كشفت وسائل إعلامٍ إسرائيليّةٌ عن تطوّراتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ متسارعةٍ سبقت التّصعيد الميدانيّ الواسع على الجبهة اللّبنانيّة الإسرائيليّة، في وقتٍ تواصل فيه إسرائيل غاراتها على مناطق عدّةٍ في لبنان، بالتزامن مع إنذاراتٍ متكرّرةٍ للسّكّان، وسقوط قتلى وجرحى.
وفي الشقّ السّياسيّ الإسرائيليّ، أفادت القناة 12 الإسرائيليّة بوجود تقديراتٍ تشير إلى أنّ "حزب الله" ما زال يمتلك نحو ألف مسيّرةٍ، وثلاثة آلاف مقاتل، إضافةً إلى قرابة 25 ألف صاروخ، في ظلّ تصاعد التوتّر على الجبهة اللّبنانيّة الإسرائيليّة.
وفي سياقٍ متّصل، ذكرت القناة 14 العبريّة أنّ "الكابينت" الإسرائيليّ شهد نقاشًا حادًّا، قبل دخول "حزب الله" المعركة، بشأن تنفيذ ضربةٍ استباقيّةٍ في لبنان. وبحسب القناة، أبدى وزير الدّفاع ورئيس الأركان دعمهما للهجوم، في حين تحفّظ وزراء آخرون بسبب الخشية من القتال على جبهتين.
وأضافت القناة أنّ النّقاش انتهى عندما أبلغ رئيس الأركان الوزراء بأنّ "حزب الله" بدأ إطلاق الصّواريخ. وفي الميدان، أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّه اعترض مسيّرةً أطلقت من لبنان باتّجاه شمال إسرائيل، كما أعلن لاحقًا رفع جاهزيّته على الجبهة الشّماليّة في إطار تعزيز قواته دفاعيًّا. وأوضح أنّ قوّات الفرقة 91 والفرقة 210 تنتشر في خطوطٍ دفاعيّةٍ متقدّمةٍ داخل المواقع وعلى طول الحدود، وفي المنطقة الدّفاعيّة الأماميّة في جنوب لبنان وسوريا، مشيرًا إلى تعزيز العوامل الدّفاعيّة والهجوميّة، وإبقاء القوّات في حالة جهوزيّةٍ عمليّاتيّةٍ لمواجهة مختلف السّيناريوهات.
الميدان المُشتعل
أمّا ميدانيًّا، فقد بدأ التّصعيد الجويّ الإسرائيليّ في وقتٍ مبكرٍ من اليوم، إذ أغار الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ فجرًا على الضّاحية الجنوبيّة لبيروت ضمن سلسلة غاراتٍ استهدفت المنطقة. وفي وقتٍ لاحقٍ من اليوم، شنّت إسرائيل غارةً جديدةً، من دون إنذار، على الضّاحية الجنوبيّة، واستهدفت، وفق المعلومات الأوّليّة، محيط ملعب الرّاية في الصّفير. وقال الجيش الإسرائيليّ إنّه نفّذ عمليّةً عسكريّةً دقيقةً استهدفت أحد كبار عناصر "حزب الله" في الضّاحية، فيما أفادت "يديعوت أحرونوت" بأنّ الغارة كانت "عمليّة اغتيال".
وبعد ذلك، أعلن الجيش الإسرائيليّ بدء مهاجمة أهدافٍ تابعةٍ لـ"حزب الله" في أنحاء لبنان، مستهلًّا غاراته على الضّاحية الجنوبيّة لبيروت، ثمّ على صور وقانا. وبحسب المعلومات المتوافرة حتّى تلك المرحلة، لم تسفر الضّربات الأولى عن خسائر بشريّة، وسط حركة نزوحٍ كثيفة.
وفي سياق الغارات المتصاعدة، استهدف الجيش الإسرائيليّ منطقة الجناح في بيروت بسلسلة غاراتٍ جويّةٍ عنيفةٍ جدًّا. وأعلن أنّه اغتال مسؤول التّنسيق والاتّصالات بين "حزب الله" و"فيلق القدس" أدهم عدنان العثمان، المعروف بـ"أبو حمزة"، فيما قالت "يديعوت أحرونوت" إنّ النّائب محمد رعد لم يغتل.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ شنّ غاراتٍ على مناطق في البقاع، إذ استهدف منطقة دورس ومحيط "دار الأمل" في بعلبك، كما أغار على بلدة حوش الرّافقة، ما أدّى إلى وقوع ثلاث إصابات.
ثمّ وسّعت إسرائيل نطاق غاراتها على القرى والبلدات الجنوبيّة، فشملت المجادل، ومحرونة، وقانا، والحوش، والبازوريّة، وطرفلسيه، وباتوليه، كما طاولت صريفا، والمنصوري، وبيوت السّياد، وكونين، وبافليه. وتجدّدت الغارات بعد ذلك على معروب ووادي جيلو، فيما استهدفت غارةٌ بلدة طورا والبرج الشّمالي، قبل أن يستهدف الطّيران الإسرائيليّ لاحقًا مدينة بنت جبيل. كذلك شنّ الجيش الإسرائيليّ غارةً من مسيّرةٍ على سيّارةٍ عند مفرق شانيه في قضاء عاليه.
وفي فترة ما بعد الظّهر، كتب المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، أفيخاي أدرعي، عبر منصّة "إكس": "إنذارٌ عاجلٌ إلى سكّان لبنان. انتبهوا إليه بعناية. سيهاجم الجيش الإسرائيليّ قريبًا في أنحاء لبنان بنىً تحتيّةً تابعةً لجمعيّة "القرض الحسن" المرتبطة بـ"حزب الله". وندعو السّكّان المقيمين في المباني الّتي سيشار إليها بالأحمر في الخرائط المعروفة، والّتي ستنشر قريبًا جدًّا، إلى الابتعاد عنها لمسافةٍ لا تقلّ عن 300 متر".
وأضاف أدرعي: "تتحمّل جمعيّة "القرض الحسن" مسؤوليّة جزءٍ كبيرٍ من تمويل "حزب الله"، وتساعده في أنشطته الإرهابيّة، بما في ذلك تمويل التسلّح، وشراء المرافق لتخزين السّلاح، وإقامة مواقع إطلاق، وتمويل رواتب أعضائه، وتنفيذ اعتداءاتٍ إرهابيّةٍ مختلفة. كما تموّل الجمعيّة أنشطة "حزب الله" الإرهابيّة ومحاولة إعادة الإعمار، ولذلك سيستهدف الجيش بنىً تحتيّةً عسكريّةً تابعةً لها في أنحاء لبنان. إنّ البقاء بالقرب من هذه المباني يعرّضكم للخطر، وعليكم الإخلاء فورًا".
وعقب هذه الإنذارات، وجّه الجيش الإسرائيليّ تحذيراتٍ إلى سكّان دير الزّهراني، والسّلطانيّة، وتول، وحبّوش، وبنت جبيل، وقانا، ومعروب، والنّبطيّة التّحتا، وصور، ومشغرة، ودير قانون النّهر في جنوب لبنان، وبدنايل، والهرمل، واللّبوة، وعين بورضاي، وحوش الغنم في قضاء بعلبك، إضافةً إلى منطقة الضّاحية الجنوبيّة، وتحديدًا المبنى المحدّد في الخريطة المرفقة والمباني المجاورة له في حيّ برج البراجنة.
وبعد الإنذارات مباشرةً، شنّ الجيش الإسرائيليّ خمس غاراتٍ عنيفةً على المكان المحدّد في الضّاحية الجنوبيّة، كما استهدف معروب وقانا ومبنى "القرض الحسن" في صور. كذلك استهدفت غارةٌ مبنى "القرض الحسن" في مدينة النّبطيّة، فضلًا عن فرع الجمعيّة في بنت جبيل.
وفي تطوّرٍ ميدانيٍّ متّصلٍ وقع قرابة السّاعة الخامسة إلّا عشر دقائق عصرًا، نفّذت الطّائرات الحربيّة الإسرائيليّة غارةً جويّةً استهدفت مبنًى يضمّ فرعًا لجمعيّة "القرض الحسن" على أوتوستراد دير حبّوش، في النّبطيّة، مقابل "حلويّات الشّرق"، بعدما كان قد وجّه إنذارٌ سابقٌ بالابتعاد عنه، ما أدّى إلى تدمير المبنى المؤلّف من عدّة طبقاتٍ تدميرًا كاملًا.
وأفيد أيضًا عن استهداف الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ فرع "القرض الحسن" في تول، فيما استهدفت مسيّرةٌ إسرائيليّةٌ فرع الجمعيّة في عين بورضاي بجوار مدينة بعلبك.
وفي وقتٍ لاحق، وجّه أدرعي إنذاراتٍ جديدةً إلى الضّاحية الجنوبيّة، ولا سيّما في برج البراجنة، بالتزامن مع تهديدٍ مباشرٍ بمهاجمة بنىً تحتيّةٍ قال إنّها تابعةٌ لجمعيّة "القرض الحسن" في عين بورضاي، وحوش الغنم، وبرج البراجنة، وحبّوش، ودير الزّهراني، وقانا، والهرمل، وصور، ودير قانون النّهر، ومعروب، وبدنايل، والنّبطيّة. كما شملت التّهديدات بلداتٍ أخرى في البقاع، بينها الهرمل، وعين بورضاي، واللّبوة، وبدنايل، وحوش الغنم.
وتزامنًا مع ذلك، أصدر أدرعي بيانًا تحذيريًّا من قصف أبنيةٍ في صور، ومشغرة، ودير قانون النّهر في الجنوب، فيما وجّه، مساء اليوم الإثنين، إنذارًا عاجلًا إلى سكّان عددٍ من القرى والبلدات الجنوبيّة، بينها الظهيرة، وطيبة، والناقورة، والجبين، ومطمورة، وعديسة، وبيت ليف، وبليدا، وبني حيّان، وبنت جبيل، وحولا، وحنين، وطير حرفا، ويارون، ويارين، وكفركلا، ومحيبيب، وميس الجبل، ومروحين، ومارون الرّأس، ومركبا، وعيناثا، وعيتا الشّعب، وعيترون، وعلما الشّعب، وربّ الثّلاثين، ورامية، وشيحين، وطلوسة، والخيام.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّ "حزب الله اختار الانضمام إلى النّظام الإيرانيّ، وسيتحمّل نتائج هجماته على إسرائيل". كما زعم، في بيانٍ له، "تأكيد تصفية مسؤول هيئة الاستخبارات في "حزب الله" حسين مقلّد". كذلك أفادت "غرفة الحرب الإسرائيليّة"، في منشورٍ عبر منصّة "إكس"، بأنّ الجيش أكّد القضاء على حسين مقلّد، الّذي وصفته بأنّه رئيس مقرّ الاستخبارات في "حزب الله"، في ضربةٍ دقيقةٍ نفّذت خلال اللّيل في بيروت.
وفي الحصيلة البشريّة، أعلنت وزارة الصّحّة اللّبنانيّة مقتل 52 شخصًا وإصابة 154 آخرين في الغارات الإسرائيليّة منذ أمس. كما أفاد رئيس طبابة قضاء صور في وزارة الصّحّة العامّة، الدّكتور وسام غزّال، بأنّ مستشفيات صور، وحيرام، وجبل عامل، واللّبنانيّ الإيطاليّ استقبلت، حتّى السّاعة، ثلاثة شهداء و37 جريحًا، بعض إصاباتهم خطير. من جهته، أكّد رئيس مستشفى حيرام في صور، الدّكتور سلمان عديبي، أنّ المستشفى وطواقمه الطبّيّة وضعت في جهوزيّةٍ تامّةٍ تحسّبًا لأيّ أوضاعٍ طارئةٍ محتملة.




