"غد بظهر الغيب واليوم لي وكم يخيب الظن بالمقبل" (رباعيات الخيام).
عندما يُطرح احتمال مواجهة واسعة مع إيران، تبدو الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل صلبة إلى حدّ الإيحاء بتطابق كامل في الأهداف. غير أنّ التحالف، مهما كان متينًا، لا يلغي اختلاف الأفق الاستراتيجي. فإسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها التهديد الإقليمي الأكبر الذي يجب تحييده لإتمام تفوقها وإغلاق "جبهة الشمال" وما يتفرّع عنها. فيما ترى واشنطن في الملف الإيراني حلقة ضمن صراع أوسع مع الصين على شكل النظام الدولي: ممرات الطاقة والتجارة، قواعد التكنولوجيا والتمويل، وسلاسل الإمداد التي تُنتج النفوذ الحقيقي.
هذه المفارقة في وحدة الوسيلة واختلاف الغاية تفسّر كثيرًا من التباينات في الإيقاع والخطاب بين العاصمتين. فإسرائيل تميل إلى حسمٍ سريع يغيّر قواعد اللعبة الإقليمية، بينما تفضّل أميركا إدارة الصراع بحيث يظل قابلاً للضبط، كي لا يتحول إلى استنزاف طويل يبتلع أولوياتها الكبرى في الهند والمحيط الهادئ.
أولًا: الهدف الإسرائيلي هو إزالة المنافس الإقليمي وإعادة هندسة البيئة الأمنية
منذ تأسيسها، تبنّت إسرائيل عقيدة أمنية تقوم على منع ظهور قوة إقليمية موازية قادرة على تهديدها مباشرة أو استنزافها عبر حلفاء. اليوم تمثل إيران هذا التحدي المركب من برنامج صاروخي متطور واقتراب دائم من العتبة النووية ونفوذ ممتد عبر وكلاء أو شركاء في أكثر من ساحة. بالنسبة لتل أبيب، أي مواجهة كبرى ليست مجرد ردٍّ على تهديد، بل فرصة لإعادة هندسة البيئة الإقليمية. من هنا، فإضعاف إيران اقتصاديًا وعسكريًا، وتقليص قدرتها على تمويل وتسليح الحلفاء، يعني عمليًا تفكيك حالة التهديد المتعدد الجبهات. النتيجة المرجوة ليست هدنة مؤقتة، بل ميزان ردع يميل بوضوح وديمومة لصالح إسرائيل بخفض القدرة الصاروخية وتقليص التموضع العسكري غير المباشر وإرسال رسالة بأن كلفة بناء منظومات ردع جديدة ستكون باهظة ومستمرة ليس لإيران لوحدها بل لكل المنطقة.
لهذا تميل إسرائيل إلى خطوات حاسمة وسريعة. فالزمن، من منظورها، يعمل ضدها كلما اقتربت إيران من قدرات ردعية أعلى أو من بنية نفوذ أكثر صلابة. في مثل هذه القراءة، الحرب ليست حدثًا معزولًا بل محطة لإغلاق ملفّات متراكمة، ولو عبر كلفة عالية، لأن الكلفة المؤجلة قد تصبح أعلى وهذا ما جعل إسرائيل تحث واشنطن على العمل العسكري بسرعة.
ثانيًا: الهدف الأميركي هو احتواء إيران ضمن صراع أكبر مع الصين
أما واشنطن، فتنظر إلى إيران ضمن إطار أوسع عنوانه المنافسة مع الصين. منذ إطلاق "مبادرة الحزام والطريق" عام 2013، تسعى بكين إلى بناء شبكة ممرات برية وبحرية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتعتمد في ذلك على عقد جيوسياسية مركزية في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. إيران، في هذا التصور، ليست مجرد دولة نفطية، بل هي عقدة محتملة في شبكة الربط البري بين شرق آسيا والبحر المتوسط، وشريك في ترتيبات اقتصادية طويلة الأمد مع الصين.
لذلك، فإن إضعاف إيران لا يُقرأ أميركيًا فقط في سياق أمن الخليج أو حماية حلفاء واشنطن، بل أيضًا في سياق تعطيل إحدى حلقات الامتداد الاقتصادي الصيني، أو على الأقل جعلها أقل جاذبية وأعلى كلفة وأعلى مخاطرة. لكن الولايات المتحدة، على خلاف إسرائيل، لا تريد غالبًا حربًا مفتوحة تُغرقها في الشرق الأوسط لسنوات. فهي تدرك أن مركز الثقل الحقيقي للمنافسة مع الصين يقع في المحيطين الهندي والهادئ، بالتكنولوجيا والتحالفات الآسيوية والسيطرة على سلاسل القيمة والردع البحري طويل الأمد. من هنا يظهر التوازن الدقيق في ردع إيران وإبقائها تحت سقف، من دون التورط في مستنقع يستنزف الموارد عن الجبهة الآسيوية. وهذه النقطة هي التي قد تُنتج فجوات تكتيكية بين واشنطن وتل أبيب. فإسرائيل قد تفضّل إنهاء المهمة بصورة أكثر جذرية، بينما قد تعتبر واشنطن أن الإدارة المتدرجة للصراع أقل كلفة وأكثر اتساقًا مع هدفها الأكبر.
ثالثًا: الطاقة كساحة للصراع غير المباشر
الصين أكبر مستورد للطاقة عالميًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج وروسيا وأفريقيا. هذا الاعتماد يمنح واشنطن ورقة استراتيجية، لكن ليس على شكل قطع للنفط عن الصين، لأن ذلك غير واقعي وسيصيب الاقتصاد العالمي بأكمله. الورقة الحقيقية هي تحويل الوصول إلى الطاقة إلى ملف قابل للتقييد عند الأزمات، برفع الكلفة وزيادة المخاطر وتعقيد النقل والتأمين أو تضييق هوامش التفاوض.
في هذا السياق، تُفهم العقوبات على دول نفطية كبرى على أنها لا تعيد رسم السياسة فقط، بل تعيد رسم خطوط التدفق أيضًا. لا تهدف واشنطن إلى مصادرة الطاقة، بل إلى إبقاء جزء من إمداداتها ضمن حقلٍ سياسي وقانوني تستطيع عبره فرض شروط على السوق وعلى خصومها. وفي المقابل، توسّع إنتاج الغاز الأميركي وتصديره إلى أوروبا وآسيا يمنح واشنطن قدرة إضافية فكلما ازدادت البدائل أمام الحلفاء، تقلّص هامش المناورة لدى الخصوم. هكذا تصبح الطاقة نظام تحكم وقدرة على التأثير في الاستقرار الاقتصادي لحلفاء واشنطن وخصومها في آن، وقدرة على تقليل اعتماد الشركاء على مصادر تُدار خارج النفوذ الغربي.
رابعًا: الممرات المائية كنقاط اختناق استراتيجية
الاقتصاد العالمي يمر عبر عقد بحرية محدودة. والسيطرة عليها لا تعني إغلاقها، بل القدرة على التأثير فيها بحماية الملاحة عند الحاجة وإرسال إشارات ردعية عند التصعيد وبناء منظومات مراقبة وإنذار مبكر تجعل الخصم في حالة قلق دائم من احتمالات التعطيل.
هناك ثلاثة ممرات رئيسية تجعل هذه الفكرة واضحة:
1- هرمز والخليج: أي اضطراب كبير ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وعلى الاقتصادات المعتمدة على نفط الخليج، وفي مقدمتها الصين.
2- ملقا: شريان حيوي لواردات الطاقة الصينية، ونقطة اختناق قابلة للتحول إلى عقدة ضغط في أي صراع بحري واسع.
3- السويس–البحر الأحمر–باب المندب: عقدة تربط آسيا بأوروبا، وأي اضطراب فيها يزيد الكلفة ويعيد تشكيل المسارات التجارية.
لكن هنا يجب الانتباه إلى مفارقة مهمة: سلاح الممرات "مكلف"، لأن تعطيل الملاحة لا يعاقب الخصوم وحدهم، فقد يرفع الأسعار ويُصيب حلفاء واشنطن قبل غيرهم. لذلك غالبًا ما تعمل هذه الورقة كـردع أكثر مما تعمل كـبوابة تٌفتح وتُغلق بلا ثمن.
خامسًا: التدجين لا التدمير هي فلسفة واشنطن في مواجهة الصين
الولايات المتحدة لا تستطيع ولا تريد تدمير التجارة العالمية التي تستفيد منها، لكنها تستطيع "تدجين" صعود الصين عبر أدوات لا تبدو عسكرية في ظاهرها، لكنها استراتيجية في أثرها بإعادة صياغة قواعد التمويل والبنية التحتية بتوجيه الاستثمارات والمعايير والضمانات بحيث لا تتحول الموانئ والطرق إلى أدوات نفوذ سياسي وأمني للصين. وبناء ممرات اقتصادية بديلة بربط الهند وأوروبا والخليج، أو دعم ممرات برية تقلّل الاعتماد على نقاط اختناق بعينها. وتقييد تصدير التكنولوجيا المتقدمة كالرقائق، المعدات، والبرمجيات الحساسة، لأن التفوق طويل الأمد يتحدد في الإنتاج المعرفي لا في القذائف وحدها. هذا مع إبقاء عقد الطاقة والملاحة ضمن نطاق النفوذ ولكن ليس عبر احتلالها، بل عبر تحالفات أمنية وقواعد تشغيل تجعل الاستقرار مشروطًا. بمعنى آخر، الهدف ليس شلّ الصين، بل جعل صعودها محكومًا بسقف يظل داخل النظام الذي تمسك واشنطن بمفاصله الأساسية.
لكن، هل يمكن لأميركا تثبيت تفوقها لعقود؟
الجواب الواقعي هو أنه يمكنها الحفاظ على تفوق معتبر، لكن السيطرة لعقود لن تكون بهيمنة أحادية مريحة بل ستكون تفوقًا متنازعًا عليه يعتمد على خمس رافعات، ولكل رافعة كلفة وحدّ. أولًا، التفوق البحري الذي يمنح نفوذًا على الممرات، لكنه مكلف سياسيًا واقتصاديًا إذا استُخدم في التعطيل الفعلي. ثانيًا، من خلال الطاقة ولكن ليس احتكارًا للمصادر بل تحكمًا في هامش الأمان، أي القدرة على جعل الإمدادات أعلى كلفة بأعلى مخاطرة للخصم عند الأزمات. ثالثًا، بالمال والقانون والتكنولوجيا، فقلب المعركة الحقيقي يكمن في شبكة العقوبات، الدولار، قواعد الامتثال، وضوابط التصدير. هذه أدوات تُبطئ الخصم وتضعف ابتكاره وتحدّ من قدرته على تحويل الاقتصاد إلى قوة. رابعًا، التحالفات وهي عامل الحسم، فالتفوق الأميركي عبارة عن شبة علاقات. لكن الشراكة لها ثمن سياسي وقد تتأثر بالشارع وبالكلفة الاقتصادية وبالخوف من التورط.
لكن الخطر الأكبر هو أن تتحول الحرب إلى استنزاف في الشرق الأوسط يُشتت الموارد عن الصراع في المحيط الهادئ، أو أن تُسرّع الصين بدائلها البرية والطاقية والبحرية، أو أن يحدث ارتداد اقتصادي عالمي يضعف واشنطن من الداخل. لكن الخلاصة هي نعم، واشنطن قد تبقى الأقوى، لكن قوة من هذا النوع ستحتاج إدارة دقيقة للكلفة، وإلا تحولت الحرب من أداة لضبط الصعود الصيني إلى سبب لتسريع تحولات النظام العالمي ضدها.
ما هي خطة إسرائيل للمنطقة بعد الحرب؟
لا توجد خطة واحدة معلنة مكتوبة على نحو نهائي، لكن من تتبع العقيدة الأمنية والنقاشات الاستراتيجية، يظهر مسار متكرر يمكن تلخيصه في أربعة أعمدة: 1- تفكيك المحور بتقليص قدرات الفاعلين المرتبطين بإيران، خصوصًا حيث يهددون الداخل الإسرائيلي بالصواريخ أو الاستنزاف. 2- استمرار الحملة بين الحروب بصيغة أشد بعمليات استباقية وتحت العتبة لحروب واسعة لتقليص القدرات ومنع التموضع وإعادة التسلح. 3- ترتيبات حدودية وأمنية جديدة في لبنان وسوريا بجعل المنطقة أكثر أمنًا بعوائق وتكنولوجيا مراقبة وربط أي تهدئة بشروط سلاح وإمداد. 4- توسيع التطبيع والاندماج الإقليمي من خلال تحويل التفوق العسكري إلى نظام علاقات اقتصادية وأمنية، لكن بشروط أصعب بسبب الكلفة السياسية للحرب والسؤال الفلسطيني وتأثير الصورة العامة.
إذن، ما بعد الحرب في الرؤية الإسرائيلية، إذا تحقق لصالحها، يعني شرق أوسط يقوم على خصم إيراني أضعف ومردوع، جبهة شمالية مفككة القدرة، عمليات استباقية دائمة تمنع العودة إلى نقطة الصفر، واندماج إقليمي انتقائي يربط الأمن بالاقتصاد.
هنا يتقاطع الهدفان في إضعاف إيران ومنعها من التحول إلى قوة مهيمنة أو عقدة استراتيجية مستقلة في شبكة آسيوية بديلة. لكنهما يفترقان في مدى التصعيد المقبول. فإسرائيل قد ترى في حرب واسعة فرصة تاريخية لإزالة التهديد جذريًا. لكن الولايات المتحدة قد ترى في الحرب الشاملة مخاطرة تشتت تركيزها عن آسيا، وترفع أسعار الطاقة عالميًا، وتفتح فراغًا قد تستفيد منه قوى أخرى. هنا يكمن جوهر المعادلة، فتل أبيب تفكر بمنطق الإقليم، وواشنطن تفكر بمنطق النظام العالمي.
ماذا يمكن أن تفعل الدول العربية مع تركيا أمام الوضع الجديد؟
إذا كان ما بعد الحرب يعني شرق أوسط أكثر هشاشة، وسباقًا على الممرات والطاقة، واشتداد منافسة القوى الكبرى، فإن أفضل ما يمكن للعرب مع تركيا هو بناء تحالفات وظيفية مرنة بشبكات تعاون محددة الهدف، بدل محور صلب يُجبر الجميع على التموضع في خانة واحدة. الفكرة قد تكون بتحويل أمن الممرات (هرمز–البحر الأحمر–السويس) من ملف تديره القوى الكبرى وحدها إلى ترتيب إقليمي مشترك بغرفة عمليات بحرية ومعلوماتية لتبادل الإنذار المبكر وتتبع المخاطر. وتوحيد إجراءات حماية البنى التحتية للطاقة والموانئ ومحطات التسييل وشبكات الكهرباء والكوابل البحرية. مع بروتوكول طوارئ لوجستي بفرق إصلاح وقطع غيار ومسارات بديلة وإسناد سريع عند الضربات أو الاضطرابات.
يمكن أيضًا بناء تحالف دفاع جوي وصاروخي متدرج بدل مشروع درع واحد قد يكون ثقيلًا سياسيًا، فيمكن بناء طبقات لإنذار مبكر ورادارات مشتركة ودمج بيانات واعتراضات موضعية حول المدن والبنى الحيوية وتدريب وتوحيد معايير التشغيل والاتصالات. هذا يرفع القدرة الدفاعية من دون فرض اصطفاف سياسي كامل على الجميع.
يمكن أيضًا بناء تحالف الاقتصاد واللوجستيات بممرات برية بديلة تقلّل الابتزاز البحري. ففي عالم تُهدَّد فيه البحار، يصبح للممرات البرية معنى استراتيجي باتفاقات أمن ممر لحماية السكك والطرق والمراكز الجمركية وربطها بتسهيلات عبور. كما يمكن بناء شراكات تمويل وتشغيل تجمع رأس المال الخليجي مع الخبرة التركية في الصناعة والبنية التحتية. كما ربط الممرات بكابلات اتصال وشبكات طاقة لخفض الهشاشة.
تحالف شرق المتوسط: طاقة + تهدئة بحرية + استثمار
يمكن تحويل شرق المتوسط من ساحة نزاعات إلى منصة أمن طاقة بتنسيق استخراج وتسييل وتصدير حيث أمكن. وآليات فنية لتخفيف النزاعات البحرية. ومشاريع كهرباء وغاز تخدم أمن الطاقة العربي والتركي معًا.
وحتى لو كان الردع ضروريًا، فإن التحالف الذكي يحتاج مسارًا تفاوضيًا يوازي المسار العسكري بإطار عربي–تركي–وساطي، بحسب ما تسمح به التوازنات، يركز على حماية المدنيين والبنى التحتية وخفض التصعيد. مع ضمانات متبادلة تمنع تحويل المنطقة إلى حرب استنزاف مستمرة. فأفضل صيغة هي شبكة تحالفات بحسب الملف: من أمن الممرات ودفاع جوي تدريجي وممرات برية ولوجستيات وطاقة شرق المتوسط وقنوات خفض التصعيد. بهذا الشكل تتجنب الدول العربية الارتهان لقوة خارجية واحدة، والانجرار إلى حرب بلا سقف، وفي الوقت نفسه تحوّل الجغرافيا من المضائق والممرات والموانئ إلى ورقة قوة تفاوضية بدل أن تبقى نقطة ضعف.
خاتمة
الحرب مع إيران لن تكون مجرد مواجهة إقليمية، بل محطة في صراع أوسع على شكل القرن الحادي والعشرين. بالنسبة لإسرائيل، هي معركة لإتمام التفوق في الشرق الأوسط عبر تفكيك مصادر التهديد متعددة الجبهات. بالنسبة للولايات المتحدة، هي جزء من إدارة صعود الصين عبر ضبط مفاصل الطاقة والتجارة والتمويل والتكنولوجيا. لكن السؤال الحاسم ليس فقط هو هل ستنجح واشنطن في إبقاء العقد الحيوية للاقتصاد العالمي تحت تأثيرها، أم ستنجح بكين في بناء شبكة بديلة تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية؟ وفي قلب هذا كله، يبقى سؤال العرب وتركيا: هل يتحولون إلى ساحات صراع الآخرين، أم إلى فاعلين يبنون شبكات أمن واقتصاد تقلّل الهشاشة وتزيد القدرة على المناورة في شرق أوسط يتبدّل بسرعة؟
