نحو شرق أوسط تُديره "القوة بلا كوابح"

خلدون الشريفالاثنين 2026/03/02
Image-1772395952
انهيارُ "المعيار" الذي يُفترض أن يَضبط العالم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة لحظاتٌ في التاريخ لا تحتمل التردّد ولا تغفر الصمت. نحن نعيش إحداها. فالأخطر في الحروب الكبرى ليس عددُ الصواريخ ولا اتّساعُ الجبهات، بل انهيارُ "المعيار" الذي يُفترض أن يَضبط العالم حين يختلّ ميزان القوة.

حين يصبح قتلُ المدنيين تفصيلًا -كما رأينا في غزة- وحين تُسوَّغ المدارس والجامعات ودور العبادة كأهداف، وحين يغدو رأس أي نظامٍ "مادةً عملياتية" على طاولة الاغتيال أو الإطاحة -من صدام حسين إلى معمّر القذافي وعلي عبد الله صالح- تتحوّل السياسة إلى سباق انتقام، ويتحوّل القانون إلى لغةٍ تكميلية لا مرجعية. ويظهر الوجه نفسه لمنطق "القوة" عبر أدواتٍ أقلّ دموية: عزلٌ دوليّ وعقوباتٌ وخنقٌ اقتصادي تحت عناوين "تغيير السلوك" أو "تغيير النظام"، كما في فنزويلا مع نيكولاس مادورو.

وفي هذا المناخ جاء اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في سياق الضربات الأميركية–الإسرائيلية وفي قلب لحظة تفاوض. وبقيت ضربة مدرسة البنات في ميناب جنوبي إيران في الثامن والعشرين من شباط -التي راح ضحيتها أكثر من مئة وخمسين طالبة أثناء الدوام- واحدةً من أكثر الوقائع صدمةً. هنا لا يعود السؤال: من يربح "الجولة"؟ بل: ماذا يبقى من فكرة حماية المدنيين، وماذا يبقى من جدوى الدبلوماسية حين تُكسَر العتبات واحدةً تلو الأخرى؟

 

فخّ الاصطفاف: محورٌ بدل معيار

في مثل هذه اللحظات، لا تُدار الحرب بالسلاح وحده، بل باللغة أيضًا: تُحاصَر العقول بخيارٍ واحد: أن تختار "طرفًا" قبل أن تختار "قاعدة". أن تُسأل: مع مَن أنت؟ قبل أن تُسأل: ما الذي تقبله وما الذي ترفضه؟

وهكذا يبدأ الابتزاز السياسي: اصطفافٌ عاطفيّ سريع يُستبدَل فيه الحكمُ الأخلاقي بحسابات الانتماء. يصبح قتل المدنيين قابلًا للتبرير لأنّ القاتل "يؤذي خصمنا"، ويصبح القمع الداخلي قابلًا للتمويه لأنّ الضحايا "لا يخدمون معركتنا". وفي لحظة كهذه يخسر الرأي العام أثمن ما يملك: القدرة على الحكم خارج القطيع.

هذا الفخ قديم في منطقتنا: صراعاتٌ تُدار بالوكالة داخل بيوتنا، وهندسةُ خلافاتٍ مذهبية وقومية لتصبح هي "المعركة"، فيما يبقى من يدير المشهد بعيدًا عن كلفة الدم. والنتيجة واحدة: استنزافٌ طويل، دولٌ أضعف، ومجتمعاتٌ أكثر قابليةً للاشتعال. المطلوب اليوم ألا نُستدرَج إلى خندقٍ قبل أن نُمسك بالقاعدة: المعيار، لا المحور.

 

أوروبا حين تتذكّر القانون… وتُعلّقه

هنا يدخل العامل الأوروبي كجزءٍ من المشكلة. فحين تُصبح المعايير انتقائيةً عند القوى التي تُقدّم نفسها حارسةً للقانون الدولي، لا يعود القانون مرجعيةً للجميع، بل أداةً في يد الأقوى: يُستدعى حين يخدم توازناتٍ بعينها، ويُعلَّق حين يزعج تحالفاتٍ بعينها.

غرينلاند مثالٌ كاشف: في شأن السيادة الأوروبية وحدود النفوذ في الشمال الأطلسي ترتفع اللغة سريعًا: احترام السيادة ووحدة الأراضي. لكن حين ينهار السقف فوق رؤوس المدنيين في غزة، وحين تُكسَر العتبات في الإقليم من مدرسةٍ إلى اغتيالٍ إلى تصعيد، تنحدر اللغة إلى قاموس رمادي: "قلق" و"دعوات للتهدئة" ووعظٌ عام لـ"ضبط النفس"، بل وإدانةُ المعتدى عليه دون إدانة المعتدي، كأنّ القواعد قابلةٌ للتجزئة بحسب الجغرافيا أو الذاكرة.

هذه الازدواجية ليست نفاقًا أخلاقيًا فقط؛ إنها سياسةٌ تُطلق رسالةً عملية: لا سقفَ واضحًا ولا عقابًا مؤكّدًا ولا معيارًا ثابتًا… بل مساحة اختبارٍ مفتوحة. ومع كل اختبارٍ يمرّ بلا ثمن، تتقدّم "القوة بلا كوابح" -أي إسرائيل- خطوةً أخرى، وتزداد الدول الأصغر شعورًا بأنّها بين خيارين مُرّين: ارتماءٍ في اصطفافٍ يحميها مؤقتًا، أو عزلةٍ أمام منطق الغلبة.

والأخطر أنّ أوروبا، وهي تظنّ أنها تحمي مصالحها بالانحياز الصامت، تُقوّض ما تبقّى من وزنها. فالقوة الناعمة تُبنى بالاتساق؛ وكلّما فقدت أوروبا اتساقها تراجعت قدرتها على التأثير، وانفتح الباب أكثر لسياساتٍ خشنة لا تعترف إلا بالردع والعقاب.

 

إيران ليست فوق النقد: كفّ اليد عن الجوار شرطٌ لوقف الانزلاق

لا يجوز أن يتحوّل نقدُ الغرب إلى صكّ براءة لإيران. ازدواجية المعايير الغربية حقيقة، لكنها تفقد قيمتها إن انتهت إلى تبريرٍ ضمني لسلوك إيران الإقليمي. المعيار واحد: احترام سيادة الدول وعدم تحويل الجوار إلى ساحة اشتباك دائمة.

إذا أرادت إيران منع تحوّل هذه الحرب إلى اصطفافٍ خليجي–عربي ضدّها، فعليها تغيير جوهر سلوكها: التخفّف من منطق الأذرع، ووقف استسهال نقل الاشتباك إلى ساحات عربية وخليجية، والتعامل مع سيادة الدول المجاورة بوصفها حدًّا لا ساحة.

فالسياسة التي تُوسّع النفوذ خارج الحدود لا "تحمي" بقدر ما تُراكم أسباب المحاصرة: تُقنع جزءًا من الجوار أنّ الخطر ليس نظريًا، وتُقنع القوى الدولية أنّ ضربها يمكن تسويقه كـ"حماية للاستقرار". وعندما يصبح القلق وجوديًا تُفتح أبواب الاصطفاف تلقائيًا، لأن الدول لا تنتظر حين تشعر أنّ النار قد تصل إلى بيوتها. كفّ اليد عن الجوار ليس تنازلًا؛ إنه شرطٌ عقلاني لخفض الكلفة ومنع تحويل المواجهة إلى نزاع دموي بين إيران والمنطقة بدلاً من بقائها تحت سقفٍ سياسي يمكن احتواؤه.

 

تركيا: دورٌ ممكن لأن الانفجار سيصيبها أيضًا

ليس المطلوب تحويل تركيا إلى "منقذ" ولا منحها بطولةً مجانية. لكن من الواقعي القول إنّ أنقرة -بحكم الموقع وشبكة العلاقات مع طهران والخليج والغرب- تملك قابلية لعب دورٍ عملي في خفض التصعيد، أو على الأقلّ فتح قنواتٍ تمنع انقطاع الكلام نهائيًا.

الدافع هنا مصلحيّ مباشر: أي انفجارٍ إقليمي واسع سيصيب تركيا في صميم حساباتها -طاقةً وتجارةً وخطوط نقل- وسيُنتج موجات لجوءٍ جديدة وتوتّرًا أمنيًا على حدودها، فضلًا عن اهتزاز الأسواق في محيطٍ ترتبط به اقتصاديًا وسياسيًا. المنطقة تحتاج إلى فرامل، وأي مسارٍ سياسي -ولو مؤقتًا- أفضل من ترك الأرض تنزلق بلا ضابط.

 

"نصر" إسرائيل: الوعد الكاذب بالاستقرار

ثمّة وهمٌ يتسلّل حتى إلى خصوم إيران: أنّ انتصار إسرائيل سيُنتج استقرارًا. الواقع يرجّح العكس. فـَ "الاستقرار" الذي يولد من تفوّقٍ بلا كوابح لا يكون سلامًا، بل إدارةً طويلة للأمن بالقوة، حيث تتوسّع تعريفات "التهديد" و"الوقاية" إلى حدّ يبتلع سيادة الآخرين وقراراتهم.

أي انتصارٍ إسرائيلي يخرج من هذه الحرب بلا ثمنٍ سياسي أو قانوني سيُقرأ كتفويضٍ مفتوح: توسيع نطاق الضربات، وتطبيع الاستباحة، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يخدم طرفًا واحدًا. عندها لا تعود الحدود خطوطًا سياسية، بل "هوامش أمنية" قابلة للتمديد، ولا تعود الدول الصغيرة شريكةً في الاستقرار بل ساحات اختبارٍ متكرّر.

التفوّق غير المقيَّد لا يصنع توازنًا، بل اختلالًا دائمًا؛ والاختلال الدائم لا يُهدّئ المنطقة، بل يُراكم غضبها ويؤجّل انفجارها. ومن يظنّ أنّ النار تُدار من بعيد ينسى كيف تُستهدف التسويات نفسها: قد تُغري بعض العواصم فكرة الإفادة من الحرب دون دفع ثمنها، لكن التجربة تقول إنّ مسار التفاوض قد يصبح هدفًا حين يُراد دفنه: تُضرب منصّات الوساطة، وتُعاقَب القنوات الخلفية، وتُستهدف شروط "التهدئة" كي لا تقوم لها قائمة.

لهذا، فإنّ توسيع الحرب إلى ساحات الجوار-سواء عبر الردود أو عبر تحويل الدول المجاورة إلى ممرّات أو منصّات- قد يتحوّل سريعًا إلى خدمةٍ مجانية لمن يريد إطالة الصراع: حربٌ لا تُحسم ولا تُسوّى، بل تُدار بوصفها حالةً دائمة.

 

معيارٌ واحد: لا تبرير للعدوان ولا تبرير للاستباحة

هذه ليست لحظة حياد، بل لحظةُ تمسّكٍ صارم بمعيارٍ واحد، لا يتبدّل بتبدّل الأسماء ولا يتلوّن بتبدّل الخرائط.

استهداف المدنيين والمدارس ودور العبادة إدانةٌ مطلقة أيًّا كان الفاعل، لأنّ حماية المدنيين ليست تفصيلًا تفاوضيًا. وإسرائيل حين تمارس الاعتداء بلا رادعٍ فعلي -تتوسّع في الضربات وتستبيح الساحات وتختبر حدود المسموح- تُراكم ما لا يمكن السكوت عنه، لأنّ الإفلات من المحاسبة هو الوقود الأسرع لانفلات الحروب. والاغتيالات الكبرى وكسر العتبات ليست "أخبارًا يومية": ما يُكسَر اليوم في قواعد الاشتباك يصعب ترميمه غدًا.

وفي الوقت نفسه، تتحمّل إيران مسؤولية كفّ اليد عن الجوار، لأن توسيع ساحات الصراع يُحوّل المنطقة إلى حربٍ دائمة ويمنح خصومها الذرائع ويستدعي الاصطفافات. وأوروبا مدعوّةٌ إلى تسمية ازدواجيتها بوضوح: قانونٌ يُستدعى حين تُمسّ غرينلاند ويُعلَّق حين تكون الساحات في الشرق الأوسط. والاتساق ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطُ مصداقيةٍ ووزنٍ سياسي.

أي تفوّقٍ بلا كوابح -مهما كان صاحبه- لا يصنع سلامًا، بل يفتح الباب أمام نظامٍ إقليمي قائم على الإخضاع لا على التسوية. المعارك تنتهي يومًا ما: باتفاقٍ، بهدنةٍ، أو بإنهاك. أمّا المعيار إن سقط في ذروة النار فلا يعود؛ لأن خسارته ليست خسارة موقفٍ سياسي، بل خسارة القدرة على الحكم. وحين تسقط هذه القدرة يصبح كل شيء قابلًا للتبرير، بما فيه ما سنبحث له لاحقًا عن عذرٍ فلا نجد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث