لبنان الحقيقة والتَّضامُن: محاذير التَّجهيل!

زياد الصائغالاثنين 2026/03/16
Image-1773601907
بينَ مطرقةِ الاستِباحة الإيرانيِة وسندانِ الانقضاض الإسرائيلي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لبنانُ اليومَ مرّةً أخرى على تخومِ مأساةٍ جديدةٍ، حيثُ تتقاطعُ فوقَ أرضِهِ صراعاتٌ إقليميّةٌ تتجاوزُ قدرتَهُ على الاحتمالِ، وتضعُ شعبَهُ في قلبِ معادلةٍ قاسيةٍ بينَ مطرقةِ الاستِباحة الإيرانيِّة وسندانِ الانقضاض الإسرائيليّ. في خضمِّ هذهِ اللحظةِ الداميةِ، تتصاعدُ موجةٌ إنسانيّةٌ مفهومةُ الدوافعِ، تُركِّزُ على معاناةِ المدنيّينَ وآلامِ الضحايا، وهوَ تركيزٌ أخلاقيٌّ لا يجوزُ التقليلُ من أهمّيّتِهِ أو التشكيكُ في ضرورتِهِ. غيرَ أنَّ ما يستوجبُ التنبُّهَ إليهِ، في خضمِّ هذا التعاطفِ المشروعِ، هوَ خطرُ الانزلاقِ إلى ما يمكنُ تسميتُهُ تجهيلَ الحقيقةِ باسمِ التَّضامنِ الإنسانيِّ.

 

بينَ الحقيقةِ والتَّضامنِ خيطٌ رفيعٌ من الدّمِ. خيطٌ يتطلّبُ دقّةً أخلاقيّةً وسياسيّةً في آنٍ معًا. إذ لا يجوزُ أن يتحوّلَ التَّضامنُ الإنسانيُّ إلى ستارٍ يُحجَبُ خلفَهُ السؤالُ الجوهريّ، كيفَ وُرِّطَ لبنانُ مرّةً أخرى في حربٍ لا قرارَ للدولةِ فيها؟ ومنْ المسؤولُ عنْ إدخالِ البلادِ في معادلاتِ صراعٍ إقليميٍّ تتجاوزُ إرادةَ شعبِهِ ومؤسّساتِهِ الدستوريّةِ؟

إنَّ الخطرَ الحقيقيَّ لا يكمنُ فقطْ في الحربِ نفسِها، بلْ أيضًا في السرديّاتِ التي تُبنى حولَها. عندما يُختزلُ المشهدُ في ثنائيّةٍ مبسّطةٍ بينَ العدوانِ والضحيّةِ، من دونِ مساءلةِ المسارِ الذي أوصلَ لبنانَ إلى هذهِ اللحظةِ، يصبحُ الخطابُ العامُّ أقربَ إلى تبريرِ الواقعِ بدلَ تفكيكِهِ. هنا تكمنُ محاذيرُ التَّجهيلِ، أيْ تحويلُ المأساةِ إلى قدرٍ، والحربِ إلى مصيرٍ، بدلَ تسميتِها بما هيَ عليهِ، نتيجةُ اختلالٍ عميقٍ في بنيةِ السّلطةِ داخلَ الدولةِ اللّبنانيّةِ.

 

لقدْ عاشَ اللبنانيّونَ/ات لعقودٍ طويلةٍ تحتَ وطأةِ ازدواجيّةِ السّلطةِ. دولةٌ دستوريّةٌ تمتلكُ شرعيّةً قانونيّةً، تقابلُها منظوماتُ قوّةٍ موازيةٌ تمتلكُ قرارَ الحربِ والسِّلمِ خارجَ المؤسّساتِ الشرعيّةِ. هذهِ الازدواجيّةُ لمْ تكنْ مجرّدَ خللٍ إداريٍّ أو سياسيٍّ عابرٍ، بلْ تحوّلتْ معَ الزمنِ إلى بنيةٍ كاملةٍ لإدارةِ التوازناتِ الداخليّةِ والإقليميّةِ على حسابِ مفهومِ الدّولةِ نفسِهِ.

منْ هنا يصبحُ التَّجهيلُ خطرًا مضاعفًا، فحينَ يُرفَعُ شعارُ التَّضامنِ الإنسانيِّ بمعزلٍ عنْ تسميةِ الأسبابِ البنيويّةِ للحربِ، يتحوّلُ الخطابُ العامُّ تدريجيًّا إلى نوعٍ من التكيّفِ معَ اللاّدولةِ. أيْ إلى قبولٍ ضمنيٍّ بأنْ يبقى لبنانُ ساحةً مفتوحةً لتصفيةِ الصراعاتِ الإقليميّةِ، فيما يُطلَبُ منَ المجتمعِ فقطْ أنْ يتضامنَ معَ الضحايا من دونِ أنْ يطرحَ السؤالَ المؤلمَ، لماذا يتكرّرُ هذا المشهدُ أصلًا؟

 

إنَّ التَّضامنَ الحقيقيَّ لا يتناقضُ معَ الحقيقةِ. بلْ إنَّ الدفاعَ عنِ الإنسانِ يبدأُ أصلًا بالدفاعِ عنِ الدّولةِ التي تحميهِ. الدولةُ ليستْ مفهومًا مجرّدًا في الفلسفةِ السياسيّةِ، بلْ هيَ الإطارُ الوحيدُ الذي يضمنُ احتكارَ القوّةِ الشرعيّةِ، ويضعُ قرارَ الحربِ والسِّلمِ تحتَ سلطةِ المؤسّساتِ الدستوريّةِ الخاضعةِ للمساءلةِ الشعبيّةِ.

منْ دونِ هذا الاحتكارِ الشرعيِّ للقوّةِ، يتحوّلُ الوطنُ تدريجيًّا إلى مساحةٍ رخوةٍ للصراعاتِ الخارجيّةِ. وهوَ ما شهدَهُ لبنانُ مرارًا منذُ عقودٍ، حيثُ تداخلتْ الحروبُ الأهليّةُ معَ الحروبِ الإقليميّةِ، وتحوّلَ البلدُ إلى نقطةِ تماسٍّ دائمٍ بينَ مشاريعَ متنازعةٍ.

 

إنَّ المقاربةَ الأخلاقيّةَ الصادقةَ تفرضُ الجمعَ بينَ أمرينِ لا يجوزُ الفصلُ بينهما، التَّضامنُ الكاملُ معَ المدنيّينَ والضحايا من جهةٍ، والوضوحُ الكاملُ في تسميةِ المسؤوليّاتِ السياسيّةِ من جهةٍ أخرى. إغفالُ أحدِ البعدينِ يفضي إمّا إلى برودةٍ أخلاقيّةٍ قاسيةٍ، أو إلى ضبابيّةٍ سياسيّةٍ خطيرةٍ. في الحالةِ اللّبنانيّةِ تحديدًا، يصبحُ هذا التوازنُ أكثرَ حساسيّةً. لبنانُ ليسَ دولةً فاقدةً للدستورِ أو المؤسّساتِ، بلْ هوَ دولةٌ تمتلكُ إطارًا دستوريًّا واضحًا (1926)، وتكرّسَ مسارُ إصلاحِهِ السياسيِّ في اتفاق الطّائف (1989) الذي أعادَ تنظيمَ توازناتِ السّلطةِ وأكّدَ مبدأَ حصرِ السلاحِ بيدِ الدّولةِ، غيرَ أنَّ التطبيقَ الفعليَّ لهذا المبدأِ بقيَ رهينةَ تسوياتٍ سياسيّةٍ متتاليةٍ أدّتْ إلى تأجيلِ الاستحقاقِ السياديِّ بدلَ معالجتِهِ.

 

هنا نصلُ إلى جوهرِ المعضلةِ، سيكولوجيّةُ التَّسوياتِ الزئبقيّةِ التي أتقنتْها المنظومةُ السياسيّةُ في لبنانَ عبرَ عقودٍ طويلةٍ. كلُّ أزمةٍ كبرى كانتْ تنتهي غالبًا بتسويةٍ مؤقّتةٍ تُجمِّدُ المشكلةَ بدلَ حلِّها. كلُّ استحقاقٍ سياديٍّ كانَ يُرحَّلُ باسمِ الواقعيّةِ السياسيّةِ أو الحفاظِ على الاستقرارِ الهشِّ. لكنَّ هذا النَّمطَ منَ الإدارةِ السياسيّةِ أثبتَ معَ الوقتِ أنّهُ ليسَ وصفةً للاستقرارِ، بلْ وصفةٌ لتراكمِ الانفجاراتِ المؤجَّلةِ، إذ إنَّ الدولةَ التي لا تبسطُ سيادتَها الكاملةَ على كاملِ أراضيها تبقى دائمًا عرضةً لأنْ تُستَخدَمَ ساحةً لصراعاتِ الآخرينَ.

إنَّ الخيطَ الرفيعَ بينَ الحقيقةِ والتَّضامنِ يجبُ ألّا يُقطَعَ. التَّضامنُ الإنسانيُّ ضرورةٌ أخلاقيّةٌ لا نقاشَ فيها، لكنَّ الحقيقةَ السياسيّةَ شرطٌ لا غنى عنهُ للخروجِ منْ دوّامةِ الحروبِ المتكرّرةِ. إنَّ أخطرَ ما يمكنُ أنْ يحدثَ اليومَ هوَ الاستمرارُ في تمييعِ مسارِ بسطِ سيادةِ الدولةِ اللّبنانيّةِ على كاملِ أراضيها عبرَ رهاناتٍ مؤجَّلةٍ أو تريّثاتٍ محسوبةٍ أو تسوياتٍ غامضةٍ. التاريخُ اللبنانيُّ الحديثُ يُظهِرُ بوضوحٍ أنَّ كلَّ تأجيلٍ للحقيقةِ يتحوّلُ لاحقًا إلى ثمنٍ أعلى يدفعُهُ الشعبُ منْ دمِهِ واستقرارِهِ ومستقبلِهِ.

 

الخلاصةُ واضحةٌ. لا إنقاذَ للبنانَ إلا عبرَ استعادةِ الدولةِ لدورِها الكاملِ، وسيادتِها غيرِ المنقوصةِ، واحتكارِها الحصريِّ لقرارِ الحربِ والسِّلمِ. الدولةُ ليستْ خيارًا بينَ خياراتٍ أخرى، بلْ هيَ الشرطُ الوحيدُ لوقفِ تحوّلِ لبنانَ إلى ساحةٍ دائمةٍ لصراعاتِ الآخرينَ. بينَ الحقيقةِ والتَّضامنِ، يبقى الواجبُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ واحدًا. أنْ نقولَ الحقيقةَ كاملةً، لأنَّ إنقاذَ الإنسانِ يبدأُ دائمًا بإنقاذِ الدولةِ.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث