بين صور والنبطية..جنوبيون ضاقت بهم السبل فصمدوا في بيوتهم

حسن فقيهالخميس 2026/03/05
Image-1772706157
فمعظم من يتواجدون هنا غير قادرين على تأمين الأموال اللازمة لاستئجار منازل
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهى أوان الحديث عن أحقية قيام حزب الله بتنفيذ هجوم بالصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما إذا كان الهجوم بدافع دعم إيران، أو أن السبب الحقيقي يكمن في نفاد صبر الحزب من الطرق الدبلوماسية التي لم تأتِ بنتائج تُذكر، أو أن الحديث يجب تأجيله على الأقل لأن اللغة اليوم هي لغة الميدان. فلبنان دخل الحرب الواسعة من جديد، وهناك تهجير لعدد كبير من سكان الجنوب، وتقدم بري للاحتلال من مواقع عدة، ومواجهات في عدد من النقاط مع المقاومة. فما هو حال الميدان اليوم؟ وما حال القرى ومن بقي فيها، خصوصاً بعد الإنذار الأخير الذي وجّهه الاحتلال لسكان جنوب الليطاني بضرورة المغادرة إلى شمال النهر؟

 

الميدان المشتعل جنوباً

ليل الثلاثاء – الأربعاء، وعلى امتداد الجبهة عند الحدود، كانت تصدر أصوات القذائف المدفعية وعمليات التمشيط من قبل جنود الاحتلال. والهدف واضح: تأمين الطريق إلى القرى المدمرة والسيطرة على نقاط ومواقع إضافية في جنوب لبنان.

في معطيات "المدن" المؤكدة أن بلدة الخيام لم يتوقف عنها القصف المدفعي طيلة يومين متتاليين، وأن جنود العدو تقدموا من المطلة إلى كفركلا وقاموا بالتمركز في نقطة عند تلة النحاس. وركّز العدو قصفه المدفعي من الحمامص على غابة الصنوبر عند أطراف راشيا الفخار، وتمركز في منطقة رباع التبن على أطراف بلدة كفرشوبا الحدودية، التي تؤمّن له منطقة كاشفة على الخيام وحلتا وراشيا الفخار. ويستمر القصف المدفعي العنيف مستهدفاً بلدات ميس وحولا وعيتا الشعب وراميا والقوزح. فما هو هدف الاحتلال من ذلك؟

 

أهداف التقدم البري وخريطة السيطرة

حسب معطيات "المدن"، فإن الاحتلال سيحاول التقدم برياً إلى حدود إبل السقي، ثم التوجه نحو مرجعيون، ومن ثم سيحاول التقدم باتجاه مجرى نهر الخردلي والسيطرة على منطقة قلعة الشقيف، التي يعتبرها نقطة استراتيجية تضمن له كشفاً وتأميناً بالنار لحماية قواته وجنوده.

ومن غير المعروف ما إذا كان العدو سيتوجه باتجاه مناطق حاصبيا في حال استطاع التقدم البري. وتؤكد معلومات "المدن" أن الجيش اللبناني مستمر بالتواجد في مراكزه في تلك النقاط التي تشهد تجمعاً صحفياً أيضاً، وأن المعلومات التي تحدثت عن ورود اتصالات للجيش اللبناني في تلك المنطقة عارية من الصحة، حسب تأكيد مصادر عسكرية لـ"المدن". ويؤكد الصحفيون المتواجدون في تلك النقطة أنه في حال مغادرة الجيش فإنهم سيغادرون معه، وذلك مرتبط بحجم تطور العملية البرية وسير المعركة.

 

القطاع الغربي: حشد وانتظار

في القطاع الغربي، حتى اللحظة، لا تشبه الأمور ما هي عليه في الشرقي لناحية تقدم العدو، علماً أن العدو يحشد هنا ويتحضر، ربما، للتقدم إلى مسافة تصل حتى البياضة، وبذلك يكون قد أمّن لنفسه غطاءً كاشفاً على منطقة صور وقراها، علماً أنه يجب عليه اجتياز الخطين الأول والثاني من القرى هناك، وهو الذي وصل خلال فترة الستة والستين يوماً إلى ذلك المكان، لكنه سرعان ما غادره آنذاك.

 

حزب الله: إعادة تموضع واستنزاف

على الضفة الأخرى، بدا حزب الله وكأنه هيّأ نفسه جيداً للمعركة. استهداف لدبابات العدو موثق بالتصوير، وهو أمر كان نادر الحدوث خلال الحرب الماضية، ذلك لأن طرق الاتصال اليوم تبدو أسهل للتنظيم الأصفر عما كانت عليه سابقاً، بعدما انقطع الاتصال مع الذين كانوا يتواجدون في القرى الأمامية، والذين استشهد معظمهم آنذاك.

ونرصد، في سياق متابعتنا لأحداث الجبهة، أن عمليات المقاومة بأغلبيتها الساحقة تنطلق من مناطق شمالي نهر الليطاني، حيث نادراً ما شوهدت صليات صاروخية تنطلق من جنوب النهر كما كان الحال في حرب أيلول، وذلك يعود لإفراغ تلك المنطقة، إلى حد كبير، من عناصر المقاومة والسلاح أيضاً. وأغلب العمليات تتركز على الهجوم بالمسيرات الانقضاضية على مواقع العدو التي تبعد مسافات كبيرة عن الحدود مع لبنان وتقع في تل أبيب وحيفا، مما يشكل توازناً، ولو بسيطاً، اعتقد الإسرائيليون أن المقاومة فقدته.

في المقابل، ينتظر اللبنانيون أن يستخدم الحزب صواريخ ثقيلة تصل إلى وسط تل أبيب، مما قد يشكل ضغطاً على العدو كما حصل في الضربة التي وقعت قبل انتهاء الحرب الماضية بأيام، أي أن يقوم حزب الله بإطلاق صواريخ باليستية تُحدث دماراً يكبح جماح التوسع الإسرائيلي، لا أن يقتصر الأمر على استهداف مواقع وثكنات عسكرية فقط، خصوصاً أن الاحتلال يستهدف تجمعات مدنية في جنوب لبنان.

 

حسابات التوقيت والرسائل السياسية

تؤكد مصادر قيادية في حزب الله لـ"المدن" أن التوقيت كان الأنسب للرد على خرق العدو لاتفاق وقف إطلاق النار، وذلك لانشغاله في الحرب الإيرانية، وأن الحزب يستفيد من هذا الظرف، عكس ما يروّج البعض عن الدخول إسناداً لإيران. فالحزب يرى أنها اللحظة المناسبة لإمكانية تحقيق تقدم بسيط في التوازن الذي فُقد خلال الحرب الأخيرة، لعلّه يحصد شيئاً على طاولة المفاوضات متى انعقدت، ويستطيع بعدها وقف العدوان بشكل كامل على لبنان وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

وتؤكد المصادر أن الحزب جهّز نفسه لهذه اللحظة وأعدّ لها العدة، وليس لديه ما يخسره. هي حرب وجودية في المنطقة، وستصل تبعاتها إلى لبنان سواء بادر الحزب أم لم يبادر. وعن المقاتلين يقول المصدر إن مجاهدي المقاومة وصلوا إلى مناطق متقدمة بأسلحة فردية لمواجهة تقدم العدو البري وتأخيره، فالمعركة، بصراحة، معركة استنزاف. وتزامن الضربات الإيرانية مع ضربات الحزب سيشكل إزعاجاً كبيراً لإسرائيل، لكن لتحقيق أهداف الحزب لا بد من تصعيد حجم الضربات في الأيام المقبلة.

وإن لم تكن الحرب لصالح لبنان هذه المرة، فإن المعطيات تشير إلى محاولة إسرائيل فرض منطقة عازلة تصل إلى خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يضمن من خلالها مستوطناته الشمالية. بمعنى آخر: احتلال وشريط حدودي جديد.

 

الجنوب بين الصمود والعجز

سكان جنوب لبنان لم يغادروا بعد بشكل كامل. والقرى التي تقع في قضائي صور والنبطية يتواجد فيها عدد لا بأس به من السكان، وبعض المحال التجارية تفتح أبوابها أمام الأهالي، ويعود ذلك لأمرين:

الأول: أن سكان الجنوب لا يرغبون بتهجير جديد ونزوح قسري عن منازلهم، وكأنهم بدأوا يعيشون حالة من اللامبالاة نتيجة تكرار الحروب الإسرائيلية على الجنوب، وهذا حال فئة قليلة.

الثاني: الصعوبات المادية. فمعظم من يتواجدون هنا غير قادرين على تأمين الأموال اللازمة لاستئجار منازل وصل بدلات إيجاراتها إلى حد خيالي، خصوصاً وأن معظمهم ضاقت بهم الأحوال المادية بعد الحرب الأخيرة.

في هذا الإطار يقول "ع.ح" لـ"المدن"، وهو مواطن من مدينة صور، إن الأحوال لا تسمح له بتأمين منزل لعائلته في منطقة بعيدة عن الخطر، ولا يريد اللجوء إلى المدارس ومراكز الإيواء مجدداً، معتبراً أن الحياة هناك فيها نوع من "البهدلة" على حد وصفه، ففضّل البقاء في منزله وانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

أما "ف.د" فيقول لـ"المدن" إن راتبه الشهري لا يكفيه لاستئجار منزل بقيمة ألف دولار ودفع ثلاثة أشهر سلفاً، وقد تدمر بيته في الحرب الأخيرة ولم يحصل على بدل إيواء، وقام باستئجار منزل، ولا يستطيع اليوم دفع إيجار منزلين بعدما كان يمتلك منزله الخاص.

حال هذين المواطنَين هو حال العديد من الجنوبيين. هناك مواطنون ما زالوا في بلدة زبقين القريبة من الحدود، والتي تتعرض لقصف عنيف، وهناك من تم إجلاؤهم من مناطق حدودية متقدمة، ولكن عدداً كبيراً في قرى قضائي صور والنبطية ما زالوا صامدين، ريثما تنعدم وسائل الحياة هنا، وعندها لا حول لهم ولا قوة.

 

ثلاثة سيناريوهات ومعركة مفتوحة

إذاً، المعركة في بدايتها، وسبل التوصل إلى حلول منعدمة حتى الساعة، والعين على الميدان، وكأننا أمام المرحلة النهائية للمعركة التي انطلقت في السابع من تشرين الأول عام 2023. نهائي وضعت فيه إيران، "رأس المحور"، نفسها في قلب المواجهة، مما دفعها إلى إشعال المنطقة بأكملها. ودخل فيه الحزب بعدما استعاد بعضاً من عافيته، وأمام دخوله هناك ثلاث سيناريوهات:

الأول: مفاجأة العدو بالتكامل مع الضربات الإيرانية، واستنزافه، وصمود مقاتلي الحزب ومخزونهم العسكري، مما سيعطي لبنان شروطاً أفضل في المفاوضات.

الثاني: تدهور الأوضاع بشكل أكبر، واستطاعة العدو السيطرة على مناطق إضافية في جنوب لبنان، مما سيضع الحزب في مأزق أكبر مع الدولة والبيئة.

الثالث: أن تنتهي الحرب ويعود الوضع لما كان عليه، وعندها سيكون دخول الحزب إلى المعركة بلا نتيجة.

وفي خضم هذه السيناريوهات الثلاثة قد تطول المعركة وقد تقصر، لكن المؤكد أن امتدادها الزمني سيشكل عاملاً ضاغطاً على الناس الذين يأملون في العودة سريعاً إلى قراهم، وأن يجدوا ما تبقى من منازلهم بعد الحرب الأخيرة.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث