جنوب الليطاني… عاد إلى وحدته ووحشته

حسن فقيهالأحد 2026/03/08
Image-1772969941
لم تخلُ منطقة جنوب الليطاني بشكل كامل من الجنوبيين. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

قرى عادت وحيدة من جديد. غاب ضجيجها، وتمضي ليالي رمضان فيها موحشة، تحيي ليالي قدرها على وقع الغارات والاعتداءات الإسرائيلية. هنا، قرى جنوب نهر الليطاني.

أسبوع تقريباً مرّ على توسّع العدوان الإسرائيلي على لبنان، بعد إطلاق الحزب الصواريخ باتجاه مدينة حيفا، ردّاً على خرق اتفاق وقف إطلاق النار وانتقاماً لجريمة اغتيال المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي. لكن ليل السبت ـ الأحد كان الأقسى؛ إذ سقط عدد كبير جداً من الشهداء بعد اعتداءات طالت عشرات القرى في جنوب لبنان.

أربعة شهداء في جبال البطم، وثمانية في تفاحتا، وثلاثة في الشرقية، وشهيدان في الشعيتية، وثلاثة في صريفا ومثلهم في الصوانة، وأربعة في عيتيت، وثلاثة في القنطرة، وشهيدان في كونين ومثلهم في كفررمان وحداثا وعدشيت القصير وخربة سلم، وثلاثة شهداء في الطيبة، وتسعة عشر شهيداً في صير الغربية، وأربعة شهداء في قانا.

حصيلة غير عادية؛ ما يفوق سبعين شهيداً خلال أربعٍ وعشرين ساعة. إسرائيل تضغط لتهجير المدنيين، وتريد جنوب الليطاني فارغاً، لأن مخططها يقضي بالوصول إلى أكبر عمق ممكن داخل الجنوب للضغط على حزب الله.

 

صور… مدينة لا تهزمها الحرب

في طريقنا إلى قانا مررنا بمدينة صور، المدينة التي لا تهزم الحرب سكانها ولا تقوى عليها الأزمات. نزح منها عدد كبير، لكن بقي فيها كثير من أهلها وناسها، كما لجأ إليها نازحون أيضاً من القرى الأمامية. ولا تزال زحمة "البص" حاضرة، حيث يفتح السوق التجاري أبوابه فيقصده المواطنون لتأمين إفطارهم وحاجياتهم.

في الطريق إلى عين بعال تبدو البلدة كأنها يتيمة؛ قلة ممن بقوا فيها. منهم فتاة تأبى أن تغادر، تتجول في أزقة البلدة، ورجال تجاوزوا الخمسين من عمرهم ولا يستطيعون الابتعاد عنها. وكذلك هو الحال في حناويه؛ فعلى عدد أصابع اليد الواحدة أستطيع عدّ من صادفتهم في طريقي.

تبدو الطريق هنا موحشة ومخيفة، وصوت الطائرات الحربية في سمائها لا يفارقها أبداً.

 

قانا… الذاكرة التي لا تنطفئ

إلى أن وصلنا إلى قانا. قانا الجليل. قانا التي تعرّضت لأبشع مجازر الاحتلال يوماً، وما زالت. قانا التي قيل فيها إنها ثالث الحرمين وثالث القبلتي واخر ليالي القدر.

في آخر ساعات الليل، وقبيل الفجر بقليل، استهدفت غارة منزلاً ملاصقاً لمبنى البلدية تماماً، ما أدى إلى استشهاد أربعة أشخاص وجرح اثنين آخرين، وتدمير المكان بشكل كامل وتضرر الأبنية الملاصقة، ومنها مبنى البلدية.

لم يُعلن عن أسماء الشهداء بعد؛ فهناك جهة مختصة بذلك، ونظراً للحساسيات الأمنية. تفقدنا المكان، وكان الركام يملؤه. العدو يستخدم أسلحة ثقيلة جداً في قصفنا، ولا تكاد تترك فرصة للنجاة.

قابلنا مسعفاً في جمعية الرسالة للإسعاف الصحي، أحمد حيدر، الذي انتشل بنفسه الشهداء. قال: كنت أستعد لأغفو قليلاً عند الفجر، فنحن نصل الليل بالنهار دون نوم، وسمعت "شخرة" الصاروخ. هرعنا سريعاً للتفقد حتى عرفنا مكان الاستهداف، فتوجهنا فوراً إلى الموقع.

استطعنا إنقاذ شخصين ونقلهما إلى مستشفى جبل عامل، ووجدنا أشلاء الشهداء. كانت الغارة عنيفة جداً، كما يصفها أحمد، وتشبه في قسوتها معظم الغارات التي يتعرض لها الجنوب، وكذلك الضاحية وبيروت.

ويضيف: نداوم أربعاً وعشرين ساعة في المركز. لم نغادر في تموز 2006، ولم نغادر في أيلول 2024، ولن نغادر هذه المرة أيضاً.

أما ما تقوم به جمعية كشافة الرسالة الإسلامية "الدفاع المدني" في الجنوب فهو عمل جبّار. هذه الجملة لم يقلها أحمد، بل نحن الذين نواكب حياة الجنوبيين والقرى نقولها. فلن تجد قرية في جنوب لبنان لا يوجد فيها مسعفون مستعدون لنجدة أبناء بلدتهم وغيرها، ولتأمين وسائل الحياة لمن بقي في هذه القرى؛ تلك القرى التي ما زالت إسرائيل تحاول سرقة الحياة منها، مهما حدث.

 

الجنوب… سؤال البقاء

غادرنا المكان المستهدف وتوجهنا نحو السيارة. صادفت امرأة مع رجل كفيف. سلّمت عليهما. كانت تحمل بعض الخضروات وتسير بهدوء. سألتها: لماذا لم تغادري؟ فأجابت: "لوين منّا نروح؟". وهي حال معظم أبناء الجنوب؛ فمنهم من يفترش الطرقات، ومنهم من ينام في سيارته، ومنهم من يلجأ إلى شاطئ البحر والكورنيش.

غادرنا قانا ومررنا قليلاً بصديقين، وهي تقع على عمق أكبر. المرور من ذلك الموقع خطير. ليست خالية بنسبة مئة في المئة، لكن القليل جداً من يتواجد فيها. من النادر أن تصادف أحداً في الشارع، وإذا أردت الاستفسار أو السؤال فعليك أن تقصد مركز كشافة الرسالة هناك، إذ ما زال يفتح أبوابه.

عدنا أدراجنا. الطريق خالية وموحشة. نسير بسرعة، وفوقنا المسيّرات والطائرات الحربية التي لا تميّز بين صحفي ومدني وعسكري.

رصدنا حال القرى هناك، في المنطقة التي تردد اسمها أكثر من أي منطقة أخرى في لبنان في الفترة الأخيرة: جنوب الليطاني. طبعاً ليس كل أنحاء المنطقة، فالقرى الحدودية يدخلها العدو الإسرائيلي، وتتعرض تحشداته لصليات من المقاومة.

نعم، حسب ما رأيناه بالعين، لم تخلُ منطقة جنوب الليطاني بشكل كامل من الجنوبيين، لكنها خلت بنسبة تسعين في المئة تقريباً. تنتظر عودة أبنائها، أبناء الأرض وأبناء ترابها. تنتظر عودة تتمنى ألا تطول، وأن يطول بعدها البقاء.

فقد تعب الجنوبيون من التهجير والقتل والتشريد والعدوان. تعبوا من جراح لم تُبلسم بعد، وكأن كل آلام الوطن تتركز في الجنوب.

وهل من وطن من دون الجنوب أصلاً؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث