لبنان: التسوية بوصفها تهديداً

مروان حربالاثنين 2026/03/02
GettyImages-1240929803.jpg
يعيش لبنان أزمة تعريف للذات السياسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست مشكلة لبنان أنه عاجز عن إنتاج التسويات، بل أنه لا يثق بها. في كل محطة مفصلية، يظهر في الفضاء العام ميلٌ واضح إلى تفضيل لحظة الاشتباك على لحظة التفاهم، وإلى تمجيد الصمود أكثر من تمجيد الحل. كأن الحرب -أو حافتها- تمنح معنى سياسياً وأخلاقياً لا تمنحه التسوية. 

 

في اللحظة الإقليمية الراهنة، حيث المنطقة تقف في مواجهة مفتوحة، يتكرّس هذا الميل بوضوح. الخطاب العام في لبنان مشبع بالكراهية، بالتخوين، وبالتجييش المتبادل. لا يكاد يُسمع صوت يدعو إلى صياغة مصلحة وطنية عليا بقدر ما يُسمع صوت يحدد موقع طائفته داخل الاصطفاف الإقليمي. هنا تحديداً تكمن المسألة: لبنان لا يعيش أزمة ظرفية، بل يعيش أزمة تعريف للذات السياسية.

في الفلسفة السياسية، ليست الدولة مجرد تجمّع بشري فوق رقعة جغرافية، بل هي لحظة تَطابُق بين الإرادة والسلطة؛ بين من يسكن الأرض ومن يملك القرار باسمها. يُقال إن الدولة تقوم على شعب وأرض وسيادة، لكن السيادة ليست بنداً تقنياً ثالثاً يُضاف إلى العنصرين الآخرين، بل هي الروح التي تمنحهما معناهما السياسي. من دونها، يتحول الشعب إلى جماعات، وتتحول الأرض إلى مساحة عبور. لبنان يملك الناس والأرض، لكنه يفتقد تلك اللحظة الجامعة التي تتجسد فيها الإرادة العامة. السيادة فيه لم تُغتصب دفعة واحدة، بل تآكلت ببطء، كما تتآكل الفكرة حين تفقد قدرتها على الإلزام. أُعيد توزيع القرار الوطني على ولاءات تتجاوز الحدود، حتى صار الداخل صدىً لتوازنات الخارج، لا تعبيراً عن تعاقد داخلي حرّ.

 

لكن لماذا نكره التسويات؟

لأن التسوية، في جوهرها، تفترض اعترافاً متبادلاً وشرعية متبادلة. وهي في الحالة اللبنانية تعني ضمناً الاعتراف بأن لا طرف يملك الحقيقة الكاملة ولا الحق الحصري في تمثيل "الوجود". غير أن النظام الطائفي يقوم على عكس ذلك: على سرديات وجودية مغلقة، حيث كل طائفة تُقنع جمهورها بأنها في حالة دفاع دائم، وأن أي تنازل هو تهديد للهوية لا مجرد تعديل في موازين السياسة. هنا تتحول الطوائف من مكونات اجتماعية إلى وحدات تمثيل جيوسياسي. لم تعد توصيفاً لتنوع ثقافي، بل ما يشبه وكالات دبلوماسية غير معلنة. كل طائفة ترتبط بعاصمة، وكل عاصمة ترى في لبنان ساحة نفوذ أو ورقة ضغط. وحين تتصادم المصالح الإقليمية، يُعاد تنشيط الوكالات المحلية.

في هذه البنية، الاشتباك أكثر وضوحاً من التسوية. الاشتباك يُبقي الهوية صافية، يُعزّز الاصطفاف، ويُعيد إنتاج الشرعية الداخلية للزعيم الطائفي. أما التسوية فملتبسة: تُخفف الخطاب التعبوي، تُعيد توزيع النفوذ، وتفرض أسئلة صعبة حول جدوى الارتباطات الخارجية. لذلك تُستقبل بحذر، وأحياناً بعداء مكتوم. المفارقة أن اللبنانيين، كأفراد، يدفعون دائماً ثمن الحرب، لكنهم — كجماعات سياسية — يجدون فيها معنى. الانهيار الاقتصادي، التفكك الاجتماعي، والهجرة الجماعية ليست نتائج عرضية، بل كلفة متكررة لبنية تفضّل لحظة المواجهة على لحظة إعادة التأسيس.

 

الوكالة الطائفية ليست مؤامرة بسيطة تُدار من خلف الستار، بل بنية مصالح معقّدة ومتشابكة، تقوم على تفاعل ثلاث قوى متداخلة. في طرفها الأول يقف الراعي الخارجي، الذي يوفّر الموارد والغطاء السياسي وربما الأمني، مقابل توسيع نفوذه داخل الجغرافيا اللبنانية وتحويلها إلى ورقة ضمن حساباته الإقليمية. وفي طرفها الثاني يتموضع الزعيم الطائفي، الذي يوظّف هذا الارتباط لتعزيز موقعه الداخلي، مقدّماً نفسه وسيطاً حصرياً بين طائفته والعالم، ومحوّلاً العلاقة بالخارج إلى مصدر شرعية وسلطة. أما الطرف الثالث فهو الجمهور القَلِق، الذي يعيش في ظل دولة ضعيفة، فيرى في هذا التحالف شبكة أمان وجودية، ويمنح ولاءه لمن يعده بالحماية في نظام لا يضمن فيه القانون شيئاً. هكذا تتكوّن دائرة مغلقة تتغذّى من مخاوف متبادلة ومصالح متقاطعة، يصعب كسرها لأنها لا تقوم على الإكراه وحده، بل على تبادل المنافع والهواجس. ومن هذا التفاعل تنشأ حلقة مفرغة: ضعف الدولة يعزز الطائفة، وتعزيز الطائفة يضعف الدولة، واستمرار الضعف يبرر مزيداً من الارتهان. في ظل هذه الحلقة، تصبح التسوية خطراً على الجميع: على الراعي الذي قد يخسر ورقته، وعلى الزعيم الذي قد يفقد احتكاره للتمثيل، وعلى الجمهور الذي يخشى فقدان حمايته.

 

لهذا، تُعقد الصفقات في الخارج، وتُنفّذ الأكلاف في الداخل. اللبنانيون يُستدعون دائماً إلى الحروب ولا يُستدعون إلى التسويات. وعندما تُبرم التفاهمات الإقليمية، تُترجم إلى توازن هش يُعيد تثبيت النظام نفسه. يورغن هابرماس يميز بين "هوية تواصلية" تقوم على النقاش العام والمواطنة، و"هوية مغلقة" تقوم على الانتماء الجماعي الصلب. لبنان أسير الثانية. الطوائف لا تتحاور داخل فضاء وطني جامع، بل عبر وسطاء إقليميين. 

كراهية التسويات، إذن، ليست مسألة نفسية، بل بنيوية: تُرفع الشعارات في زمن الحرب، وتُخفض الرؤوس في زمن الاتفاق. أما الدولة، فتبقى مؤجلة، مثل تسوية لا يريدها أحد.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث