خريف 1948. لبنان خارجاً من انتداب فرنسي. الجنوب المنكوب على حاله، جزء من المنطقة التي كانت تعيش على فكرة اسرائيل المستجدّة، وعلى الحروب العربيّة الإسرائيليّة في بداية سيرتها. الحدود الجنوبيّة تتقدّم وتتراجع تبعاً لحركة الجيوش المتناحرة.
31 تشرين الأول 1948. قوة إسرائيلية في بلدة حولا الجنوبية. العمليّة اسمُها "حيرام" استهدفت الجليل الأعلى وامتدّت إلى القرى الجنوبيّة المحاذية لفلسطين المحتلّة. سيطرَ الاسرائيليّون على البلدة بعدما جَمَعوا عدداً من رجالها في ساحتها وقاموا بإعدامهم ميدانياً. تختلف الروايات في عدد شهداء مجزرة حولا بين 35 و58، لكنّ ما هو ثابت أنّ حولا شهدَتْ أولى مجازر الإسرائيليين في لبنان.
مجزرة حولا تخطَّت فكرة أن تكون مجرّد حادثة دموية في قرية جنوبيّة نائية. المجزرة إلى الآن تجسِّد أول احتكاك مباشر بين إسرائيل ولبنان الذي نال استقلاله حديثاً.
أمّا فترة الستينيات، فقد شهدتْ شيئاً من الهدوء النسبي الظاهر، لكنها بالرغم من ذلك كانت غنية بالاحتكاكات المحدودة على الحدود الجنوبية. إذ شهدت تبادلات لإطلاق النار بين فصائل فلسطينية وقوات إسرائيلية، إضافة إلى عمليات استهداف متفرقة وتشديد حدّة المراقبة الإسرائيلية. شهدت هذه السنوات أيضاً، بدءَ رحلة التبلور التدريجي للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، في الوقت الذي كانت إسرائيل تختبر قدرتها على ضبط الحدود من دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة. باختصار شكّلت الستينيات مرحلة تراكمية في الصّراع أو مرحلة مهدت الطريق للاجتياحات الكبرى في السبعينات والثمانينات.
اجتياح 1978
ثلاثون عاماً بعد حولا. آذار 1978. الاجتياح الأول المنظّم من خلال عملية على نهر الليطاني. الذريعة الإسرائيليّة كانت أنّ عمليّة فلسطينية تمّت في الداخل الإسرائيلي. ولكن التدقيق قليلاً يكشفُ أنّ الهدف الذي أضمرهُ الإسرائيلي يتجلّى في إبعاد منظمة التحرير نحو 40 كيلومتراً شمال الحدود مع الجليل المحتل.
لبنان آنذاك في قلب الحرب الأهلية. دولة مفككة بالمعنى السيادي والعسكري. القوات الإسرائيلية تتقدَّم بسرعة مهولة، وتفرض واقعاً ميدانياً جديداً. مجلس الأمن يصدر القرار 425، والمجتمع الدولي ينشئ قوات اليونيفيل لتثبيت الانسحاب. إسرائيل تنسحب شكلياً، لكن نفوذها يبقى من خلال ميليشياتٍ محلية ستشكِّلُ لاحقاً نواة الشريط الحدودي.
يدخلُ الجنوب اللبناني مرحلة جديدة بالغة التعقيد أمنياً. مرحلة تسودُها عناوين ثلاث: الحضور الأممي، النفوذ الإسرائيلي غير المباشر، والوجود الفلسطيني المسلح. الجملة باختصار تقول إنّ الجنوب لم يتحرّر فعلياً.
حاولت إسرائيل منذ 1978 إنتاج منطقة عازلة، بعيداً من سرديّة الاحتلال الشامل الذي كانت تنوي عليه. لكنّ فشل إنشاء هذه المنطقة أكّد نظريّة أنّ أيّ توغّلٍ في لبنان يتحوّل سريعاً إلى بطاقة دوليّة. بطاقة دوليّة هي عُرضة للحديث والنقاش خارج فكرة معالجة أصل الصراع، وبيّنت أيضاً أنّ ملف الصراع أعقد من أن يُحسم بخط عسكري على الخريطة.
1982: المشهد نفسه
حزيران 1982. المشهد نفسه. الفارق فقط في العناوين، قررت إسرائيل آنذاك أن يكونَ عنوان الاجتياح هذه المرّة "سلامة الجليل". الهدفُ المعلَن الذي صرّحت عنه يتجدّد ويتلخّص بأربعين كيلومتراً. مرّة أخرى الوقائع تتعدّى وتتجاوز السقف المعلَن. أيام معدودة فاصلة عن تقدُّم الدبابات الإسرائيليّة نحو بيروت. بيروت الغربيّة محاصرة لأسابيع في انتظار خروج منظمة التحرير الفلسطينيّة من لبنان إلى تونس.
محاولة إسرائيليّة صريحة لإعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي. محاولة لإنتاج سلطة "حليفة" في لبنان قادرة على ضبط الحدود من الداخل اللبناني نفسه. بناء عليه كان التدخل العسكري الذي عُدّ أكبر تدخل عسكري إسرائيلي في لبنان. الحسابات الإسرائيليّة في مكان والميدان في مكان آخر. لم تمشِ الأحداث وفق المخطط. تصاعدت حركات وعمليّات المقاومة المسلحة في الجنوب والضاحية. كما شهدَت المرحلة سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات نقلتْ، خلال سنوات قليلة، الاحتلال من خانة المشروع المخصّص لإعادة الترتيب السياسي وحوّلته إلى عبء استنزافي. وتكلّل ذلك بانسحاب العام 1985، الذي نتجَ عنه خروج إسرائيل من معظم الأراضي، وتمركزها في المنطقة الأمنية.
قراءة اجتياح 1982 تثبت أنّ الاجتياح الكبير الذي يحصل في بلد مثل لبنان سمحَ بإسقاط خصمٍ وإخراجه من المعادلة، لكنّه في الوقت نفسه ولّد خصماً آخر. هكذا في لبنان، لا يدومُ الفراغ السياسيّ طويلاً، والقوة العسكرية تغيّر شيئاً في تركيبة المشهد، لكنها تتكلّف في المقابل بكلفة طويلة الأمد.
رحلة الشريط الحدودي
الفترة الممتدة بين 1985 و 2000. نقلت الجنوب اللبناني إلى مرحلة العيش تحت وطأة الشريط الحدودي. مساحة الاحتلال واضحة بعمق 10 إلى 15 كيلومتراً، إدارة محليّة أنيطَ بها جيش لحد ورحلة طويلة من الاستنزاف اليومي ولكن بوتيرة منخفضة. انتقلتْ مع هذه المرحلة صُوَر الحصار البيروتي إلى حرب روتينيّة رصيدُها اليوميّ عبوات وكمائن وغارات وشهداء وطبعاً أسرى.
خمسة عشر عاماً من الاستنزاف صنعت قناعة متزايدة في الداخل الإسرائيلي، مفادُها أنّ البقاء في جنوب لبنان لا يُنتج أمناً مستداماً داخل إسرائيل نفسها. السؤال الكبير يتضخَّم: لماذا نبقى؟ وما هو هذا الأفق لهذا الوجود؟ هذه الأسئلة والعمليّات التي ترافقت معها أوصلتْ في أيار 2000 إلى الانسحاب الأحادي. انسحابٌ يخلو من المفاوضات المباشرة، ويخلو طبعاً من اتفاق سلام. انسحاب سريعٌ، وسقوط الحليف (جيش لحد) المحلي في ساعات. الجنوب يعودُ إلى السيادة اللبنانية شكلياً، لكن ذلك يخفي معادلة جديدة كانت قد وُلدت. القوة وحدها لا تكفي لتبرير البقاء.
تموز 2006
12 تموز 2006. التاسعة صباحاً يختطف حزب الله جنديين إسرائيليين من الحدود المحتلّة. تقرّر إسرائيل شنّ حرب على لبنان بحجة استعادة الجنديين. تدخلُ القوات الإسرائيلية إلى قرى الجنوب وتتوغّل عميقاً. تصل إلى تخوم الليطاني في بعض المحاور. التوغّل الإسرائيلي كان يمكن أن يتحول إلى إعادة إنشاء شريط أمني جديد. لكن ذلك لم يحدُث. حربٌ استمرّت 33 يوماً بلا توقّف.
المجتمع الدولي وجهود الحكومة اللبنانيّة تتوصّل إلى القرار 1701 الذي وضع إطاراً لوقف النار. انتشر في إثره الجيش اللبناني جنوب الليطاني لأول مرة منذ عقود، وعُزز وجود اليونيفيل. لم يحقق الجنوب حسماً عسكرياً معلناً ولم يشهد الجنوب احتلالاً دائماً. فقط توازنٌ هشٌ قُدِّرَ له أن يصمدَ لسنوات طويلة.
تذكُّر الحرب في 2006 يُعيدُ إلى الذاكرة حدّ القدرة على تحويل الحرب إلى احتلال مستدام. ولربما الذي منعَ ذلك من التحقّق هي الكلفة البشرية السريعة، وحجم الضغط الدولي، وما قيل وقتذاك أنّه "معادلة الردع المتبادلة". عواملُ كثيرة أوقفت الاجتياح عند سقف معيّن.
احتمال توغُّل.. وما بعده
اليوم، وفي معمعة الحرب الدائرة التي أطلقها الحزب من خلال صواريخه الستة على إسرائيل انتقاماً لمرشد الجمهورية علي خامنئي، يكثر الحديث عن إمكانيّة حصول توغُّل إسرائيلي في الداخل اللبناني. توضح التقديرات أن التوغُّل حين يحصل لن يكون تكراراً ميكانيكياً لسيناريوهات سابقة. العوامل في الجنوب اللبناني تغيّرت جذرياً. إسرائيل تبتعد عن دخول جنوب لبنان كما دخلته في العام 1978، ولا حتى كما اجتاحته عام 1982. آنذاك كانت الأهداف محددة. في الوقت الذي تتجلّى المشكلة في البنية وليس فقط في الجغرافيا.
التهديد بين الطرفين انتقل إلى مرحلة أبعد من التموضع في مساحة يمكن عزلها بين الحدود والليطاني. صارت شبه متداخلة مع البنية العسكرية المنتشرة، ومع ما تبقى من معادلة الردع، وأيضاً الشبكة الإقليميّة التي تجعل أي احتكاك محدود عرضة للتوسّع. وهذا بالتحديد ما حصل عقِبَ إطلاق الحزب لصواريخه. كلّ هذه التفاصيل تجعل الحديث عن "توغّل صغير" إشكالياً بحد ذاته. لأن الصغير هنا، موضوع الحديث، من الطبيعي أن لا يبقى تحت السيطرة.
قراءة التجربة الإسرائيلية السابقة في لبنان، تدفعُ الناظر إلى ملاحظة النمط الثابت إسرائيلياً. يتلخّص هذا النمط بأنّ كلّ اجتياح يبدأ وهدفهُ تقليص التهديد، وسرعان ما ينتهي بتوسيع نطاق الاشتباك، واجتياح 1982 مثالٌ واضح وفعّال. العمليّة التي بدأت محدودة انتهت إلى حصار عاصمة. البيئة الدولية آنذاك كانت مختلفة، وهامش المناورة كان أوسع.
هنا يبرز السؤال الحقيقي المقسوم إلى قسمين، هل تستطيع إسرائيل الدخول؟ وهل تستطيع الخروج بشروط واضحة بعد الدخول؟
التقديرات توضح أنّ التوغّل البري في الجنوب لن يكون محصوراً في خانة الخطوة العسكرية المعزولة. ففي منطق الحروب الحديثة، لا تتحرّك الجيوش إلى الأرض إلا حين يكون الهدف أبعد من تدمير موقع أو إسكات منصة. الدخول البري يعني محاولة فرض واقع جديد، وكتابة شروط جديدة على الطاولة السياسية. ومن الطبيعي أن يكون سقف هذا التوغّل، حين يحصل، أبعد من حدوده الموضعيّة. الهدف الأسمى للاجتياح البري سيكون تحصيل ورقة استسلام معلنة، أو اتفاق سلام مُقنّع. بمعنىً آخر ضمانة صلبة لأمن إسرائيل تُنتزع بالقوة ثم تُترجم سياسياً.
شيئاً فشيئاً يتحوّل الجنوب إلى ساحة تفاوض بالقوة، وكل مترٍ يُحتلّ مؤقتاً، يُراد له أن يتحوّل ورقة ضغط دائمة. لذلك فإن أيّة قراءة تُخفّف من سقف الأهداف أو تختزلها بردع موضعي، تُخطئ في فهم طبيعة الصراع وأدواته. المسألة، في جوهرها، تتخطّى حدود العملية العسكرية وتتحوّل لمحاولة لإعادة صياغة ميزان الردع نفسه، وإنتاج لحظة سياسية كبرى عنوانها: أمن إسرائيل أولاً، وبأيّ صيغة ممكنة. بهذا المعنى، ينتهي السؤال إن كان التوغّل سيقع فحسب، ويعوَّضُ عنه بماذا سيُراد له أن يُنتج؟ ربما لأنّ نهاية العمليّات البريّة، تُقاس بعدد الأيام أولاً، وأيضاً بنوع الوثيقة التي ستُوقَّع بعدها.
