دخلت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل مرحلة "كسر العظم" الفعلي، مع انتقال الحزب إلى استخدام ترسانته الصاروخية متوسطة المدى لاستهداف العمق الإسرائيلي، وتصعيد وتيرة استهداف الآليات والتحصينات على طول الخط الأزرق. وفيما تضج الأروقة العسكرية بحديث إسرائيلي عن "حتمية" التوغل البري، يبرز تساؤل جوهري حول أسباب التريث الإسرائيلي في شن الغارات الجوية "السجّادية" التي يتوقعها الخبراء وتوقيت البدء بالزحف البري.
ويبدو فيها الميدان مفتوحًا على احتمالاتٍ تتجاوز الاشتباك الحدودي التقليدي إلى محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة. فالمؤشّرات المتراكمة، سواء في الإعلام الإسرائيلي أو في مسار الاتصالات الدبلوماسية، توحي بأنّ إسرائيل لا تتعامل مع ما يجري بوصفه جولة ضغطٍ موضعية، بل باعتباره مسارًا تصعيديًّا منظّمًا يراد له أن ينتج تبدّلًا ميدانيًّا وسياسيًّا في الجنوب اللبناني، وربّما في قواعد الاشتباك كلّها.
في المقابل، لا توحي ردود حزب الله بأنّه في موقع الانكفاء أو فقدان القدرة على الإمساك بالميدان. بل إنّ الساعات الأخيرة أظهرت أنّ البنية العسكرية للحزب، على الرّغم من الضربات النوعية التي طاولت كوادره، لا تزال تحتفظ بقدرةٍ واضحة على "القيادة والسيطرة" الميدانية، وبإمكان المبادرة التكتيكية في نقاط التماس. ويبدو أنّ الانخراط المباشر في استهداف الدبّابات والآليات والمواقع الحدودية ليس مجرّد ردّ نارٍ بنار، بل محاولةٌ منظّمة لمنع الجيش الإسرائيلي من تثبيت نقاط انطلاقٍ آمنة لأيّ توغّلٍ بريّ محتمل.
هذا التزامن بين تصعيد الحزب في العمق، وتمهّل إسرائيل في الانتقال إلى الضربة الجوية الكاسحة، يفتح الباب أمام قراءةٍ سياسية وعسكرية تتجاوز المشهد الظاهر. فإسرائيل، التي لوّحت بعملياتٍ أوسع، لم تقدم حتى الآن على الغارات التدميرية الشاملة التي كثيرًا ما تسبق الاجتياحات البرّية الكبرى. وهذا التريّث، وفق تقديرات محلّلين عسكريين، قد لا يكون تراجعًا، بل جزءًا من تحضيرٍ عملياتيٍّ محسوب، يبدأ بإخلاء مناطقٍ حدودية، ورفع الجهوزية، واستكمال الحشد، تمهيدًا لقرارٍ أكبر لم يحن توقيته بعد.
وقد تعزّز هذا الانطباع مع إعلان الجيش الإسرائيلي بدء تنفيذ عملية توغّلٍ بريّ في جنوبي لبنان تحت ذريعة إقامة "منطقة أمنية" وتأمين "الدفاع الأمامي" عن بلدات الشمال. وتولّت الفرقة 91، المعروفة بفرقة الجليل، مهمّة هذا التحرّك على امتداد الجبهة اللبنانية، من رأس الناقورة غربًا حتى مزارع شبعا شرقًا، في خطوةٍ تحمل من الدلالات أكثر ممّا تحمله من الأهداف العسكرية المباشرة. فمجرد الإعلان عن التوغّل يعني أنّ إسرائيل قرّرت الانتقال من سياسة الضرب عن بعد إلى محاولة الإمساك بجزءٍ من الأرض، ولو مرحليًّا.
وفي المعلومات، أبلغت الولايات المتّحدة لبنان بوجود أفرادٍ يشتبه في انتمائهم إلى "الحرس الثوريّ" الإيرانيّ داخل البلاد، مشيرةً إلى أنّ بعضهم قد يدخل تحت غطاءٍ دبلوماسيّ.
وقائع التوغل والمواجهات
ميدانيًّا، برزت بلدة الخيام بوصفها عنوانًا لهذا التطوّر، بعدما دخلتها القوّات الإسرائيلية وتمركزت أمام مبنى البلدية، في ما يجعلها أوّل عمقٍ سكنيٍّ تدخل إليه القوّات الإسرائيلية في هذه الجولة. كما أفادت معلومات عن توغّل قوّة مشاة إسرائيلية إلى باحة مستشفى ميس الجبل الحكومي وتمركزها داخله، في مؤشرٍ إلى أنّ التوغّل لا يجري على أطراف القرى فحسب، بل يختبر التمركز داخل مواقع ذات رمزيةٍ مدنية وخدماتية أيضًا، بما يرفع منسوب الرسائل العسكرية والنفسية معًا.
في الجهة المقابلة، سارع حزب الله إلى إعلان استهداف ناقلة جندٍ إسرائيلية في حولا "بالأسلحة المناسبة" وتحقيق إصابة مباشرة، قبل أن يعلن في بيانٍ ثانٍ استهداف دبّابة "ميركافا" في البلدة نفسها. وهذه البيانات، بمعزلٍ عن بعدها التعبوي، تعكس حقيقة أنّ الحزب يسعى إلى جعل أيّ تقدّمٍ بريّ مكلفًا ومكشوفًا ومرهقًا، وأنّه يريد منذ اللحظة الأولى إسقاط فكرة "النزهة العسكرية" التي قد تسوّق لها القيادة الإسرائيلية أمام جمهورها الداخلي.
مشهد ديبلوماسي قاتم
سياسيًّا، لا تبدو صورة الاتصالات الخارجية أقلّ قتامةً من الميدان. فوفق معطياتٍ متقاطعة، يجري رئيس الجمهورية جوزاف عون سلسلة اتصالات مع الولايات المتحدة الأميركية، فيما تحاول فرنسا التحرّك على الخط نفسه للضغط على إسرائيل من أجل وقف عدوانها، لكنّ النتائج لا تزال محدودة، إن لم تكن معدومة. وتقول مصادر مطّلعة إنّ "دول القرار" لا تزال تحمّل حزب الله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وتستنكر إطلاق الصواريخ، فيما تثني في الوقت نفسه على قرارات الحكومة اللبنانية المتّصلة بحصر السلاح بيد الدولة. أمّا الرسالة الأخطر، فهي أنّ إسرائيل لا تبدي أيّ استعدادٍ فعلي للتجاوب مع دعوات وقف النار، ما يعني أنّ الغطاء السياسي الدولي، أو على الأقلّ التراخي الدولي، ما زال قائمًا.
وتنقل أوساط لبنانية انطباعًا بالغ السلبية حيال الموقف الأميركي تحديدًا، إذ يبدو وكأنّ واشنطن منحت إسرائيل ضوءًا أخضر غير معلن لمواصلة عملياتها، أو في الحدّ الأدنى امتنعت عن ممارسة ضغطٍ حاسمٍ لوقفها. وهذا ما يعزّز لدى المسؤولين اللبنانيين شعورًا متزايدًا بأنّ لبنان لم يعد أولويةً في الحسابات الأميركية، وأنّ الاهتمام الأكبر ينصبّ على ملفاتٍ إقليمية أوسع، وفي مقدّمها المواجهة مع إيران، بما يجعل الساحة اللبنانية متروكةً، إلى حدّ بعيد، لموازين القوة الميدانية.
حواجز الجيش والمصادرات
في الداخل، يترافق المشهد العسكري مع مسارٍ أمنيّ وقضائيّ متشدّد. فالقضاء اللبناني يواصل تشديد إجراءاته المتعلّقة بحظر النشاط العسكري لحزب الله وحصر عمله في الإطار السياسي تنفيذًا لقرارات مجلس الوزراء. وفي هذا السياق، جرى الاتفاق، إثر تواصلٍ بين وزير العدل عادل نصّار والمدّعي العام التمييزي جمال الحجّار، على توقيف أيّ شخص يضبط بحوزته سلاح غير مرخّص، وتعميم القرار على الأجهزة الأمنية كافّة لتطبيق القانون بحزم، وإحالة الموقوفين إلى المحكمة العسكرية. كما طلب من النيابات العامة المختصّة التشدد في تطبيق القانون وملاحقة حاملي الأسلحة غير المرخّصة.
وبحسب المعلومات، أسفرت الحواجز التي أقامها الجيش اللبناني على الطريق المتّجه من بيروت إلى الجنوب عن توقيف نحو عشرة أشخاص عثر بحوزتهم على مسدّسات غير مرخّصة، ثلاثةٌ منهم أوقفوا عند حاجز مليخ وخضعوا لتحقيقاتٍ مطوّلة. غير أنّ المصادر تؤكد أنّ هؤلاء ليسوا من عناصر حزب الله، بل مواطنون كانوا يحملون أسلحةً حربية خلال تنقّلهم باتجاه الجنوب. كما أنّ التحقيقات لا تزال مستمرّة بشأن الأشخاص الذين أطلقوا الصواريخ والمسيّرات نحو إسرائيل ليل الأحد، من دون تسجيل توقيفاتٍ حتى الآن.
حراك سياسي
بالتوازي، يتواصل الدعم الدولي الرسمي للدولة اللبنانية ولقراراتها السيادية. فقد استقبل رئيس الجمهورية السفير الروسي في لبنان ألكسندر روداكوف، الذي نقل إليه دعم موسكو للقرارات السيادية الأخيرة للحكومة اللبنانية، في سياق موقفٍ روسيٍّ معلن يؤيّد سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووحدته. كذلك أبلغ القائم بأعمال السفارة الإسبانية رئيس الجمهورية دعم بلاده لقرارات الحكومة اللبنانية لجهة حصرية السلاح في يد الدولة، مع إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وإدانة ما أقدم عليه حزب الله أيضًا. أمّا القائم بأعمال السفارة الصينية، فأكّد دعم بكين القوي لسيادة لبنان وأمنه وسلامة أراضيه، ورفضها كلّ الأعمال التي تضرّ بالمدنيين الأبرياء، ودعمها للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق السلام.
وفي بعده الداخلي، لا ينفصل هذا الحراك عن محاولة السلطة اللبنانية إظهار أنّها ما زالت ممسكة بخيوط الحدّ الأدنى من إدارة الأزمة، ولو تحت النار. وقد أوفد الرئيس عون مستشاره العميد أندريه رحّال إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وعرض معه مستجدّات الاتصالات الجارية للضغط على إسرائيل من أجل وقف عدوانها. كما ينعقد مجلس الوزراء في جلسةٍ مخصّصة لمتابعة البحث في التطورات الميدانية وتداعياتها على الصعد كافّة، ولا سيّما في ما يرتبط بالجانب الاجتماعي وملفّ النزوح، بما يعكس إدراكًا رسميًّا بأنّ الحرب لم تعد شأنًا عسكريًّا صرفًا، بل أزمة دولة ومجتمع ومصير.
ثلاثة سيناريوهات
أمّا على المستوى العسكري الاستشرافي، فيضع بعض الخبراء ثلاثة سيناريوهات للتحرّك الإسرائيلي المرتقب. الأوّل هو السيناريو المحدود، أي إنشاء حزامٍ أمنيّ عبر التوغّل بعمقٍ يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات، بهدف تدمير البنية التحتية للحزب ودفعه بعيدًا عن الحدود. والثاني هو السيناريو المتوسّط، ويقضي بالوصول إلى مجرى نهر الليطاني لفرض واقعٍ عسكريٍّ يتماهى مع تنفيذ القرار 1701 بالقوة، وهو خيارٌ يعني عمليًّا الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة وطويلة الأمد. أمّا الثالث فهو سيناريو التطويق، أي تنفيذ عمليات إنزالٍ جوّيٍّ وبحريٍّ خلف خطوط الحزب لقطع أوصال الإمداد بين الجنوب والبقاع، وهو السيناريو الأكثر كلفةً وتعقيدًا وخطورة، لكنّه يظلّ مطروحًا في الحسابات الإسرائيلية إذا رأت القيادة العسكرية أنّ الحسم يتطلّب صدمةً ميدانية واسعة.
لكنّ العامل الحاسم في كلّ هذه السيناريوهات لا يتعلّق فقط بقدرة إسرائيل على التقدّم، بل أيضًا بقدرتها على تحمّل الأثمان. فالجبهة الداخلية الإسرائيلية ستكون أمام اختبارٍ قاسٍ إذا استمرّ حزب الله في توسيع دائرة استهداف العمق بالصواريخ المتوسطة المدى، وإذا نجح في تحويل التوغّل البرّي إلى حرب استنزافٍ يومية. ومن هنا يمكن فهم "الصمت العملياتي" الإسرائيلي الحالي، لا بوصفه ارتباكًا، بل باعتباره مرحلةً فاصلة بين قرارٍ اتّخذ سياسيًّا، وبين لحظة التنفيذ التي تحتاج إلى توازنٍ دقيق بين الجهوزية العسكرية وقدرة الداخل الإسرائيلي على الاحتمال.
في الخلاصة، لبنان يقف اليوم على حافّة المنطقة الرمادية التي تسبق الانفجار الكبير. حزب الله اختار التصعيد في العمق لإثبات حضوره ومنع فرض معادلةٍ جديدة عليه بالقوة، وإسرائيل تمضي في التوغّل التدريجي تحت غطاءٍ ناريٍّ وسياسيّ، وتبدو أقرب إلى تثبيت قرار الحرب البرّية منها إلى التراجع عنه. وبين الطرفين، تقف الدولة اللبنانية في موقع الساعي إلى لجم الانهيار، من دون امتلاك الأدوات الكفيلة بتعديل ميزان النار. وعليه، فإنّ السؤال لم يعد ما إذا كان الاجتياح سيتوسّع، بل متى، وإلى أيّ مدى، وبأيّ كلفةٍ على لبنان والمنطقة معًا.




