على وقع الميدان تتسارع دقات الساعة عند الحدود اللبنانية الجنوبية، وسط ضجيج العملية البرية الذي يملأ أروقة القرار في تل أبيب. لكن خلف الدخان الكثيف والغارات التدميرية، تبرز تساؤلات كبرى حول الأهداف الحقيقية لهذا التصعيد واستراتيجية القضم التي يتبعها الجيش الإسرائيلي. هل هي حرب شاملة تهدف لكسر التوازنات السياسية، أم مجرد محاولة لفرض واقع جغرافي جديد تحت ضغط النار؟
في قراءة للمشهد، يرى العميد الركن والخبير العسكري، الدكتور حسن جوني، في حديثه لـ"المدن"، أن ما يشهده الجنوب حالياً، وتحديداً في بؤر الاشتباك الساخنة مثل الخيام ومارون الراس، لا يمكن تصنيفه حتى الآن اجتياحاً بالمعنى العملياتي الكامل، بل استطلاع بالنار في مرحلة تهدف لاختبار الانتشار الجديد لحزب الله، واكتشاف ثغرات الجاهزية لديه بعد إعادة تموضع الجيش اللبناني في المنطقة. الإسرائيلي هنا لا يتقدم بثبات، بل يجس نبض المقاومة ونمط قتالها في نقاط التماس الأولى تمهيداً لرسم مسارات تقدم محتملة نحو الداخل".
استراتيجية الأرض المحروقة
يذهب جوني في تحليله إلى حد القول إن "العدو يمهد بيئة العمليات عبر فرض النزوح القسري والتدمير الممنهج للقرى الأمامية. الهدف ليس عسكرياً صرفاً، بل هو خلق منطقة عزل بيضاء، مساحة خالية من السواتر العمرانية أو الديموغرافية، تمنح آلة الحرب الإسرائيلية تفوقاً ناريًا كاملاً، وتتيح لها حرية العمل بعيداً عن قيود القانون الدولي الإنساني، التي يحاول الاحتلال الالتفاف عليها برسائل تحذير خادعة يوجهها للسكان قبل تدمير أحيائهم".
أما خديعة الخرائط التي نشرها الإعلام العبري، ووصلت في مداها إلى حدود نهر الزهراني، فيضعها جوني "في خانة الضغط الاستراتيجي النفسي"، على اعتبار أن "النزوح هنا يُستخدم كأداة لإثقال كاهل الدولة اللبنانية المنهارة اقتصادياً، ووضع المجتمع المضيف أمام تحديات معيشية وأمنية هائلة، هدفها تقليب البيئات اللبنانية بعضها على بعض وخلق فوضى داخلية تسبق أي اتفاق سياسي".
المعضلة الأمنية والقدرة على الاستدامة
يلفت جوني إلى مفارقة لافتة؛ فبالرغم من السيادة الجوية المطلقة للعدو وسلسلة الاغتيالات التي طالت الهيكل القيادي للحزب "إلا أن إسرائيل لا تزال تفتقر إلى أهداف عسكرية واضحة ومؤثرة في الميدان. هذا الفشل الاستخباري يفسر التوجه نحو ضرب الأصول المدنية ومكاتب القرض الحسن والمباني السكنية في قلب العاصمة بيروت مثل الجناح وعائشة بكار والباشورة".
في تقديره أن "العدو يحاول التعويض عن عجزه في كشف منصات الصواريخ بالصدمة النارية في العاصمة، ساعياً لإحراج البيئة المضيفة وتفجير الساحة الداخلية اجتماعياً، أو حتى دفع الجيش اللبناني نحو صدام غير محسوب". ومع ذلك، يوضح جوني "أن العبرة تبقى في القدرة على الاستدامة، حيث يبدو أن الطرف الآخر قد حصن منظومة التنفيذ الميدانية بشكل يفصلها تقنياً عن التداعيات السياسية والأمنية فوق الأرض".
التفاوض تحت الوصاية
برسم صورة قاتمة للمرحلة المقبلة، معتبراً "أن لبنان متروك وحيداً في مواجهة آلة الحرب". الولايات المتحدة، بحسب قراءته "تحمل بيروت مسؤولية عدم معالجة ملف السلاح، وتترك لنتنياهو يداً مطلقة لتطوير الضغط العسكري". الخلاصة الميدانية تشير "إلى أن إسرائيل لا تهدف للتفاوض الآن، بل تسعى لتحقيق مكاسب برية تتيح لها لاحقاً فرض شروط سيادية مهينة، مما يضع لبنان أمام أزمة متشعبة قد تأخذه إلى انفجار داخلي شامل إذا لم يتم تدارك الموقف برؤية وطنية موحدة".




