عندما تكتب نار الحرب نصّ اليوميّات الاجتماعية، يصير الردّ المنتظر من المستهدفين بالنار، من جنس نصّ اليوميات الناريّة ذاتها. واقعٌ في مواجهة واقع، وإجراءٌ في مواجهة إجراء، وسياسات في مواجهة سياسات.
فُرضِتْ الحرب على لبنان، هكذا وبكلامٍ عارٍ من دون تَوريةٍ ولا إضمار. الفرض جاء استطراديّاً، كما هو معلوم، وتداعياته انفجار بالعدوى، أو انفجار على الجوار، بعد أن استفاقت إيران على هجوم كانت تظنّ أنها تحاشته بدبلوماسية "النفس الطويل".
ثمّة فرق واضح بين "الفرْضين" الإيراني واللبناني، ففي طهران له طابع الجبر واللاخيار، بعد أن بادرت أميركا وإسرائيل إلى العدوان، وهو في بيروت فعل اختيار متحرّر حتى من طابع الاضطرار. في طهران، ظنّ الساسة أن المحاور في طريقه إلى استبعاد العملية العسكرية، وفي بيروت راود الساسة ظنّ استجابة أهل السلاح إلى الضرورات اللبنانية، التي تملي حياد لبنان وتحييده عن تداعيات انفجار الأعمال الحربية. خالف الواقع الظنّ الرسمي الإيراني، وخالف الواقع الظن الرسمي اللبناني، ومعه سائر الظنون المتفائلة الشعبية.
استعادت الحرب لغتها، لدى الأميركي اللغة برنامج عمله، وأسلوب تحركه، وحقيقة أهدافه... على الطريقة نفسها، اللغة لدى الإسرائيلي تجمع بين خطته الأصلية، وما تتيحه له الظروف السياسية الطارئة. جملة القول: استفاد التحالف الأميركي- الإسرائيلي من لحظة عدم استيعاب السياسة الإيرانية معنى وأبعاد اللحظة العالمية الجديدة، واستفادت إسرائيل على وجه التحديد، من عدم تقدير "المقاومة الإسلامية" في لبنان، للخطورة العظيمة التي انطوت عليها مبادرتها إلى فتح الجبهة اللبنانية أمام انفلات الآلة العدوانية.
في سياق اللغة، استعادت المقاومة الإسلامية، خطاب الفرضيّات النظرية، لتبني عليها ممارستها اليومية العملية. لا تغيير على هذا الصعيد. واستعادت خطاب الدولة ومسؤوليتها، وطالبت الجميع بالقيام بواجباتهم حيالها وحيال الأهل الذين شرّدتهم الحرب غير "الإضطرارية"... ولا تغيير على هذا الصعيد.
ثمّ كان خطاب التعبئة، والدفاع عن كل لبنان، والتنبيه من المؤامرة المبيَّتة، ومن أطماع العدو وأطماع الاستكبار العالمي... ولا جديد على هذا الصعيد.
ببساطة عملية، كل ما أوردته نصوص المقاومة الإسلامية، بعد أن فتحت حربها الجديدة، لا يناقش الموضوع، بل يحيد عنه، وكل خطاب من خطابات مسؤوليها، لا يقول أين الخلاف، بل يهرب من تعيين موضوعه. ببساطة عملية، الخلاف مع المقاومة الإسلامية، ومع جناحها السياسي هو في إدارة السياسة حول كل موضوع من المواضيع، وهو في الموقف من إعادة بناء البلد، وهو في الموقف من طيّ صفحة الارتباطات الخارجية، وهو في الموقف من كيفية إعادة انخراط "الشيعيّة" السياسية في ورشة إعادة البناء الوطنية.
في الترجمة، وكي لا يضيع التحديد في التعميم، نطرح أسئلة، وكل سؤال منها يوحي بجوابه. مثلاً: هل الخلاف حول الموقف من العدوانية الإسرائيلية؟ وهل الخلاف حول وصف الاستعمارية الأميركية؟ وهل الخلاف حول الدفاع عن لبنان وحول تأمين حصانته الوطنية؟ وهل الخلاف حول ضرورة إعادة بناء الوحدة الوطنية؟ هذه أمثلة من أمثلة كثيرة، والإجابة عنها تباعاً، بالتفصيل المدقّق متاحة، لكن اختصاراً، ولعدم الوقوع في التكرار، يكفي جمع الأجوبة كلها في سؤال واحد، هو الجواب: إن الخلاف مع مرافعات المقاومة وجناحها السياسي مضمونه جملة واحدة هي: كيف نقوم بذلك؟ إذن الخلاف عملي ملموس، وليس تلحيق نظري افتراضي. نريد حماية لبنان؟ كيف، هذه الـ"كيف" ترفض المقاربة الأحادية التي يحملها أهل السلاح، بحيث يصير الشرح بمثابة بلاغ أو إعلان أو تعميم، وعلى طريقة "الحاضر يُعْلِمُ الغائب".
خلف كيف، تكمن الردود، وعليه، تصير كيف السلاح وأهله غير مقبولة أو مرفوضة، أو متجاوزة على الواقع، أو قهرية لا تقيم اعتباراً لأحكام التشكيلة الداخلية اللبنانية.
مخاطبة الحاضر بتراث الماضي، أقصر الطرق لتخريب الحاضر ولفرط ميثاق الماضي. عندما يُقال "أهلنا وناسنا وشعبنا"، بلسان خطيب المقاومة، يتبادر إلى الذهن سؤال: أي أهل وأي ناس وأي شعب! فإن كان المقصود عموم اللبنانيين، وجب الوقوف على الرأي الغالب لديهم، وإن كان المقصود بالشعب والناس والأهل فئة مذهبية بذاتها، وجب السؤال، كيف يؤخذ عموم اللبنانيين بجريرة موافقة فئة منهم! هذا يطرح العودة إلى لبّ الموضوع، إذا كان الخطاب عامّاً، ويجب أن يكون، وجب النزول على إرادة العامّ، ووجب الاحتكام إلى ضرورات خياراته، ووجب تكييف كل خصوصية معه، هذا إذا أراد صاحب الشعارات المتعدّدة، أن يكون طرفاً أصيلاً في استعادة "الكينونة" الوطنية من بابها إلى محرابها. مؤسف القول، إن ما تحمله اليوميّات مخالف لما يلقى على الناس من كلمات، ومؤسف القول، إن المخالفة الفئوية كانت سبباً في فتنة داخلية "ذات يوم"، وجرّت معها حرباً أهلية، وهي، أي الفئوية المخالفة، قد تكون سبباً داهماً في فتح الباب أمام افتراق لبناني واسع، يسلك دربه السلمية، من دون استعادة لغة وأفعال الحرب الأهلية الماضية. هل هذا متجاوز على الواقع؟ ننتظر من يقدم دليلاً على ذلك. وهل هذا يحاكي الواقع واقعيّاً؟ اسألوا، وسيجد السائلون أكثر من دليل أهلي، وأكثر من دليل مناطقي، وأكثر من دليل حتى ضمن "الطائفة المقاتلة" ذاتها.
في إحالة ذلك إلى الحالة العملية السياسية، يتقدم مطلب وقف الحرب على لبنان على كل المطالب. مدخل المطالبة، توقف إطلاق النار من لبنان على الداخل الإسرائيلي، والاحتفاظ بموقف الدفاع عن الأرض اللبنانية، في حال تقدم القوات الإسرائيلية إليها.
وقف النار من جانب واحد؟ نعم، وهذا لا يدعو للاستغراب، لأن لبنان ما زال على تلك الحال، منذ توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية سنة 2024. أين يقع الفرق اليوم؟ سبق التقديم أن موقع الفرق هو في الانضمام إلى الحرب الإيرانية من موقع إسنادها انطلاقاً من أرض لبنان. لقد كان مفهوماً أكثر، أن تردّ المقاومة قبل اليوم، داخل أرضها، وبشكل دفاعي، وليس مفهوماً أن تتذكر العدوان اليوم، فتدرجه في سياق إسناد آلة الحرب الإيرانية. مثل آخر هنا فرض نفسه في سياق الأسئلة، هل الاعتداء على إيران مقبول؟ الجواب بالنفي. هل نتضامن مع المعتدى عليه ضد المعتدي؟ الجواب نعم. السؤال كيف؟ عدنا إلى كيف التي تشكل فيصلاً بين جواب عاقل ومعقول، وبين جواب يقفز فوق كل معقول، ودائماً ضمن سياق الالتزام بالموجبات الوطنية اللبنانية.
تتمة السياق هذا، سياق وقف الحرب، والالتزام بالموقف الدفاعي فوق الأرض اللبنانية، وضمن حدودها فقط، هو من واجب ومسؤولية الدولة اللبنانية، وهي مرجعية الخطة الكفيلة بذلك، وإليها وإلى المؤسسات المدنية والعسكرية، يعود أمر التنفيذ.
في مواكبة بناء المسار السياسي هذا، الفرضيّة الغالبة وطنيّاً، هي فرضية الاستجابة "الأهلية" بالدعم والمؤازرة، لذلك، وكي تكون "الأهلية" أهلاً للاستجابة، وبانيةً لها، ومواكبة لسيرها وسياقها، لكل ذلك، يجب إسقاط الخطاب العدائي الذي حوّل "المقاومة الإسلامية" إلى عدوّ في زمن الحرب، هذا الخطاب يجب نفيه من السجال اليومي، مثلما يجب منعه ومحاسبة من يدلي به، لأنه خطاب فتنة، وخطاب تشجيع للإسرائيلي كي يتمادى في عدوانه.
بالتلازم، وجنباً إلى جنب، يجب إسقاط الخطاب التخويني العدائي الذي حوّل كل معارض "للمقاومة" أو معترضٍ عليها، إلى عدوٍّ في زمن الحرب أيضاً، ويجب إخضاع هذا الخطاب لكل الإجراءات التي تضع حدّاً "لزميله" في إذكاء الفتنة بين اللبنانيين.
وممّا تجدر الإشارة إليه، والتشديد عليه، هو أن "الشيعيّة" تؤخذ من داخلها، وليس من منابر الجمعيات المُدنية، ولا من منابر الحزبيّات العاجزة، في هذا المضمار تقع على عاتق رئيس مجلس النواب مهمّة إنقاذ الشيعية من "تغريدها" خارج السرب، هذا الإنقاذ يعادل إعادة إدراج الطائفة كلها في مسارها الكياني الذي كان لها، ويعيدها إلى تراثها الغني الذي أكلته "العسكرة"، فجعلت الطائفة أحادية المورد، وأحادية الخطاب. اليوم قبل الغد: إنقاذ الطائفة من شرنقة عسكرتها، ففي ذلك إنقاذ لكل لبنان.
