6 تحوّلات خطرة في قواعد الاشتباك: ضربٌ متعمَّد لعمق بيروت

مانشيت - المدنالخميس 2026/03/12
Image-1773333442
يبدو لبنان في سباقٍ قاسٍ مع الحرب.. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة 6 خطوط في التّصعيد الإسرائيليّ اليوم تضع لبنان في دائرة الخطر الشّديد:

أوّلًا، رفع مستوى الحشد على الحدود، والتوسّع داخل الأراضي اللّبنانيّة إلى حدودٍ معيّنة، في ظلّ تهديدات ببلوغ خطّ اللّيطاني على الأقلّ.

ثانيًا، تهديد الجيش الإسرائيليّ لسكان شمال اللّيطاني، حتّى نهر الزّهراني، بالإخلاء.

ثالثاً، بدء استهداف القرى المسيحية في جنوب الليطاني ، على نحوٍ يبدو ممنهجاً.

رابعاً، توسّع الضّربات في بيروت لتخرج من إطار الضّاحية إلى قلب بيروت، وإلى مسافة قريبة من السّراي ومؤسّسات الحكومة.

خامساً، الضّربة التي وُجِّهت إلى حرم كلّيّة العلوم، الفرع الأوّل، واستهدفت مديرها المنتمي إلى "حزب الله" وأستاذًا آخر، هي أوّل إشارة فعليّة إلى تجاوز إسرائيل قواعد الاشتباك السّابقة، وبدء انتهاك حرمة مؤسّسات الدّولة اللّبنانيّة.

سادسًا، دخول سلاح البحريّة الإسرائيليّة في المواجهة، بتسديده الضّربات، كما في الأوزاعي- خلدة.

وتعني هذه الخطوط كلّها أنّ إسرائيل تتّجه إلى تبديلٍ واسع في الجغرافيا، وطبيعة التّصعيد العسكريّ، وأدواته، وهذا ما يُنذر بمأزقٍ كبير للبنان، يُحاوَل "القوطبة" عليه بإطلاق المفاوضات بأيّ شكلٍ كان، لأنّ الآتي أعظم.

 

تصعيد في بيروت

لكنّ المفاوضات تبدو متعثّرة، فبعد ليلةٍ ناريّة، شنّ خلالها الطّيران الإسرائيليّ غاراتٍ عنيفة على الرّملة البيضاء وعرمون والضّاحية الجنوبيّة، إضافة إلى الغارات المتواصلة على الجنوب، تعيش بيروت ومحيطها يومًا قاسيًّا تحت وطأة عدوانٍ إسرائيليّ عنيف، إذ استهدفت الطّائرات الحربيّة والمسيّرات عددًا من الأحياء السّكنيّة، مُخلِّفةً دمارًا واسعًا، وعددًا من الشّهداء والجرحى في صفوف المدنيّين.

ويأتي هذا، ولحظة كتابة هذه المانشيت، تتعرّض بيروت لهجومٍ جوّيّ، وإنذاراتٍ متواصلة لمبانٍ فيها. هنا تحديدًا، لا يعود ما يجري مجرّد جولةٍ جديدة من القصف، بل يصبح انتقالًا إسرائيليًّا واضحًا إلى مرحلةٍ أشدّ خطورة، عنوانها توسيع ميدان الحرب، وتبديل قواعدها، والضغط بالنّار من أجل فرض وقائع سياسيّة قبل أيّة تسوية. فإسرائيل لا تكتفي بإدارة مواجهةٍ عسكريّة مع "حزب الله"، بل تعمل على إعادة رسم الخريطة اللّبنانيّة بالنّار، من الجنوب إلى البقاع، ومن الضّاحية إلى قلب العاصمة، بما يُنتج مناخًا من الرّعب والفوضى والانكشاف الكامل للدّولة.

لقد اتّخذت الحرب على لبنان منحًى جديدًا وأكثر تصعيدًا. "حزب الله" أعلن الدّخول في الحرب المفتوحة، وأطلق عليها اسم "العصف المأكول"، في حين جاء الرّدّ الإسرائيليّ سريعًا، تحت توصيف "ردّ الصّاع صاعين"، وهو ما تُرجمه الطّائرات الإسرائيليّة عمليًّا في مختلف المناطق اللّبنانيّة، من الجنوب إلى البقاع والضّاحية الجنوبيّة لبيروت. وبينما تواصل إسرائيل التّلويح بشنّ عمليّةٍ عسكريّةٍ بريّة في لبنان، مع زيادة الحشود العسكريّة على الحدود، والتهديد بضرب بنىً تحتيّة مدنيّة، لا يزال لبنان يبحث عن فرصةٍ للتّفاوض، في موازاة سعيه إلى تشكيل وفدٍ تفاوضيّ يمثّل الرّؤساء الثّلاثة، ومختلف المكوّنات الاجتماعيّة والسّياسيّة في البلاد.

غير أنّ جوهر المشهد لا يكمن فقط في حجم النّار، بل في اتّجاهها. فحين تنتقل الغارات من الضّاحية إلى الرّملة البيضاء، ومن الأطراف إلى محيط السّراي، وحين يُستهدف حرمٌ جامعيّ، وتدخل البحريّة الإسرائيليّة خطّ الإسناد النّاريّ، يصبح واضحًا أنّ إسرائيل تريد القول إنّ لا منطقة محصّنة، ولا مؤسّسة مستثناة، ولا سقف ثابتًا للاشتباك. وهذا بحدّ ذاته أخطر ما في المرحلة، لأنّه يعني إسقاط الضّوابط السّابقة، واستبدالها بمنطق القوّة المفتوحة، تمهيدًا لفرض شروط تفاوضٍ تحت القصف.

من هنا، يندفع لبنان، رسميًّا، نحو خيار المفاوضات المباشرة برعايةٍ أميركيّة، في محاولةٍ لالتقاط مخرجٍ قبل اتّساع الحرب. وتفيد المعطيات بأنّ الاتّصالات جارية لتشكيل وفدٍ يضمّ شخصيّاتٍ سياسيّة ودبلوماسيّة وعسكريّة وتقنيّة، بينها أسماءٌ مطروحة مثل بول سالم، وسيمون كرم، وعبد الستّار عيسى، إلى جانب شخصيّاتٍ أخرى قيد التداول، فضلًا عن خبراء في شؤون التّرسيم والتّفاوض البرّي. لكنّ هذا المسار لا يزال معلّقًا بين إرادتين متناقضتين، إرادةٌ رسميّة ترى في التّفاوض ضرورةً لمنع الانهيار الأكبر، وإرادةٌ سياسيّة وازنة ترفض أن يبدأ التّفاوض فيما الحرب مستمرّة، خشية أن يتحوّل إلى اعترافٍ ضمنيّ بنتائج العدوان.

 

صيغة تفاوضية

وفق هذا المنطق، يسعى لبنان إلى تسويق صيغةٍ تفاوضيّةٍ تُجنّبه الانتقال إلى مرحلة التّفاوض تحت الاحتلال أو تحت التّهديد المباشر بفرض مناطق عازلة بقوّة النّار. ولذلك، يجري العمل على ورقةٍ لبنانيّة شاملة تتضمّن تصوّرًا لوقف إطلاق النّار، وإطلاق مسارٍ تفاوضيّ موازٍ، ومعالجةً للملفّات الأمنيّة العالقة، بما فيها سلاح "حزب الله"، ضمن آليّةٍ تدريجيّةٍ مدروسة، يواكبها مسارٌ لإعادة الإعمار، وتأمين الدّعم الدّوليّ، وتهيئة ظروف عودة النّازحين والمهجّرين.

لكنّ العقدة الفعليّة لا تكمن فقط في الموقف الإسرائيليّ، بل أيضًا في الانقسام اللّبنانيّ الداخليّ حول معنى التّفاوض وتوقيته وسقفه. فالثّنائيّ الشّيعيّ، وخصوصًا "حزب الله"، ينظر إلى المسعى الأميركيّ والإسرائيليّ باعتباره محاولةً منظّمة لعزله عن الدّولة والمجتمع، وإعادة إنتاج المعادلة اللّبنانيّة على نحوٍ يُخرجه من القرار السّياسيّ، وربّما من التّمثيل المؤسّساتيّ نفسه. لذلك، يرفض الحزب الدّخول في تفاوضٍ منفصلٍ عن وقف الحرب، ويعتبر أنّ أيّ جلوسٍ إلى الطّاولة تحت النّار لن يكون تفاوضًا، بل استسلامًا مُقنّعًا.

وعليه، يُبقي الحزب أولويّته في الميدان، لا في الدّبلوماسيّة. فهو يركّز على مواصلة إطلاق الصّواريخ، والاستعداد لمواجهة أيّ تقدّمٍ برّيّ إسرائيليّ، والتّحضير لكمائن وعمليّات استنزاف، في محاولةٍ لتحسين شروطه، أو على الأقلّ لمنع انهيار توازن الرّدع بالكامل. وبالنّسبة إليه، فإنّ ما يُطرح لا يتعلّق فقط بوقف الحرب، بل بإعادة صياغة موقعه في النّظام اللّبنانيّ والإقليميّ، وهذا ما يجعله يتشدّد إلى الحدّ الأقصى.

في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر وضوحًا وحسمًا في استراتيجيّتها. هي لا تُخفي أنّ توسيع العمليّة يعني أوّلًا توسيع نطاق القصف، وثانيًا توسيع خرائط الإخلاء، وثالثًا رفع منسوب الضّغط على البنى التّحتيّة الحيويّة، من طرقٍ وجسورٍ ومرافق، تمهيدًا لمرحلةٍ قد تشمل العمليّة البرّيّة. وما الإنذارات المتزايدة لسكان مناطق تمتدّ من شمال اللّيطاني إلى جنوب الزّهراني إلّا مؤشّرٌ إلى أنّ التّحضير الميدانيّ يتقدّم على الكلام السّياسيّ، وأنّ إسرائيل تريد تفريغ المجال البشريّ قبل أيّة اندفاعةٍ على الأرض.

 

سباقٌ قاسٍ

وهكذا، يبدو لبنان في سباقٍ قاسٍ مع الحرب. السّلطة تريد التّفاوض قبل الاجتياح، والحزب يريد وقف الحرب قبل التّفاوض، وإسرائيل تريد أن تفاوض من موقع اليد العليا، فيما الأميركيّون يضغطون من أجل اتّفاقٍ نهائيّ وواضح، لا يحتمل الالتباس، ولا يكرّر تجربة 27 تشرين الثّاني، التي يعتبرون أنّ "حزب الله" لم يلتزم بروحيّتها ولا بنتائجها.

في هذا الاشتباك بين النّار والدّبلوماسيّة، لا يملك لبنان ترف الوقت. كلّ ساعة تأخير تعني اتّساعًا في بنك الأهداف الإسرائيليّ، وكلّ يومٍ إضافيّ من الحرب يقرّب البلاد من لحظة الانكشاف الأكبر، عسكريًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا. ولذلك، لا تبدو المفاوضات اليوم خيارًا مريحًا، بل محاولةً اضطراريّة لتفادي الأسوأ. لكنّ المشكلة أنّ الأسوأ نفسه قد يكون صار جزءًا من خطّة الضّغط لانتزاع التّفاوض بالشّروط الإسرائيليّة.

السّؤال اللّبنانيّ الحقيقيّ لم يعد، هل تبدأ المفاوضات، بل متى، وتحت أيّ سقف، وبأيّ أثمان. أمّا السّؤال الإسرائيليّ، فهو كيف يمكن تحويل فائض القوّة العسكريّة إلى مكاسب سياسيّة دائمة. وبين السّؤالين، يقف لبنان على حافّة مرحلةٍ شديدة الخطورة، تتراجع فيها حدود الجغرافيا، وتتصدّع فيها قواعد الاشتباك، ويصبح فيها التّفاوض نفسه جزءًا من الحرب، لا طريقًا مؤكّدًا إلى إنهائها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث