دخلت الأطراف المعنية في الحرب الدائرة في المنطقة، والتي التحق وتورط بها لبنان، رغماً عن أنف وإرادة دولته وشعبه، بفعل وفاء وارتباط حزب الله بدولة الولي الفقيه المأزومة، في طورها الجديد، ليشهد أكبر وأعنف جريمة إنسانية في تاريخه، تُرتكب بحق شعبه وعمرانه واقتصاده ومعاشه، ومستقبل أجياله التائهة في كل أنحاء أرصفة وأزقة وشوارع البلاد، ودول الأرض، بحثاً عن الأمن والأمان والاستقرار، الضائع المشتت والمتناثر.
بنيامين نتنياهو المتوحش والمتفلت في تصرفاته، بحث عن فرصة للابتعاد عن مصيره القضائي المقفل في قاعات محاكم تل أبيب، فوجد ضالته أمامه وفي طريقه، دونالد ترامب المتقلب المحتار الباحث بأي طريقة عن المجد والفخر والنصر والتفوق. فتمت الصفقة المتعجلة تحت ضغوط عدة وكانت الحرب المقررة سلفاً لمصالح إسرائيل أولاً وأميركا ثانياً، باتجاه إيران الغنية بالنفط والغاز والثروات والمعادن والآثام والعداوات الكبيرة في العقود الأخيرة.
نتنياهو، أدرك أن الفرصة المتاحة أمامه بوجود ترامب، الرجل الإشكالي المعقد ألف عقدة وعقدة، والمتحرر من القيود والقوانين والعادات والأعراف، لكي يضرب إيران ومن حولها، ويرهب دول المنطقة، ويوسع سيطرته ونفوذه وأحلامه، لعله يسجل لنفسه قيادة أبرز وأقوى ثاني خطوة توسعية بتاريخ وجود إسرائيل بعد تأسيسها وبعد هزيمة العام 1967.
فبعد تمكنه من اغتيال الأمين العام التاريخي المميز لحزب الله السيد حسن نصرالله، وبديله هاشم صفي الدين وتصفية يحيى السنوار وقيادة حماس بين غزة وطهران، حاصداً بالنسبة لجمهوره وبيئته المتطرفة أكبر الانتصارات على الأعداء، بات في موقع نفسي وسياسي واستراتيجي لم يسبقه إليه أحد في إسرائيل.
وهكذا ذهب نتنياهو إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها في هذا الظرف وبداية هذا القرن الجديد، وجر معه أميركا الدولة العظمى المتصهينة، إلى حيث يريد ويأمل، فاغتال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقطع رأسه على حين غرة، متباهياً بفعلته، أملاً بالسيطرة على إيران وباقي دول المنطقة، وتوسيع حدود دولته الموعودة "توراتياً" كما يروج اتباعه من الصهاينة بين إسرائيل وأميركا.
في المقابل، فان حزب الله الذي يعتقد ويقول إنه ندم على موافقته على اتفاق وقف الأعمال العدائية أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، اعتبر أنه صبر وكتم غيظه ولم يرد على الاعتداءات والخروق الاسرائيلية طوال الفترة الماضية، وأنه قدم كل ما عليه من صبر وحكمة، وأنه أعطى هذا كله بمثابة فرصة للدولة اللبنانية، التي -بحسبه- أثبتت فشلها في وقف العدوان وحماية لبنان.
لهذا كله، فإن الحزب بات في وضع محرج سياسياً وأمنياً وإعلامياً، ولم يعد يستطيع السكوت كما سبق أن ألمح وأعلن المسؤولين عنه.
لهذا، جاء اغتيال المرشد الأعلى ليضع الحزب على مفترق لا يمكنه تجاوزه بسهولة والقفز عنه، من دون موقف عملي. فكان دخوله في الحرب ليس من أجل الثأر لخامنئي فقط، بل لأن السياسات الأخرى فشلت، حسب رأيه، في رد وردع العدوان المستمر والمتصاعد.
الواقع، أن حزب الله وضع نفسه في موقع لا يمكنه من تجاوز اغتيال خامنئي، فدخل الحرب ببيانه الشهير "انتقاماً ودفاعاً عن دماء المرشد الزاكي" متأملاً بنتيجتين:
الأولى: إنه إذا سقطت إيران وضعفت، هو لن يبقى كما هو.
الثانية: إذا لم يدخل الحرب الآن، متى سيدخلها ولأي مبرر؟ وما هو التوقيت الأفضل من هذا التوقيت دفاعاً عن الأرض والعرض ودماء المرجع.
إيران التي عملت طوال أكثر من 40 سنة على بناء دولة وثروة وطنية بعد سقوط حكم الشاه، وتوسيع نفوذ وإقامة مراكز دفاع وإلهاء وابتزاز، وموقع إقليمي وأحلام بإعادة الامبراطورية الغاربة، وكانت بدأت بالتوسع في المنطقة والسيطرة على عدد من الدول فيها... لم يعد بإمكانها التراجع والسكوت وتمرير العدوان الأخير الذي أطاح بقسم من قيادتها وهيبتها واغتيال مرشدها والمرجع المسؤول الأول عنها. لا يمكنها القبول بتمرير ما جرى من دون رد فعال، يستجمع كل القوة من أجل الحفاظ على ما تبقى من النظام وحمايته، في هذه اللحظة الحرجة التي لن يكون أشد حراجة منها.
في مقابل الحزب، وارتباطاته الإيرانية المعروفة وطموحاته الموصوفة، فإن الأطراف الأخرى المعنية والمرتبطة بالمواجهة وإدارة المرحلة الراهنة، باتت أيضاً "واقفة على الشوار"؛ أي على الحافة، كما يقال في العامية.
فالدولة التي يقف على رأسها العماد جوزاف عون القائد السابق للجيش، وبعد أن أخذ بركة كلي الطوبى بابا روما، لاون الرابع عشر، ذخيرة وحرزاً حامياً له، وانطلق بتنفيذ رؤية ومحاولة جديدة لتعديل بعض الوقائع السلطوية عبر ممارسة جديدة لـِ "الصلاحيات" التي نص عليها الدستور، واستوعب اعتراضات ونكايات "ديكي الموارنة" الموزعين و"المتمترسين" بين البياضة ومعراب، وباتت هيبته ومصداقيته على محك التجربة المعاشة، لم يعد يستطيع تمرير الأمور بـ"تبويس اللحى" والمداهنة و"المسايرة"، فحشر في زاوية موقف الحزب الذي تركه لينحاز ويقف إلى جانب مصلحة إيران، بعد أن تأمل بتعديل أو ليونة واهمة منه، فاضطر إلى إخراج مواقفه الحادة الأخيرة تجاه الحزب، وفي المبادرة نحو التفاوض مع إسرائيل وإن بشكل متعجل ومرتجل، آملاً بكسر الطوق وإفساح المجال أمام كوة أو فرصة نجاة، وإن كان معلقاً بحبال هواء أصفر سام تنشره إسرائيل وإيران وتؤيده أميركا من دون تحفظ.
لكن وسط الانتقال إلى مرحلة "العصف المأكول"، وفق ادعاء حزب الله، في مقابل سياسة موجات التدمير ومد وتعميم المجازر الإسرائيلية "المتغولة"، من ينظر إلى لبنان وشعبه في وطن المعذبين والمنكوبين التائهين والمشردين؟
