان من إظهار أن مؤسساته، وتحديداً الجيش والأجهزة الأمنية، قادرة على السيطرة على أراضيه، وتفكيك الميليشيات المسلحة بفاعلية وحزم، وإدارة أمنه بنفسه، فسوف يكتسب مصداقية دولية.
وهذه المصداقية هي المفتاح لإنهاء الحرب مع إسرائيل، ومنع خطر دخول لاعبين آخرين إلى معركة على أراضي لبنان.
يمكن للدبلوماسية أن تفتح طريقاً نحو حدود مستقرة، وترتيبات أمنية طويلة الأمد، وإنهاء حالة العداء، ومن ثم مستقبلاً، مساراً نحو سلام عادل.
لكن أياً من ذلك لن يحدث إذا بدا لبنان عاجزاً عن فرض سيادته.
العالم يراقب ما إذا كانت الدولة اللبنانية مستعدة للتحرك.
ما سيقوم به الرئيس والحكومة والجيش الآن سيقرر مستقبل لبنان للجيل القادم.
إما طريق يقود إلى استمرار الحروب بالوكالة، والتدخلات الخارجية، والانهيار البطيء، أو طريق آخر يتطلب قرارات ومواجهات صعبة، وتعزيز الدولة تدريجياً، والانخراط في مسار دبلوماسي جدي.
الطريق الثاني وحده يمكن أن يعيد السيادة اللبنانية. والوقت لبدء هذا المسار هو الآن. وفوراً.




