انزلق لبنان إلى اللحظات الأكثر قتامة في تاريخه المعاصر، مع دخول التهديدات الإسرائيلية مرحلة التنفيذ الميداني الشامل، إلى حد التلويح بجعل الضاحية الجنوبية تكراراً لنموذج خان يونس في غزة؛ أي الدمار الشامل. وقد وجه الإسرائيليون اليوم إلى سكان الضاحية ومنطقة جنوب الليطاني أوامر بالإخلاء. وتبعتها موجات نزوح بشرية هائلة خنقت شرايين العاصمة والجبل. وهذه الإنذارات ربما تكون إعلان نيات صريحاً ببدء عمليات تدميرية واسعة النطاق تعتمد سياسة "الأرض المحروقة".
فالمعطيات العسكرية تثير الخوف من تنفيذ إسرائيل أسلوب "الغارات السجادية"، وهي عسكرياً استراتيجية تهدف إلى تسوية الأبنية بالأرض لقطع خطوط الإمداد وتدمير بنية حزب الله التحتية تحت الركام. وهذا التصعيد جاء رداً مباشراً على قرار الحزب بتوسيع رقعة النار لتطال العمق الإسرائيلي بصواريخ متوسطة المدى، وهو الخيار الذي وصفه اليوم الوزير السابق وليد جنبلاط بأنه نتيجة أوامر جاءت من إيران.
وفي ظل عجز القوى الشرعية عن كبح جماح الآلة العسكرية لحزب الله أو تنفيذ قرار الجيش بحظر نشاطه المسلح، اتجهت الحكومة اللبنانية نحو مواجهة دبلوماسية وأمنية مع إيران نفسها، عبر قرارات غير مسبوقة، أبرزها إلغاء الإعفاء من التأشيرة للإيرانيين، في خطوة لضبط تدفق الكوادر والعناصر عبر المطار والمرافق الشرعية. وكذلك ملاحقة الحرس الثوري، من خلال ملاحقة عناصر الحرس الثوري الإيراني ومن يرتبط بهم.
ولكن، يبقى السؤال: هل تملك الحكومة الأدوات لتنفيذ هذه الملاحقات على الأرض؟ الواقع يشير إلى أن القرار سياسي بامتياز، ويهدف إلى تبرئة ذمة الدولة اللبنانية مما قد تؤول إليه الأمور، لا أكثر.
هل فات القطار؟ الإجابة تكمن في سرعة التحرك الدولي. وقد توجه إلى بيروت اليوم رئيس الأركان الفرنسي في محاولة لتدارك الكارثة. ففي حين يحزم سكان الضاحية والجنوب حقائب النزوح، يبدو أن المسار العسكري بات أسرع من أي مبادرة دبلوماسية. و"الخروج من المأزق" يتطلب الآن تدخلاً دولياً مباشراً يفرض وقف إطلاق النار مقابل تسليم أمن الجنوب والضاحية إلى الجيش اللبناني حصراً، وهو خيار يبدو "شبه مستحيل" في ظل إصرار إسرائيل على التدمير من جهة، وإصرار حزب الله على المواجهة حتى النهاية.
سياسة تهجير تُبدِّل خرائط الداخل
لم يعد التحذير الإسرائيلي مجرّد ضغطٍ نفسيّ، بل تحوّل إلى أداةٍ عمليّة لإعادة تشكيل الجغرافيا البشرية. حين يُطلّ وزير الماليّة الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قائلاً: "قريبًا سترون الضاحية الجنوبيّة في بيروت كما خان يونس في غزّة"، فهو لا يطلق تهديدًا عابرًا، بل يضع سقفًا سياسيًّا للحرب، عنوانه التدمير كأسلوب حكمٍ بالنار. ثم يأتي المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على منصّة "إكس" ليعمّم الإنذار على "كلّ سكّان الضاحية"، فتتّضح الرسالة، الجنوب وحده لا يكفي، المطلوب توسيع مساحة الصدمة، وكسر ما تبقّى من توازنات الداخل اللبناني عبر دفع الكتلة السكّانية الأكبر من الطائفة الشيعيّة إلى نزوحٍ جماعيّ.
وشملت التحذيرات أحياء برج البراجنة، الحدث، حارة حريك، الشياح، مع توجيهاتٍ تفصيليّة لمسارات الخروج، شرقًا نحو جبل لبنان، وشمالًا نحو طرابلس، مع التشديد: "يحظر عليكم التوجّه جنوبًا". هذه اللغة ليست توصية سلامة، بل هندسة حركة قسرية، تُشبه في منطقها خرائط الإخلاء في غزّة، حيث يتحوّل المدنيّ إلى هدفٍ محتمل إذا تأخّر، وإلى ورقةٍ سياسية إذا غادر.
نزوحٌ وزحمةٌ خانقة
بعد الإنذار، انفجرت الطرقات بالسيّارات، وارتفعت موجات الهلع. توقّفت الحركة في سنّ الفيل، حرش تابت، الأوزاعي، المكلس، وسُجِّلت موجات نزوح من مخيّمات صبرا وشاتيلا. وفي عين الرمانة، تدخّل الجيش اللبناني لتسيير السير وفتح الطرقات التي أقفلتها الزحمة الخانقة. المشهد كان أوضح من أي بيان، دولةٌ تُحاول تنظيم الفوضى لا منعها، وتُدير الازدحام بدل أن تُدير الحرب.
المفارقة الأكثر دلالة أنّ هذا الإنذار تزامن مع جولةٍ إعلامية كانت العلاقات الإعلاميّة في حزب الله تنظّمها لصحافيّين محلّيّين وعرب وأجانب. بين كاميرا تُلاحق الرواية، وطائراتٍ تُهدِّد المكان، يظهر التناقض اللبنانيّ الفج، إعلامٌ يتجوّل فوق برميل بارود، وناسٌ تفرّ لأنّها لا تملك ترف الانتظار.
إسرائيليًّا، تحدّثت القناة 14 عن نيّة هدم عشرات المباني في الضاحية، فيما أعلنت الجبهة الداخليّة أنّ "غاراتٍ جويّة واسعة" ستستهدف بنى تحتيّة تابعة لحزب الله. وعلى الجبهة الجنوبيّة، تحدّثت القناة 15 عن استعداد الجيش لإدخال كتائب إضافيّة إلى مواقع أعمق، وتعزيز قواته في عشر نقاط استراتيجيّة. هذه التسريبات، حتى لو اختلفت تفاصيلها، تُنتج حقيقةً واحدة، الحرب تتوسّع، والتصعيد يُدار كخيارٍ ثابت لا كمناورة.
اتّصال ماكرون - برّي
وسط هذا السواد، طلب الرئيس جوزاف عون من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التدخل لعدم تنفيذ إسرائيل تهديداتها في الضاحية، والعمل على وقف النار سريعاً. وكذلك جرى اتصال بين ماكرون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي قال، وفق ما نُقل، إنّه تداول مع ماكرون "باقتراحاتٍ عديدة" لوقف ما يجري، وأنّ الرئيس الفرنسي أبدى اهتمامًا واستعدادًا للاتّصالات وإرسال المساعدات سريعًا. وفي موازاة ذلك، عُلم أنّ رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون في طريقه إلى بيروت للقاء مسؤولين لبنانيّين، على أن يزور إسرائيل أيضًا، ضمن مسعى فرنسي لبلورة صيغ وقف نار على خطّ بيروت، تل أبيب.
تتحدّث الصيغ المتداولة عن "وقف العمليات العدائيّة من الطرفين" مقابل وقف التصعيد، وعن العودة إلى اتّفاقيّة وقف إطلاق النار، مع طلبٍ من حزب الله لوقف عملياته مقابل وقف الحرب. غير أنّ هذه المعادلة تصطدم بحائطين، إسرائيل تُلوِّح بالتدمير كوسيلة ردع، وحزب الله يُقدِّم المواجهة كقدرٍ سياسي حتى النهاية، وبينهما دولةٌ تُقايض الوقت بالبيانات.
واشنطن تضغط
في الداخل، تُواجه الحكومة اللبنانيّة ضغوطًا متزايدة من الولايات المتّحدة لاتّخاذ خطوات واضحة بشأن عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وتزامنت هذه الضغوط مع تحذيراتٍ إسرائيليّة تعتبر ممثّلي الحرس الثوري في لبنان ضمن "بنك الأهداف" المحتملة. وبدل أن تُقفل الدولة ثغراتها الاستراتيجيّة الكبرى، ذهبت إلى إجراءاتٍ تحمل رمزيّة سياديّة عالية، وفاعليّة تنفيذية موضع شكّ.
ففي جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس، تقرّر تكليف الأجهزة الأمنيّة توقيف كلّ من يثبت ارتباطه بالحرس الثوري والعمل على ترحيله، ومتابعة أي معطيات عن وجود عناصر أو ممثّلين مرتبطين به. كما أُعيد العمل بنظام التأشيرات المسبقة للمواطنين الإيرانيّين بعدما كان الدخول دون تأشيرة، مع تشديدٍ على إجراءات المطار والتدقيق بحركة الدخول والخروج، تحسّبًا لدخول إيرانيّين بجوازات أخرى.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس قانونيًّا فحسب، بل سياسيّ وأمنيّ، هل تمتلك الحكومة القدرة الفعليّة على تحويل هذا القرار إلى واقعٍ ميداني في بلدٍ تتعدّد فيه موازين القوّة؟ أم أنّها تُراكم قراراتٍ تصلح للاستهلاك الدبلوماسي، وتُقدِّمها للعواصم كإثبات حسن نيّة، فيما الميدان يكتب مساره وحده؟
لبنان اليوم في سباقٍ قاسٍ بين زمنين، زمن الدبلوماسيّة التي تبحث عن "وقفٍ متبادل" للعمليّات، وزمن الحرب الذي يتحرّك كجرافة. إذا كان "الخروج من المأزق" يتطلّب تدخّلًا دوليًّا مباشرًا يفرض وقف إطلاق النار مقابل تسليم أمن الجنوب والضاحية للجيش اللبناني حصرًا، فإنّ هذا الطرح يصطدم بواقعٍ أشدّ قسوة، انعدام القدرة على فرضه، وانعدام الإرادة لدى أطرافٍ ترى في التراجع هزيمة.




