الجيش اللبناني أمام تحدٍ مصيري.. هل بدأ مهمته فعلاً؟

جورج حايكالجمعة 2026/03/06
Image-1772712356
هناك صعوبات ومخاطر عديدة تواجه الجيش اليوم، ولا سيما خطر التصادم مع الحزب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتجه الأنظار إلى الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية المكلَّفة تطبيق قرار مجلس الوزراء الذي صدر في 3 آذار الجاري، وقضى بحظر النشاط العسكري لحزب الله. وهو قرار جريء وحسّاس في هذه اللحظة الإقليمية والمحلية المتفجّرة، وخصوصاً بعدما دخل الحزب في الحرب إلى جانب النظام الإيراني عبر إطلاقه ستة صواريخ باتجاه إسرائيل، فقامت الأخيرة تلقائياً بالردّ على نحو عنيف، ولا تزال حتى اليوم.

من المؤكّد أن الجيش اللبناني مُلزم بتطبيق قرار مجلس الوزراء، وعيون السلطة السياسية والشعب اللبناني والمجتمع الدولي والإدارة الأميركية، وإسرائيل خصوصاً، على مستوى الجديّة التي سيتعامل بها الجيش مع القرار. علماً أن الصورة لا تزال ضبابية قليلاً، وتحتاج إلى وضوح يعزّز المصداقية. فماذا يحصل على الأرض؟

يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "الجيش بدأ فعلاً تنفيذ قرار الحكومة عبر توقيف عناصر من حزب الله الذين يمرّون على حواجزه من بيروت إلى الجنوب أو بالعكس، وقد بلغ عدد هؤلاء ما لا يقل عن 20 مسلّحاً". ومن المؤكّد أن وزير الدفاع ألغى كل تراخيص حمل السلاح التي كانت تُمنح سابقاً، ويُعمل بموجب هذا الإجراء. وبالتالي فإن كل من سيتنقّل بسلاحه المحظور ويستعمله خلافاً لقرار مجلس الوزراء سيتعرّض للتوقيف. لكن ما ليس واضحاً هو عدم صدور أي بيان من مديرية التوجيه في الجيش اللبناني أو من العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي.

من جهته، اعتبر الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية العميد المتقاعد خالد حمادة أن قرار الحكومة أحدث فارقاً نوعياً منذ أيام عبر استعمال مفردات لم تكن مألوفة سابقاً، أهمها اعتبار الحزب خارجاً عن القانون وحظر نشاطه العسكري. لكن لغاية الآن لم نرَ على الأرض ما يوازي تصميم الحكومة على تغيير مسار التعاطي مع الحزب. وتوقيف الجيش اللبناني لبعض النازحين الذين يحملون سلاحهم الفردي على الحواجز لا يُعبّر عن روح ما قررته الحكومة. والمطلوب أن يذهب الجيش إلى منطقة شمال الليطاني وأن يتخذ إجراءات فعّالة، بمعنى السيطرة على مواقع الحزب ومصادرة الأسلحة وتوقيف كل من يقوم بنشاط مشبوه أو أي نشاط ذي طابع عسكري.

ويلفت حمادة إلى أن هذا الأمر يجب أن يترافق مع تغطية إعلامية، لكن بكل أسف لا جديّة حتى الآن، إذ لم نرَ أي إجراء ينسجم مع قرار الحكومة.

من الواضح أن هناك صعوبات ومخاطر عديدة تواجه الجيش اليوم، ولا سيما خطر التصادم مع الحزب. لكن ملاعب يشير إلى أنه بعد قرار مجلس الوزراء وتلاوته من رئيس الحكومة نواف سلام شخصياً، أصبح هذا الأمر وراءنا، ويجب أن يُطبَّق القرار بجميع الوسائل المطلوبة. وقرار الحكومة هو غطاء كافٍ للجيش. أما التفاصيل على الأرض فيجب أن تصدر بمذكرة داخلية تُعمَّم على القوى العسكرية كأفواج المكافحة والمغاوير ومديرية المخابرات، تشرح كيفية ضبط الأسلحة وما هي الآلية والقطع العسكرية المولجة بالتحقيق، وتدابير إحالة العناصر المسلّحة أمام المحكمة العسكرية.

 

مهلة لتسليم السلاح 

ورغم المخاطر والمعوّقات، يوضح ملاعب أن قرار الحكومة كان قوياً وليّناً في آن معاً: قوياً بمفاعيله وينبغي وضعه موضع التنفيذ، وليّناً لأنه دعا إلى تسليم السلاح. وهذا يعني أن الخط لا يزال مفتوحاً بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وقيادة الحزب، ما يسمح بإعطاء مهلة معيّنة لتسليم السلاح، وأن يعتمد الجيش مبدأ القضم من خلال السيطرة على منطقة تلو الأخرى. وأنا أتوقّع أن تحدث جلبة في بعض المناطق كما حصل في الهرمل منذ أكثر من شهر، عندما ثار الأهالي في وجه الجيش خلال مداهمته لمهرّبين، والتعاطي بحزم مع الموضوع يفتح المجال لتطوير الخطط المستقبلية.

أما حمادة فبدا أكثر تشاؤماً قائلاً:"أظن أن القوى الأمنية لم تخرج من حالة المساكنة التي عاشتها طوال الفترة السابقة مع الحزب، ولا يبدو أن هناك نيّة لدى هذه القوى، من جيش وغيره، للذهاب ومصادرة هذه الأسلحة ولإعطاء مصداقية للقرار السيادي الذي اتخذته الحكومة بكامل وزرائها وبحضور رئيس الجمهورية. وأقل ما يمكن أن يحصل لمزيد من الجديّة هو تشكيل لجنة وزارية تضم الوزراء أصحاب العلاقة لمتابعة يومية لما يجري وتسليط الضوء عليه، لأن ما يحصل حتى الآن من توقيفات لا يعبّر عن روح المهمّة".

إذاً يواجه الجيش تحدياً كبيراً ويُنتظر منه إجراءات جديّة. ويؤكّد حمادة أنه إذا أخفق الجيش فسينعكس ذلك على كل لبنان، لأن الحكومة قد تخسر الصدمة التي تريد إحداثها أمام اللجنة الخماسية والمجتمع الدولي، كما ستخسر إمكانية لجم العدوانية الإسرائيلية. وسيزيد ذلك من مساحة الحرية التي اختطفتها إسرائيل بعد إطلاق الحزب صواريخه، وسيدخل لبنان في حلقة تدميرية لا تنتهي.

وخلافاً لتقديرات البعض التي تعتبر أن الجيش غير قادر على نزع سلاح الحزب، يقول حمادة :"إن الجيش قادر على ذلك، والكلام عن انقسام داخل الجيش لا قيمة له، لأن العناصر التي تنتمي إلى الطائفة الشيعية الكريمة داخل الجيش ليست وديعة للحزب، وبالتالي ليس هناك خوف من أن ينقسم الجيش. هذا كلام للتهويل. ويجب أن يقوم الجيش بمهامه، كما يجب أن تمارس القوى الأمنية الأخرى دورها، وعلى الحكومة مراقبة ومتابعة تنفيذ القرار بجدية، وإلا سنصبح جزءاً من الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وسنشهد المزيد من القتل للبنانيين. وأظن أن رئيسَي الجمهورية والحكومة يجب أن يكونا ضنينين بالشعب اللبناني أكثر من الخوف على الحزب، فمهمة الحكومة حماية اللبنانيين لا التسويق للحزب لدى المجتمع الدولي وجعل قرارات الحكومة تتناسب مع ما يريده هذا الحزب".

 

المساعدات الأميركية للجيش

في المقابل، يوضح ملاعب أنه ليس منطقياً لأي عنصر من الجيش أن يترك وظيفته ليلتحق بمنظمة أصبح وضعها صعباً مع تجفيف أموالها وما يحصل مع "القرض الحسن"، وهي في وضعية أفول. كما أن لحزب الله مصلحة في أن يكون هناك عناصر محسوبون عليه داخل الجيش أكثر من دفعهم إلى الانفصال عنه.

ومن المتوقّع أن يكون لكل ذلك انعكاسات على مساعدات الأميركيين للجيش اللبناني، وخصوصاً إذا لم يُنفَّذ قرار الحكومة كما يجب. لكن ملاعب يلفت إلى أن كلام إسرائيل بأن الصواريخ أُطلقت من جنوب الليطاني كان سينسف كل ما فعله الجيش طوال عام ونصف، وكان سيؤدي إلى خسارة ثقة المجتمع الدولي. لكن إعلان رئيس الجمهورية لاحقاً أمام "الخماسية" أنها أُطلقت من شمال الليطاني أعاد ثقة الدول الداعمة إليه، وهذا أمر مهم جداً.

ويشير إلى أن خطر خسارة الجيش للدعم الدولي لا يزال قائماً، وخصوصاً إذا تراخى في تطبيق خطة حصر السلاح في شمال الليطاني، وهو مدعو إلى تنفيذها فوراً، فالدعم الأميركي وغيره مرتبطان بما سينجزه.

ويختم حمادة بأن الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر دعم الجيش لم تكن مشجّعة وقد تم تعديل تاريخه، والمؤسف أنه إذا لم يقم الجيش بما يجب القيام به فلن تكون هناك مساعدات، لأننا اليوم تحت المجهر الدولي. فإما أن نذهب بجدية لاستعادة الدولة، أو لن يتعاطى أحد مع لبنان كدولة ذات سيادة أو سلطة تستحق الاحترام.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث