جنوب الليطاني بدأ يخسر جسوره: حدود "المنطقة العازلة" ترتسم؟

مانشيت - المدنالجمعة 2026/03/13
Image-1773406149
يظهر الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام كأنهما يخوضان سباقًا مع الوقت. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

مشهدان متناقضان بين بيروت وتل أبيب. هنا، يبذل الرئيسان عون وسلام جهودًا مضنية لإقناع واشنطن بدفع إسرائيل إلى سلوك مسار التفاوض. وهناك، في إسرائيل، لا صوت يعلو على هدير الدبابات المتجهة إلى الجبهة الشمالية، حيث التهديد واضح بأن العملية البرية في قلب لبنان باتت على وشك الانطلاق، خلال أسبوع، على ما أعلن في وقت سابق.
ولكن، من الواضح أن مسعى ركني الحكم في لبنان إلى التفاوض متعثر حتى الآن. والأمر لا يتعلق فقط بالعامل الخارجي؛ أي بموقفي واشنطن وإسرائيل، بل أيضًا وأساسًا بالعامل الداخلي، إذ يبقى الجانب الشيعي رافضًا لمبدأ "المفاوضات للمفاوضات"؛ أي لمجرد الهرب من استحقاق الحرب، لأن العواقب المنتظرة في هذه الحال ستكون وخيمة. ولذلك، يقاتل عون وسلام على جبهتي الداخل والخارج لتسويق مبادرة صعبة جدًا حتى الآن.
الخطير أن الوقت يضغط. وإسرائيل تواصل استعداداتها للتوغل برًا، فيما تستمر الضربات في الداخل. وواضح أن هناك اتجاهًا متزايدًا لعدم مراعاة المدنيين في المناطق غير المحسوبة تقليديًا على البيئة الشيعية، في بيروت والجنوب، وكذلك احتمال القيام بضربات تضغط فيها إسرائيل على الدولة اللبنانية وبناها ومؤسساتها.
وجديد اليوم كان الكشف عن قصف الجسر المؤدي إلى الزرارية، على نهر الليطاني. ومساءً، أكملت إسرائيل ضرباتها بضرب الخردلي والقاسمية، كما قطعت طريق دبين- مرجعيون، وسط تقارير إسرائيلية عن الاستعداد لضرب الجسور على النهر. وهذا ما يدعم فرضية بتر التواصل بين جنوب الليطاني وسائر مناطق لبنان. وقد تذرعت إسرائيل بأن الجسر كان يستخدم ممرًا مركزيًا لعناصر حزب الله بين شمال لبنان وجنوبه. وأوضح تقرير إسرائيلي أن بنيامين نتنياهو طلب من الجيش خلال الأسبوع الماضي عرض أهداف مدنية إضافية للمصادقة عليها، لضربها والضغط على الحكومة اللبنانية من أجل اتخاذ خطوات ضد حزب الله، فيما صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس لهجته تجاه لبنان، معلنًا أن الحكومة اللبنانية ستدفع "ثمنًا متصاعدًا". وقال خلال تقويم أمني عقب تدمير الجسر: "حكومة لبنان ستدفع أثمانًا متزايدة من خلال ضرب البنى التحتية وخسارة أراضٍ". وهذا المصطلح الأخير يحمل مخاطر كبيرة وعميقة. 

 

حربٌ بلا سقوف

لم تعد التّهديدات الإسرائيليّة مجرّد رسائلٍ ناريّة في الإعلام أو مناوراتٍ سياسيّة لتحسين شروط التّفاوض، بل باتت جزءًا من خطّة ضغطٍ متدرّجة، عنوانها الواضح: نقل المعركة من استنزافٍ حدوديّ إلى حربٍ منظّمة على الدّولة اللبنانيّة ومرافقها وبنيتها التّحتيّة. وفي هذا السّياق، جاء الحديث الإسرائيليّ عن إعداد أهدافٍ مدنيّة إضافيّة في لبنان ليكشف انتقال تل أبيب إلى مستوىً جديد من التّصعيد، مستوى لا يكتفي باستهداف "حزب الله"، بل يسعى إلى تحميل الدّولة اللبنانيّة كلّ كلفة المواجهة.

وقد أفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة بأنّ رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، طلب من الجيش تجهيز أهدافٍ مدنيّة إضافيّة في لبنان تمهيدًا للموافقة عليها. وتزامن ذلك مع تصعيدٍ لافتٍ في خطاب وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، الذي وجّه تهديدًا مباشرًا إلى الحكومة اللبنانيّة، قائلًا إنّ "الحكومة اللبنانيّة، التي لم تفِ بالتزامها بنزع سلاح حزب الله، ستدفع أثمانًا متزايدة".

هذا الكلام لا يقرأ في بيروت بوصفه موقفًا إعلاميًّا عابرًا، بل باعتباره ترجمةً لقرارٍ سياسيّ إسرائيليّ بتوسيع بنك الأهداف، وربط وقف الضربات، أو الحدّ منها، بقيام الدّولة اللبنانيّة بخطواتٍ ميدانيّة مباشرة ضدّ الحزب. والأخطر في هذا المنطق أنّه لا يضع لبنان أمام خيارٍ تفاوضيّ، بل أمام معادلة إكراه: إمّا الاصطدام الداخليّ، وإمّا الاستباحة الإسرائيليّة المفتوحة.

ولم يكتفِ كاتس بالحديث عن الضّغط العسكريّ، بل مضى أبعد، حين قال إنّ الحكومة اللبنانيّة "ستفقد من أراضيها إلى أن يتمّ تنفيذ الالتزام الأساسيّ بنزع سلاح حزب الله"، مؤكّدًا أنّ إسرائيل ستزيد استهداف البنى التّحتيّة، وأنّ الهجمات الجارية ليست سوى "مجرّد البداية". وفي تصريحٍ لاحق، رفع منسوب التّهديد أكثر، معتبرًا أنّ الحكومة اللبنانيّة "خدعت" إسرائيل و"ماطلت" في ملفّ نزع السّلاح، وأنّها ستواجه "استهدافًا للبنى التّحتيّة وفقدانًا للأراضي" إلى حين تنفيذ هذا الهدف.

هنا، لا يعود الخطاب الإسرائيليّ مجرّد توصيفٍ لمواجهةٍ حدوديّة، بل يتحوّل إلى إعلان نيّاتٍ واضح: حربٌ على الأرض، والطرق، والجسور، والمرافق، والمؤسّسات، وربّما على الجغرافيا السياسيّة نفسها. فحين تتحدّث تل أبيب عن "خسارة أراضٍ"، فهي لا تخفي أنّ الاجتياح لم يعد احتمالًا نظريًّا، بل خيارًا عمليًّا قيد الإعداد.

 

لبنان خارج المظلّة الدوليّة

في المقلب المقابل، لا تبدو الصّورة الدّوليّة مشجّعة. فوفق مصادر دبلوماسيّة أوروبيّة، بات الوضع في لبنان بالغ الخطورة، ويتّجه "من السّيّئ إلى الأسوأ"، فيما تصرّ إسرائيل على اجتياح لبنان، وقد أبلغت المجتمع الدّوليّ بذلك بوضوح. ووفق هذه القراءة، فإنّ العواصم الخارجيّة لا تتعامل مع المشهد باعتباره أزمةً قابلةً للاحتواء، بل باعتباره انفجارًا وشيكًا تسعى كلّ دولةٍ إلى تحييد نفسها عن تداعياته.

المؤشّر الأكثر فداحةً يتمثّل في بدء عددٍ من السّفارات الأجنبيّة إخلاء دبلوماسيّيها وعائلاتهم، بعد التّهديدات الإسرائيليّة بعدم وجود خطوطٍ حمراء في الحرب على لبنان، وبعد تسرّب معلوماتٍ عن استعداداتٍ لاستهداف بنىً تحتيّة ومرافق مدنيّة. وهذه ليست مجرّد إجراءات احترازيّة، بل رسائل سياسيّة قاسية تقول إنّ لبنان لم يعد في صدارة الاهتمام الدّوليّ، وإنّ الأولويّة الخارجيّة صارت محصورةً بكيفيّة احتواء ارتدادات الحرب، لا بمنع وقوعها.

وتضيف المصادر نفسها أنّ لبنان خرج عمليًّا من دائرة الاهتمام الدّوليّ الفعّال، وأنّ الدّول الكبرى تنظر إلى الملفّ اللبنانيّ بوصفه جزءًا من مشهدٍ إقليميّ أوسع يتّصل بالحرب الإيرانيّة، الأميركيّة، وما تخلّفه من اضطراباتٍ أمنيّة واقتصاديّة عالميّة. وفي هذا السّياق، تنقل تقارير دبلوماسيّة أوروبيّة تتحدّث بوضوح عن أنّ "لعبة سلاح حزب الله انتهت"، وأنّ الوقت حان لسحب هذا السّلاح، لا لإدارته أو تدوير الزّوايا حوله.

الأشدّ وقعًا في هذه المقاربة أنّ المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهوريّة جوزاف عون لم تلقَ استجابةً دوليّة تذكر، كأنّ لبنان ترك لمصيره. لا حاضنة دوليّة فاعلة، ولا ضغطًا جدّيًّا على إسرائيل، ولا مظلّةً سياسيّةً تمنع الانزلاق إلى حربٍ طويلة. وما يسمع في الأروقة الدّبلوماسيّة يكاد يكون واحدًا: المطلوب حسم ملفّ سلاح "حزب الله"، وإلّا فإنّ الحرب ستستمرّ، وربّما تتوسّع.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقيّة. فالمبادرات السياسيّة تسير في اتجاه، فيما الميدان يركض في اتجاهٍ آخر. الرّئيس عون يطرح مبادرة، والرّئيس سلام يسعى إلى تسويقها، لكنّ الأحداث تتقدّم بسرعةٍ تفوق قدرة المبادرات على اللحاق بها. وبين مشروعٍ سياسيّ لم ينضج بعد، ومسارٍ عسكريّ يتسارع على الأرض، يبدو لبنان معلّقًا بين عجزٍ داخليّ ولامبالاةٍ خارجيّة.

 

لا تفاوض

المأزق اللبنانيّ يتكثّف في نقطةٍ واحدة: إسرائيل ترفض وقف إطلاق النّار قبل التّفاوض، فيما يرفض الثّنائيّ الشّيعيّ، وفي مقدّمه رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي، الذّهاب إلى التّفاوض تحت النّار. وبين الموقفين، تقف الدّولة اللبنانيّة أمام واحدٍ من أصعب امتحاناتها، لأنّها لم تعد تملك ترف المناورة، لكنّها في الوقت نفسه لا تستطيع القفز فوق توازناتها الدّاخليّة.

الإسرائيليّون، وفق ما ينقل عبر قنواتٍ متعدّدة إلى المسؤولين اللبنانيّين، يريدون من لبنان أن يذهب إلى تفاوضٍ مباشر فيما الدّبابات تتقدّم والطّائرات تقصف، وأن يظهر، بالتّوازي، استعدادًا ميدانيًّا سريعًا لتحرّك الجيش اللبنانيّ نحو مواقع "حزب الله"، والسّيطرة عليها، وسحب سلاحه. وهذه، في جوهرها، ليست شروطًا تفاوضيّة، بل وصفةٌ لانفجارٍ داخليّ يعرف الجميع كلفته، لذلك يسعى لبنان إلى تجنّبها بكلّ الوسائل.

ومن هنا، يتّخذ رفض تسمية شخصيّةٍ شيعيّة للمشاركة في الوفد اللبنانيّ، قبل التزام إسرائيل بوقف إطلاق النّار، دلالةً سياسيّةً بالغة الأهمّيّة. فالثّنائيّ الشّيعيّ لا يريد منح شرعيّةٍ لعمليّة تفاوضٍ تدار كأنّها استسلامٌ تحت القصف، ولا يريد أن يظهر بموقع من يغطّي انتقال لبنان من موقع الدّفاع إلى موقع تقديم التّنازلات تحت الإكراه.

لكنّ مأزق السّلطة أعمق من ذلك. فالدّولة اللبنانيّة لا تزال تدرس كلّ الخيارات، وتصرّ، بالرغم من هشاشة المشهد، على الذّهاب نحو التّفاوض، حتّى ولو كان تحت النّار، لأنّ البدائل تكاد تكون معدومة. وتدور نقاشاتٌ تفصيليّة حول كيفيّة تحرّك الجيش، في الضّاحية الجنوبيّة وغيرها من المناطق، في ظلّ ضغوطٍ أميركيّة، إسرائيليّة متشدّدة، ورسائل حازمة بأنّه لم يعد هناك مجالٌ للتّساهل، وأنّ المطلوب خطّةٌ واضحة، محدّدة زمنيًّا، لسحب السّلاح من دون انتظار وقف إطلاق النّار.

هذه الضّغوط لا تخفي هدفها الحقيقيّ: دفع لبنان إلى خوض مواجهةٍ داخليّة نيابةً عن إسرائيل، أو فتح الباب أمام إسرائيل لتقول إنّ الدّولة اللبنانيّة ترفض القيام بـِ "واجبها"، وبالتالي فإنّ تل أبيب ستتولّى بنفسها تنفيذ هذه المهمّة. وهذا تحديدًا ما يجعل خيار التّفاوض اللبنانيّ شديد الهشاشة، بل أقرب إلى المشي في حقل ألغام.

 

مفاوضاتٌ مؤجّلة واجتياحٌ مستعجل

في الوقت الذي يستمرّ فيه لبنان بالتحضير للدّخول في التّفاوض، تواصل إسرائيل تصعيدها العسكريّ الواسع، جوًّا وبرًّا، مع مواصلة التقدّم في الجنوب، والإصرار على تنفيذ عمليّات تصفيةٍ واغتيالٍ تطال "حزب الله" وكوادره وعناصره وقياداته. غير أنّ ما يثير القلق في هذه الحرب أنّها لا تظهر، حتّى الآن، أيّ استثناءاتٍ حقيقيّة في بنك الاغتيالات، ما يفتح باب المخاوف اللبنانيّة على انتقال إسرائيل إلى استهداف شخصيّاتٍ سياسيّة أو مدنيّة مرتبطة بالحزب، ولا سيّما بعد استهداف الجامعة اللبنانيّة.

وبالرغم من أنّ الحديث عن جولة تفاوضٍ محتملة لا يزال قائمًا، فإنّ إسرائيل لم تقدّم بعد جوابًا حاسمًا بشأن استعدادها للذّهاب إلى هذه الجولة. وتفيد بعض المعطيات بأنّ المكان المرجّح للتّفاوض هو قبرص، وأنّ انعقاد الجولة قد يكون في الأسبوع المقبل، لكنّ ذلك يبقى رهنًا بموافقة إسرائيل، التي تبدو حريصةً على أمرٍ واحد: أن تدخل التّفاوض بعد أن تكون قد حقّقت مسبقًا مكاسب ميدانيّة على الأرض.

بمعنىً أوضح، تريد تل أبيب أن تفاوض من موقع المتقدّم عسكريًّا، لا من موقع الباحث عن تسوية. تريد أن تصل إلى الطاولة بعدما تكون قد زادت الضّغط على بيروت، ووسّعت استهداف البنى التّحتيّة، ورفعت كلفة التّردّد على الدّولة اللبنانيّة. ومن هنا يمكن فهم التّهديد المباشر الذي أطلقه يسرائيل كاتس ضدّ البنى التّحتيّة اللبنانيّة، والسّعي إلى تحميل الحكومة مسؤوليّة عدم التّعامل مع الحزب.

في هذا الإطار، لا يبدو استهداف جسر الزّراريّة، طيرفلسيه، حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من مسارٍ تصاعديّ ستشمل حلقاته، على الأرجح، المزيد من الجسور، والطرق، ومفاصل الرّبط الحيويّة بين الجنوب وسائر المناطق اللبنانيّة. إنّها عمليّة ضغطٍ بالنّار، هدفها تفكيك المجال الحيويّ للحزب، وعزل ساحته، وإرباك الدّولة، ودفع الجميع إلى الطاولة بشروطٍ إسرائيليّة مسبقة.

 

التّوغّل البرّيّ: خمسةَ عشر كيلومترًا أم ما هو أبعد؟

من بين الرّسائل التي يتبلّغها لبنان عبر دبلوماسيّين، إصرار إسرائيل على التوغّل برًّا بعمق 15 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانيّة، بما يتيح لها، من وجهة نظرها، إنشاء منطقة سيطرةٍ تضمن أمن مستوطناتها الشّماليّة. غير أنّ القراءة اللبنانيّة، الأمنيّة والسّياسيّة، لا تتعامل مع هذا العمق بوصفه سقفًا نهائيًّا، بل بوصفه رأس جسرٍ لا أكثر.

فالاجتياح البرّيّ، إذا بدأ ونجحت إسرائيل في تحقيق تقدّمٍ ميدانيّ في الجنوب، لن يتوقّف بالضّرورة عند هذه الحدود. المنطق الإسرائيليّ يقوم على توسيع الخروقات متى سنحت الفرصة، وتنفيذ عمليّاتٍ بريّة نوعيّة في مناطق متعدّدة لإثبات القدرة على الحركة الحرّة والقوّة النّاريّة الفائقة. ولذلك، فإنّ الحديث عن 15 كيلومترًا قد يكون مجرّد عتبةٍ أوّليّة، لا نهاية المسار.

وتعزّز هذه المخاوف مؤشّراتٌ ميدانيّة عدّة، بينها اتّساع المناطق التي طالبت إسرائيل بإخلائها لتصل إلى قضاء صيدا وحدود نهر الزّهراني. وهذا يعني أنّ خرائط التّهديد لم تعد تقتصر على الشّريط الحدوديّ المباشر، بل باتت تمتدّ إلى عمقٍ جغرافيّ وسياسيّ أوسع، بما يوحي بأنّ إسرائيل تحضّر لمشهدٍ طويل، لا لعمليّةٍ خاطفة.

أمّا حين يقول الإسرائيليّون إنّه إذا لم تقم الدّولة اللبنانيّة بمهمّتها في سحب سلاح الحزب فإنّ إسرائيل ستفعل ذلك بنفسها، فالمقصود ليس القصف الجوّيّ وحده، بل الدّخول البرّيّ المباشر. فتل أبيب تعرف أنّ التدمير الجوّيّ، مهما بلغ حجمه، لن يكفي للقضاء على القدرات العسكريّة للحزب ولا على ترسانته المنتشرة والمعقّدة. وهذا ما يفتح الباب أمام حربٍ طويلة، تحاكي، في بعض وجوهها، سيناريوهات الاجتياح والاستنزاف التي اعتمدتها إسرائيل في ساحاتٍ أخرى.

وهنا، تكبر المخاوف اللبنانيّة من أن لا يقتصر المشهد على توغّلٍ جنوبيّ، بل أن يشمل عمليّات إنزالٍ نوعيّة في مناطق أخرى، وربّما في بيروت نفسها، على غرار ما يحكى عن محاولاتٍ لتنفيذ إنزالاتٍ في البقاع. إنّها فرضيّاتٌ ثقيلة، لكنّ ما ينذر بها قائم: تصعيدٌ بلا سقف، وبنك أهدافٍ يتوسّع، وضغطٌ سياسيّ يريد كسر لبنان من الخارج أو تفجيره من الدّاخل.

 

الجسور المقطوعة: هندسة العزل قبل العبور

على مستوى العمليّات البرّيّة، يبدو واضحًا أنّ إسرائيل تمهّد للاجتياح بخطّة ناريّة دقيقة، عنوانها قطع طرق الإمداد وتفكيك الترابط الجغرافيّ في الجنوب. فقصف الجسور ليس تفصيلًا تكتيكيًّا، بل جزءٌ من هندسةٍ عسكريّة تستهدف تقسيم جنوب الليطاني إلى ثلاث مناطق عمليّات منفصلة، بما يضعف قدرة "حزب الله" على المناورة، ويربك خطوط الحركة والإسناد.

ومن هنا، فإنّ استهداف جسر الزّراريّة لن يكون، على الأرجح، الأخير. فثمّة توقّعاتٌ بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل جسورًا أخرى، ولا سيّما القاسميّة والخردلي، فضلًا عن جسورٍ تربط البقاع بالجنوب. الهدف واضح: خنق الحركة، عزل القطاعات، ومنع أيّ قدرة على إعادة تجميع القوّة أو نقل الذّخائر والمقاتلين بين المحاور.

في القطاع الشّرقيّ، يظهر تركيزٌ إسرائيليّ واضح على خوض العمليّات في محيط شبعا، مع تنفيذ تفجيراتٍ والسّعي إلى التقدّم باتّجاه الخيام، ومنها نحو تلّ نحاس وصولًا إلى دير ميماس الواقعة على نهر اللّيطاني. هذه الحركة ليست عشوائيّة، بل تستهدف الوصول إلى نقاطٍ حاكمة ناريًا وجغرافيًّا، تسمح بإشرافٍ فعليّ على مساحاتٍ واسعة من الجنوب.

وفي المحور الممتدّ من ربّ ثلاثين باتّجاه الطّيّبة، تسعى إسرائيل للوصول إلى بلدة القنطرة، مع رهانٍ واضح على أنّ السّيطرة على تلال الطّيّبة ونصب المدفعيّة هناك ستمنحها قدرةً على السّيطرة بالنّار على جزءٍ واسع من جنوب اللّيطاني، وعلى طرق الإمداد الحيويّة فيه. كما أنّ الوصول إلى دير سريان يمثّل هدفًا مركزيًّا، لأنّه يسمح بفصل جنوب اللّيطاني عن شماله، وضرب التّواصل العملانيّ بين الوحدات الميدانيّة.

 

القطاعات الثّلاثة: خارطة التقدّم نحو اللّيطاني

في القطاع الأوسط، تركّز إسرائيل عمليّاتها في عيترون ويارون وحولا والعديسة، ساعيةً إلى التقدّم نحو الطّيّبة فدير سريان، بالتّوازي مع قصف طرقٍ حيويّة تربط بين المناطق، ولا سيّما في وادي الحجَير والقصير وصولًا إلى دير سريان. هذا القصف ليس عشوائيًّا، بل يندرج في سياق قطع طرق الإمداد وتحجيم حركة الحزب، تمهيدًا لفتح الطّريق أمام القوّات المتوغّلة.

والواضح أنّ دير سريان تشكّل نقطة تقاطعٍ محوريّة في الخطّة الإسرائيليّة، لأنّ الوصول إليها يعني التقاء المحاور المتقدّمة، وفتح الباب أمام بلوغ نهر اللّيطاني. وعند هذه المرحلة، تصبح إسرائيل قد اقتربت من تحقيق هدفها العملانيّ الأوسع: تقسيم جنوب اللّيطاني إلى ثلاثة أقسامٍ عسكريّة منفصلة، ثمّ التفرّغ لاحقًا للتّركيز على محاور أرنون ويحمر وما بعدها.

في القطاع الغربيّ أيضًا، تتواصل الضّغوط النّاريّة والبرّيّة بالتّوازي، في محاولةٍ لإبقاء "حزب الله" مشتّتًا بين محاور عدّة، ومنعه من تثبيت جبهةٍ دفاعيّة متماسكة. إنّها خطّة إنهاكٍ متعدّدة المستويات: اغتيالات، قصف بنى تحتيّة، عزل مناطق، وتمهيد ميدانيّ تدريجيّ لاجتياحٍ أوسع.

هذا كلّه يشير إلى أنّ الحرب لم تعد محكومةً بمنطق الرّدود المتبادلة أو الضّربات المحدودة، بل دخلت طورًا جديدًا تعاد فيه صياغة الخريطة العسكريّة في الجنوب بالنّار، فيما تدفَع بيروت إلى حافّة قرارٍ مصيريّ: إمّا تفاوضٌ بشروط القوّة الإسرائيليّة، وإمّا التّدحرج إلى حربٍ طويلة لا أحد يملك ضمانةً لنهاياتها.

 

بين عون وسلام وبرّي: صراع الوقت والقرار

في قلب هذا المشهد، يظهر الرّئيسان جوزاف عون ونوّاف سلام كأنّهما يخوضان سباقًا مع الوقت، لا لصناعة تسويةٍ متكاملة، بل لمنع الانهيار الكامل. فجهودهما، في الجوهر، ليست ترفًا سياسيًّا ولا مجرّد محاولةٍ لتحسين شروط لبنان، بل محاولةٌ لالتقاط آخر فرصةٍ قبل أن تحسم المعادلة بالميدان وحده.

لكنّ العقدة الدّاخليّة لا تقلّ ثقلًا عن التّهديد الخارجيّ. فالثّنائيّ الشّيعيّ لا يقبل أن يتحوّل التّفاوض إلى جسر عبورٍ نحو تسليمٍ سياسيّ أو تفكيكٍ داخليّ تحت القصف، فيما ترى الدّولة أنّ الرّفض المطلق لم يعد كافيًا، لأنّ البديل قد يكون اجتياحًا واسعًا يفرض وقائع أشدّ قسوة. وهكذا، يصبح الانقسام ليس بين مؤيّدٍ للتّفاوض ومعارضٍ له، بل بين من يخشى كلفة الذّهاب إليه، ومن يخشى أكثر كلفة عدم الذّهاب.

في النّتيجة، لا تبدو بيروت اليوم أمام مفاوضاتٍ عاديّة، بل أمام لحظة اختبارٍ وجوديّ: دولةٌ مهدّدة في بنيتها، جنوبٌ يعاد رسمه بالنّار، ضغوطٌ دوليّة باردة، وخصمٌ يرفع سقف الحرب إلى الحدّ الأقصى. أمّا السّؤال الذي يضغط فوق الجميع فهو الآتي: هل تنجح السّلطة في فتح ثغرةٍ سياسيّة قبل انطلاق الاجتياح، أم أنّ الميدان سبق الجميع، وبات القرار الفعليّ في يد الدبّابة لا في يد الدبلوماسيّة؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث