معركة "العصف المأكول"، هذا العنوان اختاره حزب الله إيذاناً بدخوله الحرب المفتوحة، أثناء حرب الإسناد، وبعد اتفاق "وقف الأعمال العدائية" الذي لم تلتزم به إسرائيل، وحافظ على الاعتصام بمندرجات قراره حزب الله، ومعه كل لبنان.
أراد حزب الله من عنوان دخوله، الشحنة الغيبيَّة التي لا تغيب عن أدبياته، وعَلّق عليه النتيجة المعلومة التي نزلت "بأصحاب الفيل"، فكانوا فيها عصفاً مأكولاً. هل تصير سنة 2026 عاماً؟ وهل نعطيها في تاريخ لاحقٍ اسم عام العصف المأكول، تيمّناً بعام الفيل، وسلوكاً لسبيله "الربّاني"، وتمسّكاً بأهداب وعده وآماله؟ لا جواب حتى الآن، فالإيمان الحديث يحتاج إلى كثير من حواضر القوة الملموسة، وطير الأبابيل الذي حمى الكعبة الشريفة "بحجارةٍ من سجّيل"، حلّ محله طيرُ "القاذفات" التي تشعل الحجر والبشر، وهذه لا تسقطها إلاّ آلة بشرية من جنسها، ما زالت غير متوفّرة لدى جمهور "المؤمنين". استعارة الأرض، أي مكة المكرّمة، واستعارة الهدف المقصود بالهجوم يومها، أي الحرم المكي، واستعارة القول: للبيت رب يحميه باسم عبد المطلب، كلها عناصر تنتظم في مسلك تعبوي واحد، له إرادة موحّدة، وهدف موحَّد ونتيجة، هي وعدٌ مؤكد "لا ريب" في صدق لمسه كحقيقة واقعية. هكذا وبإيجاز يعود التاريخ ليبعث في الحاضر بقوة الرجاء مقرونة بإرادة البقاء، في صيغة اسم في التاريخ، وفي صيغة وجود راسخ في الجغرافيا... الجغرافيا الشاملة، وإن اختلفت أسماء بقاعها وأسماء ديارها.
لكن ولكي يكتمل النصّ، فتكتمل مقوماته، نذكر الغيبي منه، ونذكر المادي الإنساني فيه. لقد قال عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي: "أنا ربّ الإبل، وللبيت ربٌّ يحميه". إذن اكتفى "سيد قريش" بطلب ماله، وترك أمر البيت لربّ البيت.
قسمة الوصاية، وتوزيع المسؤولية، أمران عادلان في قول عبد المطلب، وهما إن دلاّ على شيء فإنّما يدُلاّن على حساب القدرة وعوامل القوّة، أكثر ممّا يدلاّن على عناصر الإرادة والاستعداد والتصميم، هذا لأن العناصر الأولى هي الشرط الضروري اللازم للعناصر الثانية، التي يمكن تسميتها مجازاً "شرط الكفاية" أو شرط التتمة، أو شرط الوظيفة، بحيث يُنقل غير الملموس النفسي، إلى الواقع الملموس الذي تتيحه أدوات التوظيف الملموسة.
ولأن ما كل غيبي متداول، مذكور لذاته، فإن استحضاره يستدعي أكثر من سؤال حول أسباب تذكّره وبالتالي استحضاره، في صيغة راية تقود عدداً من "أولي البأس"، أو جحفلاً من أبناء الإرادة.
المقصود في السياق اليوم هو حزب الله، والسؤال الافتتاحي، الذي سيتناسل أسئلة هو: لماذا عاد حزب الله فعبر الجسر إلى الحرب، بعد أن انتظر على ضفتها لشهور خمسة عشر؟ استحضار التفاصيل التي توالت بعد تاريخ توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية، تضيء على السيرة التراكمية التي جمعت أسباب انفجارها من جهة حزب الله، حصراً، ولأنها ظلت سيرة سائلة متتابعة عدوانيّاً، من جهة الآلة الحربية الإسرائيلية تحديداً.
إذن، نقطة الأسباب الأولى "للعبور" محليَّة إسرائيلية، نعم، المحليّة هذه ليست مصطنعة، فلقد باتت من "سكان" الدار، عُنْوة.. وقهراً، وحظيت إقامتها، بغطاء دولي وفّره الغرب عموماً، وقادته، وما زالت الولايات المتحدة الأميركية.
الشق الثاني من المحليّة التمهيدية للعبور إلى الحرب، هو ما أتت به السياسات الداخلية، وما أدلى به الساسة المحليّون، الذين قدّموا الافتراق على اللقاء، واختاروا الخصومة بديلاً من المصالحة وغَلّبوا الفئويّة على العموميّة، وعادوا إلى حلم الغَلَبة الداخلية المحمولة على اندفاعة الخارج...
الشق الثالث، الذي صار أولاً في السياق الناري الملتهب، هو الهجوم المشترك، الأميركي- الإسرائيلي، على الدولة الإيرانية، الذي أعلن هدفاً أول له، ثم تعدَّدت أهدافه، ثم اختلط المرحلي بالمباشر لدى طَرَفَيه، ثُمّ خيّم الإبهامُ على المُرَادِ الأميركي، وظلَّ المرادُ الإسرائيلي واضح الاستهداف والنوايا والرغبات.
الشق الرابع من الأسباب ذاتي، ينطوي على الداخلي بمقدار، وعلى الخارجي بمقادير. الذاتي الخاص بحزب الله، هو استدراك الإخفاق الذي أوصلته إليه حرب إسناد غزّة، والذاتي العام، هو الانتساب إلى المعركة الإيرانية، بعد غياب مرشد الجمهورية. لقد استعاد حزب الله عزيمته من أجل تحرير إرادته التي كبّلتها جملة العناصر المشار إليها، ومع الإرادة استعاد حريته في توظيف قرار الحرب والسلم في سياق الخطة الإيرانية العامة، كجزء أصيل منها، وكفريق أصلي في بنيانها.
ولنناقش: من هنا إلى أين؟ السؤال ينطوي على احتمال وعلى فرضية وعلى استشراف، لكنه لا ينطوي على تثقيل موازين رأي ما، يكون على صلة بشيء من الصواب الإجمالي.
في هذا المجال، جملة "إن الكلمة للميدان الآن"، تكتسب كل صحتها، أما عناصر حقيقة هذه "الصحة"، فعلى علاقة وثيقة بحالة السيلان التي تطبع سير المعارك المندلعة. في الحوزة ثبات أهداف معلنة أدلى بها كل من حليفي الهجوم المتجدّد، وفي الحوزة تقليب الأهداف على وجوه إمكانها، بالنظر إلى سير العمليات القتالية، وحدود تأثيرها، وحدود الضغط المترتبة عليها، ضمن الداخلين، الأميركي والإسرائيلي، وعلى مستوىً دوليّ عام.
نستطرد هنا بالقول، إن العنوان الأبرز الذي قاد الهجوم المعادي، هو عنوان إسقاط النظام في طهران. حتى الآن، ما زالت الوقائع تعكس الحد الأقصى الذي يسعى إليه ترمب أولاً، ونتنياهو أولاً أيضاً. ثمة ما لا يمكن حسابه رقميّاً، ففي حين يقف القائد أمام تقدير الموقف لديه ولدى العدو، يكتفي بحساب العدو والعدّة والعتاد...، لكنه لا يقف أمام ما يتجاوز الحالة المادية إلى الأحوال النفسية البشرية. اختصاراً، يستطيع الأميركي سحق الجيش قتالياً، لكنه لا يستطيع سحق إرادة القتال الشعبية التي ترفض مهانة الاحتلال والإذلال... هذا ما تقوله التجربة مع الأميركي، في أفغانستان، وفي العراق، وهذا ما تقوله التجربة مع الإسرائيلي، في فلسطين وفي لبنان.
السيطرة على الأرض شيء، والهيمنة على عَامِرِي الأرض شيءٌ آخر... لذلك، سيجد الأميركي سياسته وآلته في مواجهة قرار إيراني بإطالة أمد الصمود، وأمام استمرار القتال بما تيسّر، واضعاً في حسابه، أن دونالد ترمب يسقط داخل الولايات المتحدة الأميركية، بقرار من الناخب الأميركي، وبسلاح صندوق الاقتراع العام.
إذن الإطالة سلاح شعبي أيضاً، والعجلة سلاح رسمي أميركي، فكيف تحسم هذه المواجهة، وهل لدونالد ترمب أن يخرج سالماً منها؟ الرهان على إفشال العدوان، مثل الرهان على إطالته، وهذا جزء من وقوع السياسة العدوانية في الخيبة، هل يصح هذا القول كاستشراف؟ للميدان أن يجيب على ذلك بعد قليل. هل ينسحب الفشل هناك، فشلاً على "الحقل" الإسرائيلي هنا؟ الجواب سيُستَقى من ميدان واحد. ثمّة قائل لكن الإسرائيلي سيستمرّ في حملته العسكرية، بعد انسحاب الأميركي منها! وثمّة مجيب أن الأساسي في كل جواب هو جملة "نلبسُ لكلٍّ حالةٍ لبوسَهَا.."، مع الانتباه إلى ربط كل لون بكل الألوان التي سينجلي عنها ميدان ما بعد الانسحاب إن حصل، لجهة الأسباب والنتائج والخطاب السياسي.
ولكي تكون المعركة شأناً عاماً لجهة نتائجها، ينبغي القول إن الموقف في البداية، يقرّر سلفاً ما قد يكون عليه الموقف في النهاية، ويقرر أيضاً نوع وطبيعة السلوك والمسالك، الممتدة بين البداية والنهاية.
ننقل هذا الحيِّز إلى المجال العربي عموماً، وإلى المجال اللبناني على وجه التدقيق، على رجاء الوصول إلى اقتراح سياسات عامة، تتيح الوصل بين المشتركات العربية واللبنانية مع محيطها، وعلى رجاء رفض وإسقاط كل السياسات التي تعمّق الشرخ بين الثنائية العربية اللبنانية مع جوارها الإيراني، ومع من بقي حريصاً على سلامة واقع هذه الثنائية.
على صعيد عربي، موقف استنكار القصف الإيراني على الدول العربية في الخليج، هو الموقف المحدّد الذي لا يمكن القفز من فوق ضروراته السياسية. تتمة الاستنكار، موقف حازم وواضح يطلب من الدولة الإيرانية الامتناع عن أي قصف يطال أرض تلك الدول، منفردة ومجتمعة. لقد سبق للدول الخليجية أن مدّت اليد لإيران تمهيداً لإقامة علاقة حسن جوار، وسبق لها أن رفضت فتح أجوائها أمام آلة الحرب الأميركية، لذلك، ليس مبرّراً استهداف الخليج عموماً بقصف يفوق ذاك الذي استهدف إسرائيل المعتدية. وللملاحظة ليس مقبولاً، بل هو مستغربُ، أن لا يلاحق العسكري الإيراني الآلة الحربية الأميركية، التي كانت موضوعاً لتهديداته، ومادةّ لتوعّدها بالتدمير، وأن يكتفي ذلك العسكري بإشعال النار فوق أرض جيرانه.
أما على صعيد لبناني خاص، فيقع على إيران إعلان احترامها للسيادة اللبنانية وعدم التدخل فيها، ويقع على عاتق حزب الله مخاطبة الداخل اللبناني بخطاب التواصل لا بخطاب الاعتزال، وهو في أدائه عليه أن يركّز على الجانب المحتل من الأرض اللبنانية، وليس على الداخل الإسرائيلي، ذلك أن الفرق واضح بين الاستهدافين لجهة النتائج، ولجهة السياسة، ولجهة التوازنات. بوضوح، لا يستطيع حزب الله تحميل كل اللبنانيين عبء سياساته، وليس له أن يكتفي بشرحه الخاص الذي تكتبه ذاته لذاته. هذا موقف مسؤول، على الرغم من كل الأداء السياسي المقابل الذي سبق أن قلنا ما قلنا فيه، وهذا الأخير نجدد تذكيره بأن من مصلحة اللبنانيين عموماً، تليين الخطاب وليس تبديله، وبذل الجهد في سبيل تأمين المخارج وليس في سياق سدّها... هذا إذا كان الكلّ يريد أن يستمر اللبنانيون كُلاً كليّة، ولا يتفرقون كليّات جزئية.
ليس مطلوباً من أحد التراجع عن نقده مسلك الأطراف السياسية، وليس مطلوباً طيّ نقاش صفحة الاعتراض على حزب الله، وعلى سواه من القوى السياسية، لكن المطلوب وبإلحاح مراعاة واقع اللحظة التي وجد اللبنانيون أنفسهم فيها، لحظة عصيبة تنطوي على أفدح الأخطار.
لقد عبر حزب الله الجسر... هذه حقيقة. لذلك تقتضي المسؤولية استعادة "الحزب" على جسر آخر. جسر يبنيه كل اللبنانيين، ومن ضمنهم من غرّد حتى تاريخه، خارج سرب الوطنية العمومية.
