عند الثانية والربع من فجر الخميس، سقطت أوهام "الحياد الجغرافي" لشمال لبنان. غارة إسرائيلية عنيفة استهدفت شقة سكنية على أطراف مخيم البداوي، قرب مسجد "خليل الرحمن" في إعلان صريح عن كسر قواعد الاشتباك وتوسعة نطاق الاعتداءات لتشمل طرابلس وتحديداً مخيمها الفلسطيني.
استهدفت الغارة القيادي في حركة حماس وسيم عطالله علي، الذي ارتقى شهيداً مع زوجته، في مشهدٍ أعاد للأذهان فصول المأساة التي تعيشها هذه العائلة؛ فالشهيد هو شقيق الراحل سعيد العلي الذي اغتالته مسيرة إسرائيلية في المخيم ذاته إبان مواجهات العام 2024.
وتعدّ هذه الغارة الأولى من نوعها على مناطق الشمال اللبناني خلال هذه الحرب، بعد أن ظلّت المواجهة محصورة إلى حدّ بعيد في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول تخطي حدود الاشتباك، وإمكانية أن لا تقف الاستهدافات عند حدود معيّنة.
في مخيم البداوي، لم يتأخر رد الفعل الشعبي. فمع ساعات الفجر الأولى، خرج المئات من أبناء المخيم إلى الشوارع، مردّدين شعارات الدعم للمقاومة وحركة حماس، في مشهدٍ يعكس المزاج السياسي السائد داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث اختلطت مشاعر الغضب بالحزن، ليُستعاد خطاب المواجهة في مواجهة الضربات الإسرائيلية.
ما حدث في البداوي لا يمكن قراءته فقط في سياق اغتيالٍ جديد أو ضربةٍ عسكرية محدودة. فالمخيمات الفلسطينية في لبنان لطالما كانت بقعة شديدة الحساسية، أمنياً وسياسياً، نظراً لتعقيداتها الداخلية وارتباطاتها الإقليمية. وأي استهداف مباشر داخلها يحمل في طياته مخاطر مضاعفة، سواء على مستوى الاستقرار المحلي أو على صعيد توسيع دائرة التوتر.
بين دويّ الانفجار وتطاير ركام الشقة المستهدفة، تتكرر قصة حربٍ تتسلّل تدريجياً إلى مساحاتٍ جديدة من الجغرافيا اللبنانية. ومع لملمة جراح مخيم البداوي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كان استهداف "الأستاذ وسيم" خرقاً عابراً، أم أنه استباحة مفتوحة للاعتداءات الإسرائيلية التي ترسمُ وفق مصالحها واطماعها؟
