مبادرات لما بعد الحرب: الحزب وإسرائيل الى جولة قتال عنيفة

عبد الله قمحالخميس 2026/03/12
Image-1773220359
يقوم القرار الأميركي الحالي على إفساح المجال أمام إسرائيل لمحاولة تغيير المعادلة في لبنان
حجم الخط
مشاركة عبر

تتحدث تقديرات في بيروت، مستندة إلى مصادر رسمية، عن احتمال كبير لإعلان أميركي مفاجئ لنهاية الحرب على إيران خلال أسبوع أو أسبوعين على أبعد تقدير، تحت عنوان أن أهداف الحرب قد تحققت. ووفق هذه التقديرات، فإن واشنطن قد تعلن أن طهران لم تعد قادرة على إطلاق الصواريخ الباليستية بفعالية، ولم يعد لديها ذلك المخزون الإستراتيجي الهائل، وأن الضربات الأميركية نجحت في استهداف مراكز الثقل العسكرية، وبعض المصالح الأمنية والاقتصادية التابعة للحكومة الإيرانية، إضافة إلى توجيه ضربات مؤثرة إلى السلم القيادي.

 

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في بيروت لا يتعلق بإعلان نهاية الحرب بحد ذاته، بل بكيفية تعامل إيران مع مثل هذا الإعلان: هل ستتعاطى معه كأمر واقع وتقبل بوقف الحرب، أم أنها ستسعى إلى الرفض والإستمرار بالحرب؟

 

في المقابل، يكاد يتشكل في الأوساط اللبنانية اعتقاد شبه راسخ بأن انتهاء الحرب على إيران لا يعني بالضرورة نهاية التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية، حتى وإن كانت طهران قد ربطت الجبهتين في سياق واحد. بل إن تقديرات عدة ترجّح أن تشهد الجبهة اللبنانية زخماً إضافياً، عسكرياً وسياسياً، في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات في إيران.

 

أولى الإشارات السياسية إلى هذا الاحتمال تظهر في الحراك الداخلي اللبناني، الذي يدور تحت عنوان خفض كلفة الحرب على لبنان. ويتمثل ذلك في محاولة تسويق مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون ذات النقاط الأربع، والتي تستند أساساً إلى قرار الحكومة الصادر في الثاني من آذار الماضي. والهدف المعلن هو إفساح المجال أمام الدولة اللبنانية لمعالجة مسألة سلاح حزب الله ضمن مسار سياسي بشكل مستقل عن الحرب، أو من دون الانزلاق إلى حرب واسعة.

 

وفي هذا السياق، نشطت الاتصالات بين الأركان اللبنانيين. فعاد مستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال إلى التحرك بين بعبدا وعين التينة ذهاباً وإياباً، حيث سُجلت له زيارة ثانية هذا الأسبوع لمقر رئيس مجلس النواب نبيه بري. كما لوحظ نشاط موازٍ على خط رئاسة مجلس الوزراء من الخلفية نفسها. وبحسب ما يتردد، تبدو التحركات مرتبطة بتأمين رؤية لبنانية موحدة حول التفاوض المباشر، إذ يتبين أن الرئيس بري يعارض أي أفكار ذات صلة قبل تأمين وقف غير مشروط لإطلاق النار.

 

وتشير المعطيات إلى أن جزءاً من هذا الحراك جاء بعدما تمكن بري من استطلاع موقف حزب الله عبر أحد المسؤولين فيه، حيث يعمل على نقل هذه الأجواء تدريجياً إلى رئاسة الجمهورية التي لا تزال قنواتها المباشرة مقطوعة مع الحزب.

 

ووفق ما تسرّب من المناقشات، يتموضع حزب الله إلى يسار الطروحات الرسمية، رافضاً أي صيغة للحل لا يكون طرفاً أساسياً في نقاشها. وبذلك، بات الحزب عملياً مفاوضاً مركزياً، وممراً إلزامياً لأي مبادرة أو مقترح سياسي يتعلق بمستقبل الوضع في لبنان. وينسحب هذا الموقف أيضاً على مبادرة رئيس الجمهورية، إذ أبلغ الحزب رسمياً رفضه لنقاطها الأربع.

 

ويبدو أن الحزب، الذي يمنح الأولوية للميدان، يفضّل التريث قبل اتخاذ أي موقف نهائي، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات العسكرية. وتشير بعض التقديرات إلى أن الحزب يعمل في المرحلة الراهنة على ما يمكن تسميته "هندسة ميدانية"، تهدف إلى تعديل التوازنات التي نشأت بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، عبر فرض وقائع جديدة بالنار.

 

في موازاة ذلك، يتحرك رئيس الجمهورية على أكثر من خط خارجي. فقد بادر قبل أيام إلى التواصل مع السفير الأميركي في تركيا ومبعوث الرئيس دونالد ترمب إلى سوريا والعراق، توم باراك، في محاولة لاستكشاف إمكانات المساعدة في لجم الحرب الإسرائيلية عن لبنان، انطلاقاً من الدور الذي يضطلع به باراك حالياً في المنطقة. غير أن هذا التواصل لم يفضِ إلى وعود ملموسة.

 

ومع ذلك، أدى الاتصال إلى خلق قدر من الزخم السياسي. إلا أن مصادر متابعة تشير إلى أن هذه الخطوة أثارت بعض الحساسيات داخل الدوائر المحيطة بالرئيس ترمب، ما دفع السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى القيام بحركة مباغتة تخللتها سلسلة اتصالات مع مسؤولين لبنانيين، حيث يتبين أنه يحمل أفكاراً عامة أكثر مما يحمل  جدول أعمال واضحاً، في إطار تنسيق يبدو أنه يجري مع السفارة الأميركية في القدس.

 

ومن زاوية أخرى، حاول الرئيس عون الاستفادة من علاقته الشخصية بالرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، عبر محاولة إقناعه بإحياء مبادرته السابقة للتوسط بين بيروت وتل أبيب. وتشير المعلومات إلى أن بيروت تدرس بجدية إمكان عقد لقاء سياسي رسمي غير مباشر بين مندوبين عن لبنان وإسرائيل في العاصمة القبرصية نيقوسيا، تمهيداً لفتح قناة تفاوض.

 

غير أن هذه الأفكار لا تزال في مرحلة الطبخ والإعداد وتخضع لبنود الإنتظار، ليس بسبب رفض أميركي أو إسرائيلي لها، بل بانتظار ما ستفرزه المعركة الجارية. فوفق مصادر مطلعة، تبدو واشنطن معنية بجميع الأفكار المطروحة في بيروت، لكنها تربط أي تقدم سياسي بحدوث تحول عسكري مؤثر في موازين القوى داخل لبنان.

 

ووفق هذه القراءة، يقوم القرار الأميركي الحالي على إفساح المجال أمام إسرائيل لمحاولة تغيير المعادلة في لبنان، عبر توجيه ضربات قاسية إلى حزب الله سياسياً وعسكرياً، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى تسوية أوسع قد تصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.

 

في هذا الإطار، يسود اعتقاد لدى بعض الأوساط اللبنانية وحتى الأميركية بأن الثقل العسكري الإسرائيلي قد يتجه إلى لبنان فور إعلان انتهاء العمليات في إيران. وقد بدأت إسرائيل بالفعل تعزيز انتشارها على الحدود، إذ رفعت عدد الألوية المنتشرة هناك إلى خمسة، بعد نقل لواء غولاني من الجبهة الجنوبية، إضافة إلى أربع فرق عسكرية تنتشر على طول خط الجبهة، بينها واحدة مخصصة للعمليات الخاصة وأخرى تتشكل من قوات إحتياط. 

 

وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن الجيش بات شبه جاهز لمرحلة جديدة، بانتظار اللحظة السياسية المناسبة للانتقال من جبهة إيران إلى جبهة لبنان. مع ذلك، يبدو أن التصعيد الحالي لا يزال مضبوط الإيقاع. فإسرائيل، على الرغم من رفعها مستوى العمليات، تتجنب حتى الآن الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

 

وتشبّه أوساط عسكرية المرحلة الراهنة بتلك التي سبقت تصعيد خريف 2024، حين ارتفعت وتيرة القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله، قبل أن تنتقل إسرائيل إلى مرحلة أكثر عنفاً شملت عمليات اغتيال واستهداف بنى الحزب العسكرية في محاولة لإضعاف حزب الله. 

 

أما في الجولة الحالية، فتشير المعطيات الميدانية إلى أن حزب الله يبدو أكثر استعداداً مقارنة بالمواجهة السابقة. فالحزب تمكن، بحسب تقديرات عدة، من سدّ عدد من الثغرات الأمنية والعسكرية التي ظهرت خلال الحرب الماضية.

 

وعلى الرغم من الضربات التي تلقاها، لا يزال الحزب يقاتل عند الحافة الأمامية للجبهة الجنوبية، ونجح في إعادة بناء ترسانة عسكرية ضخمة وبنى تحتية مهمة رغم الضغط العسكري المستمر. كما يظهر نشاطاً لافتاً في منطقة البقاع وجرودها ويقوم بصد الإنزالات، في حين تواجه إسرائيل صعوبات متزايدة في استهداف قادة من الصف الأول أو التوغل برياً بشكل مريح. 

 

لكن في المقابل، تكثف إسرائيل ضرباتها في الضاحية الجنوبية، وعلى الطريق الساحلي باتجاه صور، وفي طرقات البقاع وصولاً إلى النبطية، في محاولة واضحة لضرب خطوط الإمداد اللوجستية للمقاومة.

وتقدّر دوائر عسكرية أن الهدف من هذه العمليات هو عزل المقاتلين جنوب الليطاني عن عمقهم الخلفي شمالاً، وتعطيل قدرة الإمداد المستقبلي للحزب الضرورية في حالات رفع التصعيد، تمهيداً لاحتمال تنفيذ تقدم تكتيكي من أكثر من محور نحو ضفاف نهر الليطاني، براً عبر القوات المحتشدة، وجواً عبر غطاء ناري كثيف. بإختصار، إننا أمام حالة مكررة عن حرب عام ٢٠٢٤ لكن باطار مختلف. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث