دخلت الحرب الإسرائيليّة على لبنان أسبوعها الثّالث، من دون أن تلوح في الأفق مؤشّراتٌ تُوحي بانفراجٍ قريب. وفي هذا السّياق، واصلت الطّائرات الحربيّة الإسرائيليّة شنّ غاراتها العنيفة على جنوب لبنان والضّاحية الجنوبيّة لبيروت، ما أدّى إلى سقوط عشرات الشّهداء ومئات الجرحى في صفوف المدنيّين.
وعلى وقع العدوان الجوّيّ الإسرائيليّ، برزت بلدة الخيام بوصفها نقطة ارتكازٍ أساسيّةً قد تُحدّد وجهة الحرب ومصير الاجتياح البرّيّ الذي تعتزم إسرائيل تنفيذه.
وشهدت البلدة مواجهاتٍ عنيفة، إذ تصدّى "حزب الله" للحشود العسكريّة الإسرائيليّة التي حاولت التوغّل باتّجاه الجنوب، ومنعها من التمدّد في نقطةٍ محوريّةٍ ذات أهمّيّةٍ عسكريّةٍ وجغرافيّةٍ بالغة. وتنبع خطورة السّيطرة على الخيام من قربها من الحدود، ومن ارتفاعها الذي يتيح الإشراف والمراقبة على كامل سهل مرجعيون ووادي الحاصباني المؤدّي إلى نهر الليطاني، فضلًا عن الطّريق الحيويّ الذي يربط مرجعيون بالنّبطيّة وحاصبيّا.
غاراتٌ مكثّفة وتمهيدٌ لتقدّمٍ برّيّ
وكثّفت إسرائيل غاراتها على الخيام والقرى المحيطة بها، في محاولةٍ لتغطية تقدّم حشودها العسكريّة برًّا، ومساعدتها على إحكام السّيطرة على البلدة، تمهيدًا لإقامة منطقةٍ أمنيّةٍ عازلةٍ على طول الخطّ، وصولًا إلى قرى شمال الليطاني، التي وُجّهت إنذاراتٌ بإخلاء معظمها أمس.
وطوال ساعات اللّيل وحتّى السّاعات الأولى من الصّباح، استمرّت الغارات على القرى الجنوبيّة، وكان آخرها غاراتٌ عنيفة استهدفت بلدات الخيام، وميفدون، والريحان، والطيبة.
ولم يقتصر القصف على الجنوب، إذ طال، فجرًا، الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، بعد فترة هدوءٍ نسبيّ استمرّت نحو 48 ساعة. وشُنّت غارتان في غضون أقلّ من ساعة، استهدفتا مناطق قريبة من حيّ حارة حريك، وسط تصاعد أعمدة الدّخان من المواقع المستهدفة.
ويأتي استهداف الضّاحية بعد يومٍ شهد تكثيفًا في الإنذارات الإسرائيليّة بالإخلاء، طاول سبع مناطق تكرّر استهدافها بصورةٍ دوريّة.
صواريخ على نهريّا وتصعيدٌ متبادل
في المقابل، أُصيب عددٌ من الأشخاص في نهريّا ومحيطها جرّاء سقوط صواريخ خلال هجومٍ لـ"حزب الله"، ما أدّى إلى اندلاع حريقٍ في مبنىً سكنيّ. وأعلن الحزب استهداف المدينة بصواريخ ومسيّرات، في ظلّ تصعيدٍ عسكريّ متبادلٍ على جانبي الحدود.
على المستوى الإنسانيّ، أعلنت وزارة الصّحّة اللّبنانيّة تسجيل نحو 886 شهيدًا و2141 جريحًا جرّاء العدوان، منذ الثاني من آذار الجاري، وسط موجة نزوحٍ قسريّ طاولت نحو مليون شخص، في مشهدٍ يعكس حجم المعاناة الإنسانيّة النّاجمة عن التّصعيد العسكريّ الأخير.
عمليّةٌ برّيّة "محدودة"
وفي وقتٍ سابق من يوم الإثنين، بدأ الجيش الإسرائيليّ عمليّةً برّيّةً وصفها بـ"المحدودة" داخل أراضي جنوب لبنان، وقال إنّها ستشمل تدمير البنى التحتيّة المسلّحة، والقضاء على عناصر مسلّحة تعمل في المنطقة، وتهدف إلى "إزالة التهديدات وخلق طبقة أمنيّة إضافيّة لسكّان الجليل والمناطق الحدوديّة".
وتشي المعطيات الميدانيّة بأنّ المواجهة تتّجه نحو مزيدٍ من التّصعيد، في ظلّ غياب أيّ أفقٍ سياسيّ واضح لوقف الحرب، واستمرار القصف الجوّيّ، وتوسّع نطاق العمليّات البرّيّة، وارتفاع الكلفة الإنسانيّة على لبنان. وفي هذا المشهد، تبدو الخيام واحدةً من أبرز النّقاط التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الحرب، سواء على المستوى العسكريّ أو في ما يتّصل بتوازنات الميدان في الجنوب.
زامير يُهدّد بتوسيع العمليّة
أعلن رئيس الأركان الإسرائيليّ، الجنرال إيال زامير، أنّ الجيش الإسرائيليّ صادق على خطط الاستمرار في المعركة ضدّ "حزب الله"، مؤكّدًا الاستعداد لـ"المرحلة المقبلة" عبر دعم قيادة المنطقة الشماليّة بمزيدٍ من القوّات، بهدف توسيع العمليّة العسكريّة وتعميق الضّربة الموجّهة إلى الحزب.
وجاءت تصريحات زامير خلال زيارةٍ أجراها، اليوم، إلى قيادة المنطقة الشماليّة، حيث تفقّد القوّات في الميدان، وعقد جلسة تقييمٍ للموقف، قبل أن يُصادق على خطط مواصلة العمليّات.
وقال زامير إنّ "الارتداد النّاتج عن الضّربة التي يتعرّض لها النّظام الراديكاليّ في إيران، وإضعافه، يمكن الشّعور به أيضًا في المعركة ضدّ حزب الله"، معتبرًا أنّ أيّ ضربةٍ تلحق بقدرات إعادة بناء القوّة العسكريّة الإيرانيّة و"الحرس الثّوريّ" تنعكس سلبًا على قدرات التّسليح والتّمويل لدى "حزب الله".
وفي عرضٍ للحصيلة الميدانيّة من الجانب الإسرائيليّ، قال رئيس الأركان إنّ قوّات قيادة المنطقة الشماليّة "قضت على أكثر من 400 من عناصر حزب الله حتّى الآن"، في إشارةٍ إلى حجم العمليّات التي ينفّذها الجيش الإسرائيليّ على الجبهة اللّبنانيّة.
وأضاف زامير: "نستعدّ للمرحلة القادمة، وندعم قيادة المنطقة الشماليّة بالمزيد من القوّات، لتوسيع العمليّة العسكريّة، ولتعميق الضّربة الملحقة بحزب الله، ولإبعاد التّهديد عن بلداتنا الشماليّة".
كما أشار إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ نفّذ، خلال الأسبوعين الماضيين، "عمليّةً برّيّةً مركّزةً في جنوب لبنان"، قال إنّ هدفها إبعاد التّهديد عن الحدود، وضمان "الأمن والسّلامة طويلي المدى" لسكّان البلدات الشماليّة.
وفي تصعيدٍ واضحٍ في لهجته، اعتبر زامير أنّ "حزب الله يخوض الآن حرب بقاء على وجوده ذاته، ويدفع ثمنًا باهظًا على دخوله إلى المعركة"، مضيفًا أنّ الضّغوط الممارسة عليه "ستتزايد أكثر فأكثر".
وختم بالتّأكيد أنّ الأولويّة في هذه المرحلة تتمثّل في "إزالة التّهديدات وتعزيز الدّفاع عن بلداتنا"، على أن يجري، في مرحلةٍ لاحقة، "تضخيم الضّربة الموجّهة إلى حزب الله".
