لم يكن الخبر الّذي وصل إلى زنازين سجن روميّة – أحد أكبر مراكز الاحتجاز في لبنان –، صباح اليوم، بالنمطيّ والطبيعيّ. فالخبر الذي أساسًا شكّل نوعًا من السخط عند شطرٍ واسع من اللّبنانيين، تمدّد وتكثّف عند هؤلاء القابعين خلف القضبان، بيد أنّه عُدّ مجدّدًا نوعًا من الاستنسابيّة القضائيّة الّتي لا تزال سُمعة القضاء اللّبنانيّ مفسودةً بها.
وارتفعت الأصوات في مبنى "ب"، بعدما تناقل السّجناء نبأ إخلاء سبيل ثلاثة عناصر من "حزب الله" بقرارٍ سريعٍ عن المحكمة العسكريّة الدّائمة، في وقتٍ لا يزال فيه عشرات الموقوفين ينتظرون منذ سنوات محاكماتهم، أو يرزحون تحت أحكامٍ قاسية، أو يواجهون تهمًا يصفها حقوقيّون بأنّها فضفاضة واستنسابيّة. وبذلك، لم يكن الاعتراض على القرار القضائيّ منفصلًا عن سياقه، بل انفجر بوصفه عنوانًا جديدًا لأزمةٍ قديمةٍ متجدّدة داخل السّجون اللبنانيّة، عنوانها الأبرز: العدالة الّتي لا تقاس بميزانٍ واحد.
فقد أصدرت المحكمة العسكريّة الدّائمة، اليوم، قرارًا بإخلاء سبيل ثلاثة عناصر من "حزب الله" كان الجيش قد أوقفهم قبل أيّام في جنوب لبنان، إنفاذًا لقرار مجلس الوزراء القاضي باعتبار النّشاط العسكريّ للحزب محظورًا. والمفاجئ، بالنّسبة إلى السّجناء وذويهم، لم يكن القرار وحده، بل سرعة المحاكمة وإصدار الحكم مقابل كفالةٍ ماليّةٍ متدنّية، في مشهدٍ رأوا فيه نموذجًا فجًّا للفارق بين من تفتح له أبواب العدالة سريعًا، ومن تغلق في وجهه لسنواتٍ طوال.
.. سخطٌ متراكم
منذ اللحظة الأولى، تمحور اعتراض السّجناء حول هذه المقارنة تحديدًا. فبحسب مدير مركز "سيدار" للدّراسات القانونيّة، المحامي محمد صبلوح، فإنّ غالبيّة هؤلاء السّجناء أوقفوا أصلًا "بتهم إرهابٍ فضفاضة"، واستخدمت في حقّهم توصيفاتٌ واسعة وملتبسة شدّدت الملاحقات والأحكام، فيما يحاكم آخرون في ظروفٍ مشابهة بسرعةٍ لافتةٍ وبتساهلٍ ظاهر.
ويقول السّجناء، في أحاديثهم، إنّ كثيرين منهم اعتقلوا في مراحل سابقة على خلفيّة الانخراط في الثّورة السّوريّة أو التّعاطف معها، بينما كان "حزب الله" يشارك علنًا في القتال داخل سوريا، من دون أن يواجه بالمقاربة القضائيّة نفسها. ومن هنا، بدا القرار الأخير بالنّسبة إليهم أكثر من مجرّد حكمٍ قضائيّ، إذ أعاد فتح جرحٍ قديم يتّصل، في نظرهم، بازدواجيّة المعايير في التّوقيف والملاحقة والمحاكمة.
من الثّورة السّوريّة إلى حظر النّشاط العسكريّ
السّياق الّذي يضعه صبلوح لا يقتصر على المقارنة بين ملفّات السّجناء الإسلاميّين وعناصر "حزب الله" في الماضي، بل يمتدّ إلى الحاضر أيضًا. فبحسب قراءته، فإنّ نشاط الحزب العسكريّ بات اليوم، في ضوء قرار مجلس الوزراء، غير قانونيّ داخل لبنان. وهذا يعني أنّ المسألة لم تعد مرتبطة فقط بحيازة سلاحٍ غير مرخّص، بل بطبيعة النّشاط نفسه، وبالغطاء القانونيّ الّذي لم يعد قائمًا كما كان في السّابق.
لذلك، يرى المعترضون أنّ إخلاء سبيل العناصر الثّلاثة بهذه السّرعة، بعد توقيفهم على خلفيّة واضحة تتّصل بالنّشاط العسكريّ، لا يمكن فصله عن بنيةٍ أوسع من الاستنسابيّة القضائيّة. وفي المقابل، لا يزال كثيرون في السّجون يواجهون سنواتٍ من الانتظار، أو محاكماتٍ متأخّرة، أو أحكامًا مشدّدة، على خلفيّة ملفّاتٍ أقلّ وضوحًا أو أكثر التباسًا.
الغضب يتجاوز القرار القضائيّ
لكنّ ما فجّر المشهد داخل روميّة لم يكن هذا القرار وحده. فالغضب المتراكم في السّجن تغذّيه، منذ أشهرٍ وسنوات، أسبابٌ أخرى لا تقلّ حدّة. وفي مقدّمتها واقع الاكتظاظ، وطول أمد التّوقيف، وتأخير المحاكمات، وسوء الأوضاع المعيشيّة والصّحّيّة، والنّقص في الغذاء والدّواء، فضلًا عن عجز كثيرٍ من الأهالي عن زيارة أبنائهم بسبب الأزمة الاقتصاديّة الخانقة.
إلى ذلك، جاء التّمديد للمجلس النّيابي ليصبّ زيتًا إضافيًّا على نار الاحتقان. فالسّجناء الّذين كانوا ينتظرون أيّ مبادرة تشريعيّة تخفّف عنهم، سواء عبر معالجة الاكتظاظ أو تخفيض السّنة السّجنيّة أو وضع سقفٍ زمنيٍّ لأحكام المؤبّد والإعدام، وجدوا أنّ المجلس مدّد لنفسه، من دون أن يمدّ يده إلى ملفّهم. وفي نظرهم، لم يكن ذلك تفصيلًا سياسيًّا، بل رسالةً قاسيةً جديدة مفادها أنّ قضيّتهم مؤجّلة دائمًا، وأنّ أعمارهم يمكن أن تبقى معلّقةً في الزّنازين بلا أفق.
في بيانهم الّذي حمل عنوان "من سجناء روميّة إلى الدّولة اللّبنانيّة"، لم يكتفِ السّجناء بتوصيف مظالمهم، بل وجّهوا تحذيرًا واضحًا من انفجار السّجون. وقالوا إنّهم حذّروا مرارًا من نتائج الظّلم المستمرّ، ومن غياب الحلول الجذريّة الّتي تنصفهم وترفع عنهم الغبن. وأكّدوا أنّهم حاولوا مرارًا إيصال صوتهم بهدوءٍ وعقلانيّة، لكنّهم لم يجدوا سوى الإهمال والتّسويف والمماطلة.
وأشار البيان إلى أنّ التّمديد للمجلس النّيابي، في مقابل العجز عن إيجاد حلٍّ لقضيّتهم، شكّل استكمالًا لمسلسل الظّلم والجور بحقّهم. كما شدّد على معاناتهم من نقص الغذاء والدّواء، ومن الاكتظاظ الشّديد وانتشار الأمراض، ومن العجز المادّي الّذي يمنع كثيرًا من الأهالي من زيارة أبنائهم. وطالبوا بإقرار قانون العفو العام، أو بالإسراع في إقرار قانون تخفيض العقوبات، عبر تحديد السّنة السّجنيّة بستّة أشهر لمرّةٍ واحدة، ووضع سقفٍ زمنيٍّ لأحكام المؤبّد والإعدام، وإخلاء سبيل من أمضى عشر سنواتٍ سجنيّةً موقوفًا من دون محاكمة.
وهنا يُعتبر صبلوح أنّ السّجناء "غاضبون من الازدواجيّة الّتي يعتمدها القضاء، وتحديدًا مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة". وبحسبه، فإنّ المطلوب اليوم ليس فقط الاعتراض على قرارٍ بعينه، بل الذّهاب إلى مساءلةٍ جدّيّةٍ للمسار القضائيّ الّذي أنتج كلّ هذا التفاوت، وصولًا إلى إحالة مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة إلى التّحقيق وإعفائه من مهامه.
