يهتزّ الإقليم فيبدو معه لبنان مجدداً كبلد ضعيف، مهزوز، وكلّ القرارات التي فيه خارجة عليه. قراراته بعيدةٌ عنه ويخرج شيئاً فشيئاً من المشهد يوماً بعد يوم. هذا ما أظهرته صورة اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وما استتبعت الحادثة من ردود فعل متسرّعة في لبنان.
وضعَ حزب الله مجدداً لبنان في دائرة النار. نقلَ حزب الله الزلزال الإيراني وتبعاته إلى لبنان. بلا أيّ حساب للشيعة والاجتماع اللبناني برمّته ولا حتى بالوعود التي قطعَها مؤخراً للرؤساء الثلاثة والهيئات التي التقى بها في الفترة الأخيرة. الاغتيال الذي حصلَ في طهران خرج منها وفاقَ قدرتها على التحمّل. بسرعة انتقلَ الحدث الكبير إلى خانة إصابة المحور كاملاً وتجميده وتعطيله وإشعاله عن بكرة أبيه.
لبنان الذي نعرفه لم يجتمع ليقرر. قرّر الحزب في ردّه أن تكون الحسابات خارج الأراضي الإيرانيّة. سبقَت المعطيات هذه توترات عالية في الجنوب اللبناني، مع عودة إلى لغة الرد الحتمي وتوسيع دائرة المواجهة. وربما هنا تبدأ القصّة اللبنانيّة. لم يُدعَ مجلس وزراء طارئ لصياغة موقف وطني جامع حول ما يجب فعله. لم يُستفتَ أحد حول الدخول في مرحلة جديدة من المواجهة.
مرّة جديدة بدا قرار السلم والحرب خارج مؤسسات الدولة. ومع كل تصعيد، يتكرّس واقع أن البلد يُساق إلى معركة لا يملك أدوات إدارتها ولا ضمانات الخروج منها. هكذا يأتي ردّ الحزب بعد اغتيال خامنئي ليحمل أبعاداً تتجاوز التضامن السياسي. ما فعله الحزب قُدِّمَ بوصفه رسالة إقليمية بامتياز. رسالة تجتهد لتقول إنّ الساحة اللبنانية جزء من معادلة الردع الكبرى. لكن السؤال الذي يتقدم خاطرة كلّ لبناني اليوم: هل يحتمل لبنان أن يكون صندوق بريد للردود المتبادلة؟ وهل يملك اقتصادهُ واجتماعه المنهكان القدرة على تحمّل حرب مفتوحة؟ قطعاً لا.
الخوف الذي يسيطر هو في احتمال توسّع الضربات كثيراً لتطال البقاع والجنوب بدائرته الواسعة والذي ترجّح المعلومات أنّه سيحصل. ولكن الأكثر إخافة يكمنُ في ما يليه. التصعيد الواسع، بحسب التقديرات، سيقود إلى اجتياح بري، أو إلى مواجهة طويلة تستنزف ما تبقى من الدولة والاجتماع. والنظر إلى التجارب السابقة يقولُ لنا ببساطة إنّ مثل هذه الحروب لا يمكن لها أن تنتهي بشعارات عالية، أو مقايضات. ربما تقودُ الأمور إلى ورقة سياسية ثقيلة. إما اتفاق سلام/استسلام بشروط قاسية، أو صياغة مركّبة لخضوع لبناني مشروط تفرضه إسرائيل تحت ضغط النار.
شكّلت اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة هوامش أمان مؤقتة، مع مرور الزمن بدت هشّة وهزيلة. تجلّى ذلك في كلّ خرق أو ردّ متبادل. شيئاً فشيئاً تتآكل فكرة التهدئة نفسها. التخبُّط يجيِّرُ العنف ويُحوّله إلى قاعدة. في ظل هذا المسار، يبرز السؤال المؤرق: كم ستطول الحرب، وما هو الثمن الذي سيدفعه المدنيون؟
اغتيال خامنئي غيّر ببساطة قواعد اللعبة في الإقليم، وردّ الحزب المفاجئ أدخل لبنان عملياً في معادلة التصعيد. بين نار الردود المتبادلة واحتمال الفرض السياسي والعسكري في نهايتها، يقف البلد على حافة منعطف وجودي، ونقفُ نحن أمام كارثة شعبية محتملة إذا استمر هذا المسار.
حماية لبنان اليوم تفترض الخروج من دائرة العنف قبل تحوّلها إلى قدر دائم. ربما لأنّ ما ينتظرنا، إن استمر الانزلاق المتهوّر، يتعدّى فكرة جولات المواجهة إلى حدود إعادة رسم خريطة وموقع لبنان في المنطقة بشروط قد لا يملك البلد أيّ قدرة على رفضها.




