أدرجت التقديرات الإسرائيلية احتمال دخول حزب الله إلى الحرب ضمن السيناريوهات التي درستها المؤسسة الأمنية منذ التحضير للحرب على إيران. لكن مسار الأحداث الجارية اليوم أظهر أن حجم هذا التدخل وطبيعته وكثافته تجاوزت ما توقعته كثير من هذه التقديرات. فقد اتخذت مشاركة حزب الله طابعًا أوسع وأكثر حضورًا في الميدان مقارنة بما افترضته بعض التقديرات التي رجّحت تدخلًا محدودًا أو تدريجيًا. تطرح هذه المفارقة سؤالًا حول الدوافع التي تقف خلف هذا السلوك، وحول الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي قد تفسر قرار حزب الله رفع مستوى انخراطه في الحرب.
في الواقع، تميّز سلوك حزب الله في هذه الحرب بعدة خصائص لافتة مقارنة بجولات المواجهة السابقة. تمثلت السمة الأولى بكثافة ملحوظة في القصف الصاروخي واستخدام الطائرات المسيّرة. فقد حافظ حزب الله على وتيرة إطلاق مرتفعة نسبيًا شملت موجات متكررة من الصواريخ إلى جانب استخدام متزايد للمسيّرات الهجومية وهو نمط عمليات يهدف إلى الضغط على منظومات الدفاع الجوي وإرباكها عبر تعدد الأهداف في وقت واحد.
إذ تشير تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن الحزب يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والقذائف تقدر بعشرات الآلاف بينها صواريخ دقيقة قادرة على إصابة أهداف داخل إسرائيل، ما يمنحه القدرة على الاستمرار في القصف لفترات طويلة ورفع مستوى الاستنزاف العسكري والضغط على الجبهة الداخلية.
أما السمة الثانية تمثلت في القصف المتوازي مع إيران، فقد تزامن القصف الذي نفذه حزب الله باتجاه إسرائيل في عدد من المراحل مع القصف الإيراني، وهو ما دفع بعض التحليلات داخل إسرائيل إلى الحديث عن احتمال وجود تنسيق عملياتي بين الجبهتين. في هذا السياق أشارت القناة 13 الإسرائيلية إلى أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في توقيتات متقاربة قد يعكس محاولة لإرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وتشتيت قدرتها على الاعتراض عبر تعدد مصادر الهجوم في الوقت نفسه.
ينسجم هذا التفسير مع تقديرات استراتيجية ترى أن إيران تعتمد في إدارة المواجهة على توزيع الضغط العسكري عبر عدة جبهات متزامنة، بما يخلق ضغطًا عملياتيًا مركبًا على إسرائيل ويصعّب على منظومات دفاعها التعامل مع موجات القصف المختلفة في آن واحد.
إلا أن عددًا من الباحثين يحذرون من الاستنتاج المتسرع في هذا المجال، لأن التزامن في العمليات لا يثبت بالضرورة وجود تنسيق مباشر. ففي الحروب متعددة الجبهات قد يحدث التزامن نتيجة تشابه التقديرات الاستراتيجية أو استجابة عدة أطراف للحدث نفسه في توقيت متقارب. وتشير القراءات حول الاستراتيجية الإيرانية إلى أن طهران تميل إلى إدارة الحرب وفق نموذج يعتمد درجة عالية من اللامركزية العملياتية.
السمة الثالثة تمثلت في استخدام أسلحة جديدة ومتطورة نسبيًا. إذ لم يقتصر نشاط حزب الله على إطلاق الصواريخ التقليدية، وإنما شمل توظيف منظومات قتالية أكثر تنوعًا وتقدمًا. في هذا السياق نشر الباحث تال باري من معهد ألما للأبحاث إلى أن ترسانة الحزب ما زالت تضم أنواعًا متعددة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى مثل فلق وبركان، إضافة إلى صواريخ أكثر تطورًا مثل فاتح-110 إلى جانب أسطول من الطائرات المسيّرة الهجومية والانتحارية مثل أبابيل T وشاهد 101.
كما أشارت صحيفة هآرتس إلى أن الحزب ما زال يمتلك ترسانة من الصواريخ المضادة للدروع مثل كورنيت وألماس، القادرة على إصابة وتدمير الدبابات والمركبات المدرعة بدقة على مسافات تتراوح بين أربعة وثمانية كيلومترات، إضافة إلى امتلاكه أنظمة دفاع جوي مثل الصواريخ المحمولة على الكتف. يعكس إدخال هذا التنوع من المنظومات القتالية إلى ساحة المواجهة تطورًا في طبيعة الحرب على الجبهة الشمالية، حيث يعتمد الحزب على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للدروع في إدارة عملياته العسكرية.
السمة الرابعة تمثلت في استهداف مواقع حساسة وبعيدة داخل العمق الإسرائيلي. فقد اتجهت بعض الهجمات التي نفذها حزب الله إلى أهداف تقع بعيدًا عن خط الحدود اللبنانية، ما يعكس توسعًا في نطاق العمليات. ففي 9 آذار 2026 تم استهداف قاعدة الرملة، وهي قاعدة قيادة "قيادة الجبهة الداخلية" الإسرائيلية الواقعة جنوب شرق تل أبيب وعلى مسافة تقارب 135 كيلومترًا من الحدود اللبنانية الفلسطينية، بصلية من الصواريخ النوعية. كما تم استهداف محطة الاتصالات الفضائية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في الجيش الإسرائيلي في وادي إيلا وسط إسرائيل والتي تبعد نحو 160 كيلومترًا عن الحدود مع لبنان.
في المقابل، ثمّة نقاشات تطرح داخل إسرائيل عدة خيارات للتعامل مع تصاعد المواجهة مع حزب الله. الخيار الأول يتمثل في التصعيد العسكري الواسع والذهاب حتى النهاية في المواجهة. فقد نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن قرارًا قد يُتخذ قريبًا يقضي بالمضي في مواجهة شاملة مع الحزب.
يقوم هذا الخيار على فرضية أن إضعاف الحزب بصورة حاسمة قد يغيّر ميزان الردع على الجبهة الشمالية. لكن هذا المسار يواجه تساؤلات داخل إسرائيل نفسها، خصوصًا في ضوء تجربة الحرب في غزة، حيث أظهرت العمليات العسكرية الواسعة حدود قدرة القوة العسكرية على القضاء الكامل على تنظيم مسلح متجذر في بيئة اجتماعية وسياسية معقدة.
الخيار الثاني يتمثل في توسيع دائرة الاستهداف لتشمل البنى التحتية الوطنية في لبنان. يقوم هذا السيناريو على ممارسة ضغط واسع على الدولة اللبنانية من خلال ضرب منشآت حيوية مثل شبكات الكهرباء والموانئ والطرق والبنية الاقتصادية، بهدف رفع كلفة الحرب على الحكومة اللبنانية ودفعها إلى كبح نشاط الحزب. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر سياسية ودبلوماسية كبيرة إذ قد يؤدي إلى توسيع نطاق الدمار في لبنان ويزيد الضغوط الدولية على إسرائيل.
أما الخيار الثالث فيتمثل في الاستمرار في التقدم العسكري والسيطرة على مناطق جديدة في جنوب لبنان. يقوم هذا الخيار على توسيع العمليات البرية تدريجيًا بهدف إبعاد عناصر حزب الله ومنصاته الصاروخية في الجنوب اللبناني. يهدف هذا المسار إلى إنشاء واقع أمني جديد يقلص قدرة حزب الله على استهداف المستوطنات الشمالية. لكن مثل هذا السيناريو قد يجر إسرائيل إلى مواجهة طويلة داخل الأراضي اللبنانية وهو ما يطرح تحديات عسكرية وسياسية كبيرة ويعيد تجربة عام 2000.
بينما الخيار الرابع فيتمثل في السعي إلى تهدئة أو تسوية محدودة مع لبنان. يقوم هذا المسار على محاولة إعادة ضبط قواعد الاشتباك على الحدود، غالبًا عبر وساطة دولية، بحيث يجري تحديد آليات لنزع سلاح حزب الله مقابل وقف العمليات العسكرية. يهدف هذا الخيار إلى استعادة مستوى من الاستقرار على الجبهة الشمالية من دون الانخراط في حرب واسعة. غير أن تحقق هذا السيناريو يبدو في المرحلة الحالية محدود الاحتمال، بسبب استمرار التصعيد العسكري وتشابك المواجهة على الجبهة اللبنانية مع الحرب الأوسع المرتبطة بإيران.
في هذا السياق، - ناهيك عن طبيعة العلاقة التي تربط حزب الله بإيران وما يمثله المرشد الأعلى في إيران من مكانة دينية وسياسية ورمزية - يمكن تفسير سلوك الحزب في هذه المرحلة بعدة اعتبارات رئيسية: أولها، أن الحزب يسعى من خلال هذا المستوى المرتفع من المشاركة إلى تثبيت موقعه بوصفه طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قد تنشأ عن الحرب.
فكلما تعمّق حضوره العسكري في المواجهة، ازدادت احتمالات أن تشمل أي تسوية إقليمية محتملة مع إيران ترتيبات تتصل بالساحة اللبنانية ودور الحزب فيها، الأمر الذي قد يعزز موقعه التفاوضي في أي اتفاق إقليمي لاحق، وربما يساهم أيضًا في إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إسرائيل بصورة أكثر وضوحًا لصالح لبنان.
ويرتبط الاعتبار الثاني بالساحة الداخلية اللبنانية؛ إذ يسهم تصعيد المواجهة الخارجية في تخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية التي يواجهها الحزب داخل لبنان، فعندما ينتقل مركز الاهتمام إلى المواجهة مع إسرائيل أو إلى البعد الإقليمي للصراع يتراجع التركيز على الأزمات الداخلية اللبنانية وعلى الانتقادات الموجهة لدور الحزب في الداخل وهو ما يمنحه هامشًا أوسع لإدارة التحديات السياسية والاقتصادية في بيئة داخلية شديدة التعقيد.




