لم يتأخر "حزب الله" في حسم موقفه من القرارات الحكومية الأخيرة. وقد عبّر عنه بالنار ميدانيًا، فأضاف إلى الصواريخ واصل رميها في اتجاه اسرائيل، استهداف دبابات "الميركافا" في تلال كفرشوبا ومواقع للاحتلال. وبذلك، هو نقض تمامًا قرار الحكومة الصادر قبل يومين بمنع التورط في الحرب وبحظر أنشطته العسكرية، ورد عليه بالإعلان عن إطلاق "حرب مساندة" جديدة مرتبطة بالتصعيد الإقليمي واغتيال القيادات الإيرانية. ويبدو أنه قرر الاعلان بقوة عن فصل مساره تمامًا عن مسار لبنان الرسمي.
في المقابل، واضح أن الحكومة والجيش أدركا صعوبة التنفيذ "الصارم" لقرار حصر السلاح في لحظة تشتعل فيها المنطقة. وفي الوقت الذي بدأ فيه الجيش اللبناني تحركات أشبه بالرمزية، بإقامة حواجز شمال نهر الليطاني للبحث عن منصات الصواريخ قيل إنها نجحت في توقيف 11 مسلحًا من حزب الله، يرى مراقبون أن هذه الخطوات تهدف إلى إثبات حسن النية أمام المجتمع الدولي، مقابل تجنب الصدام المباشر مع الحزب.
وفي هذا السياق، برزت زيارة سفراء اللجنة الخماسية إلى قصر بعبدا ولقاؤهم بالرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في ما بدا محاولة لتكوين طوق نجاة دبلوماسي محتمل، لعل هؤلاء يساهمون في لجم حرب المساندة الجديدة.
المحور الأكثر غموضًا في هذا المشهد هو سلوك إسرائيل التي توغلت برًا ووسعت نقاط تمركزها البري في الشريط، وتوغلت إلى نقاط استراتيجية جديدة، في حين انسحب الجيش اللبناني من بعض المواقع، وهذا ما يوحي برغبة إسرائيلية في فرض أمر واقع خطر جدًا يتمثل باحتلال مناطق واسعة في الجنوب، وتبقى فيها حتى إشعار آخر.
أول المستتبعات السياسية داخليًا، معلومات ترددت اليوم عن رغبة لدى الرئيس نبيه بري في تجنب التواصل مع حزب الله حتى تكون قد هدأت مشاعر الغضب التي أثارها التورط المفاجئ في الحرب، خلافًا للوعود والتعهدات. ومن جهة أخرى، ترددت معلومات عن توجه لدى المعنيين إلى التمديد للمجلس النيابي لعامين.
الجيش والقضاء العسكري
بدأت تظهر أولى خطوات الدولة اللبنانية بحظر النشاط العسكري لحزب الله وحصر عمله في الإطار السياسي بناءً على قرار مجلس الوزراء الذي صدر يوم أمس الاثنين عقب إطلاق الحزب لعدد من الصواريخ والمسيرات نحو مدينة حيفا شمال الأراضي الفلسطينية.
ما جرى بعد ذلك لم يكن تفصيلًا أمنيًّا عابرًا، بل إعلانًا واضحًا عن لحظة لبنانية جديدة، عنوانها اشتباكٌ مفتوح بين قرار الدولة، وقرار الحزب، والاندفاعة الإسرائيلية التي تبحث عن وقائع ميدانية وسياسية جديدة على الأرض اللبنانية. فبيروت الرسمية قرّرت، ولو متأخِّرة، أن ترفع السقف في مسألة السلاح، في حين اختار "حزب الله" أن يردّ بالنار لا بالسياسة، وأن يضع البلاد أمام معادلة قاسية، إمّا التسليم بمنطقه العسكري، وإمّا الانكشاف على مواجهة داخلية وخارجية في آنٍ واحد.
في هذا المشهد، لم تعد القضية محصورة بإطلاق صواريخ أو بفتح جبهة محدودة. المسألة باتت تتعلّق بمَن يملك قرار الحرب والسِّلم في لبنان، وبمدى قدرة الحكومة على ترجمة قراراتها إلى أفعال، لا إلى بيانات محسوبة. ومن هنا، اكتسبت الخطوات القضائية والأمنية الأخيرة دلالةً تتجاوز بعدها التنفيذي المباشر، لأنّها تؤشِّر إلى محاولة رسم خطٍّ فاصل بين مرحلة كان السلاح فيها مغطًّى سياسيًّا، ومرحلة يُراد لها أن تُدار تحت سقف الدولة وحدها.
أولى الإشارات جاءت من القضاء العسكري، عبر استناباتٍ جديدة سطّرها مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم بحقّ مطلقي الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اللبنانية. والأهمّ في هذه الخطوة أنّها لا تقتصر على حادثة بعينها، بل تحمل معنىً سياسيًّا وقضائيًّا أوسع، مفاده أنّ كلّ عملية إطلاق لاحقة ستُدرَج في خانة الملاحقة، وأنّ الدولة قرّرت، نظريًّا على الأقلّ، نزع الحصانة الضمنيّة عن هذا النوع من العمليات.
التوقيفات والتراخيص
لكنّ هذا المسار لا يزال محفوفًا بالتعقيد. فمطلقو الصواريخ غالبًا ما يتحرّكون في الظلّ، ويستخدمون نقاط إطلاق لا تُكتشَف إلّا بعد التنفيذ، في حين تصل القوى الأمنية والعسكرية إلى المواقع بعد انتهاء العملية. وهذا يعني أنّ قدرة الدولة على التوقيف الفعلي لا تزال محدودة، وأنّ المعضلة ليست قانونية فقط، بل ميدانية وسياسية أيضًا. فالمشكلة لا تكمن في إصدار الاستنابات، بل في امتلاك الإرادة والقدرة على تنفيذها حتى النهاية.
بالتوازي مع ذلك، ظهرت ترجمة أمنية للقرار الحكومي عبر إقامة الجيش اللبناني حواجز على الطرق المؤدّية إلى الجنوب، ولا سيّما عند الزهراني، والمصيلح، والأولي. هذه الحواجز ليست تفصيلًا إجرائيًّا، بل رسالة مزدوجة، داخلية وخارجية. داخليًّا، تريد السلطة القول إنّها بدأت تضع يدها على الممرّات الحيوية التي كانت تُستخدَم، أو يُشتبه في استخدامها، لتسهيل الحركة العسكرية. وخارجيًّا، تسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بأنّها لا تقف متفرّجة أمام عودة الجنوب إلى منصّة اشتعال دائم.
وتفيد المعطيات بأنّ التدقيق يتركّز خصوصًا على المتّجهين نحو صور والقطاعين الغربي والأوسط، وعلى الطرق التي تصل إلى القسم الشرقي من الجنوب. كما أنّ الجيش أوقف تسهيل مرور حَمَلة بطاقات اللجنة الأمنية التابعة لـِ "حزب الله"، وبات يصادر أيّ شحنات سلاح تعبر من خلال حواجزه. وهذه النقطة بالذات شديدة الدلالة، لأنّها تعني أنّ الغطاء السياسي القديم الذي كان يسمح بحركة السلاح، أو يغضّ الطرف عنها، قد سقط، أو أنّ السلطة تريد الإيحاء بأنّه سقط.
والواضح أنّ التحوّل هنا ليس تقنيًّا، بل سياسيٌّ بامتياز. فالسلاح الذي كان يتنقّل في مراحل سابقة من دون ملاحقة، والصواريخ التي كانت تُطلَق بلا مساءلة، كانا يستندان إلى غطاءٍ وفّرته بيانات وزارية وتسويات داخلية معروفة. أمّا اليوم، فبعد خطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، وقرارات مجلس الوزراء الأخيرة، لم يعد الغطاء قائمًا بالشكل نفسه. بل يمكن القول إنّ السلطة انتقلت، ولو ببطء، من موقع التكيّف مع السلاح إلى موقع الاعتراض عليه، ولو أنّها لا تزال تتجنّب الاصطدام المباشر بحامليه.
هنا بالتحديد، تظهر هشاشة المعادلة اللبنانية. فالدولة تريد حصر السلاح بيدها، لكنها لا تبدو قادرة على فرض هذا القرار دفعةً واحدة. والجيش يتحرّك، لكنه يتحرّك ضمن هامشٍ ضيّق يحاول فيه ألّا يتحوّل إلى طرفٍ في نزاع داخلي. والحكومة ترفع عنوان السيادة، لكنها تدرك أنّ ترجمة هذا العنوان تحتاج إلى أكثر من الحواجز والاستنابات، وتحتاج قبل كل شيء إلى ميزان قوىً داخلي وإقليمي غير متوافر حتى الآن.
بري والحزب
في المقابل، يتصرّف "حزب الله" على قاعدة أنّ قرار الحكومة لا يعنيه إلّا بقدر ما يخدم صيغته الخاصة في إدارة الصراع. ومن خلال إطلاق "حرب المساندة" الجديدة، أراد الحزب أن يقول إنّ مرجعيّته الفعلية ليست في مجلس الوزراء، بل في شبكة الاشتباك الإقليمي التي تربطه بطهران ومحور المقاومة. ومن هنا، بدا المشهد كأنّه إعلان فصلٍ رسميّ بين لبنان الدولة ولبنان الحزب، بين المسار الدستوري والمسار العسكري، وبين حسابات الداخل وحسابات المحور.
هذا الفصل يفسِّر أيضًا حجم الإرباك داخل البيئة السياسية اللبنانية. فالمعلومات المتداولة عن رغبة الرئيس نبيه برّي في تجنّب التواصل مع "حزب الله" في هذه المرحلة، تعكس مقدار الغضب من التورّط المفاجئ في الحرب، خلافًا لما قيل سابقًا عن التهدئة وضبط الإيقاع. وإذا صحّت هذه القراءة، فهذا يعني أنّ الحزب لم يفاجئ خصومه فقط، بل أربك حلفاءه أيضًا، أو على الأقلّ وضعهم في زاوية دفاعية صعبة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.
وفي موازاة هذا التوتّر، تتردّد معلومات عن توجّه نحو التمديد للمجلس النيابي لعامين، في ما يشبه محاولة استباقية لتجميد أيّ اهتزاز سياسي داخلي قد ينتج من الحرب أو من تداعياتها. وإذا كان هذا الطرح لا يزال في دائرة التداول، إلّا أنّه يكشف بوضوح أنّ الطبقة السياسية بدأت تتصرّف بمنطق إدارة الأزمة لا بمنطق معالجتها، وأنّ الأولوية لم تعد تجديد الشرعية، بل منع الانهيار المؤسّسي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
إسرائيل "تستثمر"
على الضفّة الأخرى، لا تبدو إسرائيل في وارد الاكتفاء بالردّ العسكري التقليدي. فالتقارير الإسرائيلية المتلاحقة، سواء في الإعلام أو في التصريحات الرسمية، ترسم ملامح استراتيجية أوسع عنوانها استثمار انخراط "حزب الله" في المعركة لفرض وقائع جديدة في لبنان. الحديث الإسرائيلي لم يعد محصورًا بضرب منصّات إطلاق أو استهداف قيادات ميدانية، بل تمدّد إلى الكلام عن إخلاء قرًى، وتوسيع التوغّل البرّي، وضرب البنية المالية، واستهداف بيئات يُشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية.
ما تقوله إسرائيل، بوضوح أو بمواربة، هو أنّها ترى في اللحظة الراهنة فرصةً لإعادة تشكيل الشريط الحدودي، وربّما ما بعد الشريط الحدودي أيضًا. فالتوغّلات البرّية إلى نقاط استراتيجية جديدة، والتمركز في مواقع متقدّمة، والحديث عن السيطرة على مناطق مرتفعة إضافية، كلّها مؤشّرات إلى سعيٍ لفرض أمرٍ واقعٍ ميداني قد يطول أمده، لا إلى تنفيذ عملية محدودة تُطوى سريعًا. وهذا ما يجعل الانسحابات أو إعادة التموضع التي نفّذها الجيش اللبناني من بعض المواقع الأمامية مسألة شديدة الحساسية، لأنّها تفتح الباب أمام فراغ تستفيد منه إسرائيل فورًا.
المشكلة هنا أنّ إسرائيل تحاول تحويل الحرب من ردٍّ على إطلاق نار إلى مشروع إعادة هندسة أمنية وسياسية للجنوب. فهي تتحدّث عن "حماية المستوطنات" و"خلق خط دفاع أمامي"، لكنّ الترجمة العملية لهذه العناوين هي تثبيت حضورٍ عسكري داخل الأراضي اللبنانية، وتوسيع المناطق العازلة، وإبقاء الضغط مفتوحًا إلى حين فرض شروط جديدة على لبنان الرسمي وعلى "حزب الله" معًا.
وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد "اليونيفيل" عبور قوّات إسرائيلية إلى مناطق لبنانية قرب مركبا، والعديسة، وكفركلا، وراميا، أهميةً مضاعفة. فالقضية لا تتعلّق بحادثٍ ميداني محدود، بل بإثبات أمميّ أنّ إسرائيل تواصل خرق القرار 1701 وتحتفظ بمواقع ومناطق عازلة داخل لبنان. كما أنّ تسجيل عشرات حوادث إطلاق النار وموجات الغارات والانتهاكات الجوية، يؤكّد أنّ الحدود لم تعد خطّ تماس مضبوطًا، بل باتت جبهة مفتوحة على احتمالات التوسّع.
في المقابل، فإنّ إعادة تموضع الجيش اللبناني، وانسحابه من نقاط أمامية في بلدات حدودية عدّة، يُقرَآن من زاويتين. الأولى عسكرية، وتقول إنّ المؤسسة العسكرية تحاول حماية عناصرها ومنع وقوعهم بين فكيّ النار الإسرائيلية واندفاعة الحزب. والثانية سياسية، وتوحي بأنّ الدولة نفسها تتراجع ميدانيًّا في لحظةٍ تزعم فيها أنّها تتقدّم سياسيًّا. وهذه المفارقة تختصر جزءًا كبيرًا من أزمة لبنان الراهنة، إذ ترتفع لغة السيادة في البيانات، في حين يتراجع الحضور الفعلي على الأرض تحت ضغط النار.
الدولة على المحك
ولذلك، لا يمكن فصل زيارة سفراء اللجنة الخماسية إلى بعبدا ولقائهم الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام عن هذا المشهد كلّه. فالزيارة ليست بروتوكولية، بل تعبِّر عن محاولة لفتح نافذة احتواء دبلوماسي قبل اتّساع الحريق. المجتمع الدولي يدرك أنّ الحكومة اللبنانية لا تملك فائض قوّة لفرض قراراتها كاملة، لكنه يريد منها على الأقلّ أن تُظهر التزامًا سياسيًّا وأمنيًّا واضحًا، حتى يتمكّن من الدفاع عنها، أو من منع سقوطها الكامل أمام منطق الحرب.
هكذا، يجد لبنان نفسه اليوم في قلب معادلة ثلاثية شديدة القسوة. "حزب الله" يصرّ على أنّه صاحب قرار الاشتباك حين يقتضي الأمر الإقليمي ذلك، والدولة تحاول أن تُثبت أنّها المرجعية الوحيدة من دون أن تمتلك أدوات الحسم، وإسرائيل تدفع باتجاه استثمار هذا الانقسام لتكريس وقائع جديدة بالنار والتوغّل والضغط السياسي. وبين هذه القوى الثلاث، يضيق الهامش اللبناني إلى حدّه الأقصى.
إنّ أخطر ما في المرحلة ليس فقط عودة الجبهة الجنوبية إلى الاشتعال، بل سقوط آخر الأوهام حول إمكان التعايش بين مشروع الدولة ومشروع السلاح خارجها. ما يجري اليوم يقول بوضوح إنّ لبنان دخل مرحلة فرزٍ قاسٍ، إمّا أن تنجح السلطة في تحويل قراراتها إلى مسارٍ تراكمي يعيد الاعتبار للدولة، وإمّا أن يكرّس "حزب الله" نهائيًّا معادلة الدولة المعلّقة، في حين تفرض إسرائيل، تحت النار، حدودًا جديدة للعبة.
وحتى ذلك الحين، سيبقى المشهد مفتوحًا على سؤالٍ واحد، من يحكم الجنوب فعلًا، قرار الحكومة، أم سلاح الحزب، أم اندفاعة إسرائيل التي تعرف كيف تستثمر ارتباك خصومها، وحسابات حلفائهم، وصمت العالم حين يصبح الاحتلال مجرّد "إجراء أمني" في لغة الحرب المفتوحة.




