وقع المحظور. يمرّ لبنان اليوم بواحدة من أدق وأخطر مراحله التاريخيّة منذ عقود، إذ تتقاطع الضغوط العسكريّة الإسرائيليّة العنيفة مع تحول دراماتيكيّ في الموقف السّياسيّ الداخليّ، وصولًا إلى ملامح أزمة ديبلوماسيّة محتملة مع القارة الأوروبيّة عبر البوابة القبرصيّة. وفي خضّم هذا المشهد، يبدو حزب الله، ولأوّل مرّة بهذا الشكل، في وضعية انكشاف متصاعد في الداخل والخارج.
ومن الواضح أن إسرائيل، بضرباتها التي تستهدف لبنان بعنف، من الجنوب إلى العمق البقاعي وصولًا إلى قلب الضاحية الجنوبية، تنتهج استراتيجية تفكيك ممنهج للبنية القيادية واللوجستية لحزب الله، ولاسيما لجهة تصفية الرموز السياسية والأمنية، والبنى المالية باستهداف مؤسسة القرض الحسن. فالغارات والاغتيالات المتلاحقة توحي بأن المواجهة انتقلت من مرحلة حرب الاستنزاف التي دامت نحو 16 شهرًا إلى حرب تقويض القدرات والهيكليات، فيما الحزب يعاني مأزق حماية الكوادر والمنصات.
وعلى المقلب السياسي، شكل موقف مجلس الوزراء صدمة في الأوساط السياسية، إذ تجاوزت الحكومة لغة التسويف، واتخذت خطوتين مفصليتين: تصنيف النشاط العسكري والأمني للحزب بأنه "خارج عن القانون"، وهو ما يعد سحبًا مباشرًا للشرعية السياسية التي توافرت للحزب عبر البيانات الوزارية السابقة. وإطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد القوى الشرعية، فورًا، استجابة للضغوط الدولية. ويعبر أركان الحكم، بمن فيهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، في مجالسهم وخلف الكواليس عن شعور بـِ "الخذلان". وهذا الشعور نابع من تعهدات سابقة قدمها الحزب بعدم الانجرار إلى مواجهة شاملة أو توريط لبنان في صراعات إقليمية كبرى، وهو ما اعتبره الحلفاء "نكثًا" بالوعود يضع الدولة والبيئة الحاضنة في مأزق صعب.
وفي تطور ديبلوماسي، يرجح أن تكون له تداعياته، جاءت اليوم الاتهامات القبرصية لحزب الله بإرسال مسيّرات استطلاعية في اتجاه القواعد البريطانية في الجزيرة. وهذا التصعيد مع قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، قد يهدد بقطع الطريق أمام الوساطات الأوروبية التي تهدف إلى دعم لبنان وتبريد الجبهة مع إسرائيل، وسعي لبنان إلى الانضمام إلى مبادرة الهند- الشرق الأوسط- أوروبا. ووسط كل هذه التطورات اليوم، ثمة من يعتقد أن لبنان ما بعد المواجهة الحالية لن يشبه أبدًا لبنان ما قبلها.
تصعيد إسرائيلي سياسي وعسكري
في البعد الميداني، تتصرّف إسرائيل على قاعدة أن لحظة إعادة تشكيل قواعد الاشتباك قد حانت. الغارات التي استهدفت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، كما فروع "القرض الحسن" ومراكز وشخصيّات مرتبطة بالحزب، لا تحمل فقط طابع الردّ العسكري، بل تعكس قرارًا بتفكيك البنية التنظيمية والمالية والعسكرية دفعة واحدة. إسرائيل لا تكتفي اليوم بإدارة حرب استنزاف، بل تحاول نقل المعركة إلى مستوى كسر الأعصاب وشلّ المفاصل؛ أي ضرب القيادة، وخطوط الإمداد، ومصادر التمويل، والبيئة التشغيلية في آنٍ واحد.
هذا التحوّل ترافق مع تصعيدٍ إسرائيليٍّ سياسيٍّ واضح. رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، رفع السقف إلى حدّ الإعلان الصريح أن الحرب لن تنتهي قبل إزالة "تهديد حزب الله" من لبنان، مؤكّدًا أنّ الجيش الإسرائيلي انتقل من موقع الدفاع إلى الهجوم، وأنّ الاستعدادات تشمل أيّامًا طويلة من القتال، مع موجات متواصلة من الغارات واستعدادات لعمليات أوسع. وبذلك، يكون الخطاب الإسرائيلي قد تجاوز منطق "الردع" إلى منطق "الحسم"، أو على الأقلّ محاولة فرض وقائع ميدانية تجعل الحزب أمام استنزافٍ مفتوحٍ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
أزمة مع قبرص؟
وفي هذا السياق، جاءت الاتهامات القبرصيّة لتضيف بُعدًا بالغ الخطورة. فحين تُتّهم جهة لبنانية، أو حزب لبناني، بإرسال مسيّرات استطلاعية نحو قواعد بريطانية في قبرص، فإنّ المسألة لا تبقى محصورة في الاشتباك مع إسرائيل. هنا يدخل لبنان، من حيث يدري أو لا يدري، إلى تماسّ مباشر مع الاتحاد الأوروبي، وتحديدًا عبر دولة عضو فيه. وهذا كفيل بتحويل الأزمة من حربٍ على الحدود إلى أزمة ثقة مع أوروبا، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى كلّ نافذة دعمٍ سياسيٍّ وماليٍّ ودبلوماسيٍّ، لا إلى فتح جبهات إضافية مع شركائه المحتملين.
تحديات التنفيذ
الأخطر من كلّ ذلك، أنّ الداخل اللبناني نفسه لم يعد على حاله. القرار الذي خرج به مجلس الوزراء شكّل نقطة تحوّل فعلية في مقاربة الدولة لملف الحزب. للمرّة الأولى بهذا الوضوح، تقول الحكومة إنّ أيّ نشاط عسكريٍّ أو أمنيٍّ خارج إطار المؤسّسات الشرعية مرفوض رفضًا مطلقًا، وإنّ قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد الدولة، وإنّ نشاط الحزب العسكريّ والأمنيّ يُحظر فورًا بوصفه "خارجًا عن القانون". هذا ليس تفصيلًا لغويًا، بل إعادة تعريف سياسية وقانونية لموقع حزب الله داخل النظام اللبناني، بعد أن كان يُمنح، ضمنيًّا أو صراحةً، هامش شرعية عبر التسويات والبيانات الوزارية المتعاقبة.
المعنى السياسي لهذا القرار يتجاوز نصّه. فالدولة اللبنانية تقول، للمرة الأولى تقريبًا بهذه الصراحة، إنّ ما فعله الحزب لم يعد يُقرأ بوصفه "خيار مقاومة" مختلفًا عليه، بل بوصفه تجاوزًا مباشرًا لسلطتها وقرارها وسيادتها. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاشتباك الداخلي، ليس بالضرورة اشتباكًا عسكريًّا، بل اشتباكًا على الشرعية، وعلى حدود السلطة، وعلى وظيفة السلاح، وعلى من يملك حقّ تقرير مصير اللبنانيين في الحرب والسلم.
المعلومات المتداولة في الكواليس تكشف أنّ ما حصل لم يكن مجرّد خلاف تقنيّ داخل جلسة وزارية، بل صدمة سياسية حقيقية. الرئاسات الثلاث تلقّت، في مراحل سابقة، تطمينات بأنّ الحزب لن يذهب إلى الانخراط الكامل في الحرب، ولن يزجّ لبنان في مواجهة إقليمية مفتوحة. لكنّ إطلاق الصواريخ والمسيّرات بدّد تلك التطمينات دفعة واحدة، وولّد شعورًا عميقًا لدى حلفاء الحزب، قبل خصومه، بأنّهم تعرّضوا لخديعة سياسية. ومن هنا تحديدًا يمكن فهم كلمة "الخذلان" التي تتردّد في مجالس السلطة، لأنّ المسألة لم تعد خلافًا في الرأي، بل نقضًا لتعهداتٍ بُنيت عليها رهانات الدولة لتجنيب البلاد الانفجار.
هذا ما يفسّر أيضًا موقف نبيه برّي، أو على الأقلّ ما تسرّب عن دوائره. فالرجل الذي كان غالبًا صمّام أمان بين الدولة والحزب، بدا هذه المرّة غير راضٍ عمّا جرى، إلى حدّ تأييد وزراء "حركة أمل" مقرّرات الحكومة وعدم التحفّظ على القرار المتعلّق بحظر النشاط العسكريّ والأمنيّ للحزب. هنا تكمن المفارقة الأهمّ في جلسة مجلس الوزراء، انقسام "الثنائي" نفسه في لحظة مصيرية. وزراء "أمل" مالوا إلى تثبيت منطق الدولة، في حين اعترض وزيرا الحزب على المنهجية والمضمون، ما يعكس خللًا سياسيًا عميقًا داخل البيئة الحليفة نفسها، ويؤشّر إلى أنّ الغطاء الداخلي الذي استفاد منه الحزب طويلًا لم يعد متماسكًا كما كان.
أجواء الجلسة لم تكن عادية. الغضب كان واضحًا، والقلق أشدّ وضوحًا، والنقاشات حامية إلى حدّ التشنّج. جزء من الاشتباك دار حول صياغة البيان، لكنّ جوهر الخلاف كان أعمق بكثير، كيف يمكن للدولة أن تتصرّف بعد أن وُضعت أمام حربٍ لم تُقرّرها؟ وكيف يمكن للمؤسّسة العسكرية أن تتعامل مع واقعٍ يتطلّب حسمًا سياسيًا قبل أيّ تنفيذ ميدانيّ؟ في هذا الإطار، بدا موقف قائد الجيش لافتًا، إذ وضع الحكومة أمام خيارين واضحين، إمّا المرونة والتفاوض وما يترتّب عليهما، وإمّا الحسم وتوقيف الفاعلين وما يستدعيه ذلك من أثمان. كان ذلك، عمليًّا، طلبًا صريحًا من الجيش للسلطة السياسية بأن تتحمّل مسؤوليتها كاملة وألّا تترك المؤسّسة العسكرية وحدها في منطقة رمادية قاتلة.
ومن هنا اكتسب قرار إعطاء "الضوء الأخضر" للجيش دلالة استثنائية. فالمطلوب ليس فقط منع إطلاق صواريخ أو مسيّرات من الأراضي اللبنانية، بل المباشرة بتنفيذ المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وخصوصًا شمال الليطاني، "بفورٍ وحزمٍ"، وباستخدام كلّ الوسائل الكفيلة بضمان التنفيذ. هذا القرار، إذا تُرجم فعلًا على الأرض، يعني أنّ لبنان دخل عمليًّا مرحلة اختبار غير مسبوقة، لأنّ السقف الذي رُفع سياسيًا لم يعد قابلًا للتراجع السهل من دون كلفة باهظة على صورة الدولة ومصداقيتها أمام الداخل والخارج.
في المقابل، لم تُسقط الحكومة البعد الخارجي من حساباتها. قرارها إعلان الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات، بمشاركةٍ مدنيةٍ ورعايةٍ دوليةٍ، ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل رسالة مزدوجة، إلى واشنطن وباريس والعواصم المعنية بأنّ الدولة اللبنانية مستعدّة للتجاوب، وإلى إسرائيل بأنّ هناك محاولة رسمية لفتح مسار سياسي يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. هكذا حاولت السلطة أن تقول إنّ ما فعله الحزب لا يُعبّر عن قرارها، وإنّها ما زالت متمسّكة بمنطق الاحتواء والتفاوض وتطبيق التفاهمات الدولية ووقف الأعمال العدائية.
لكنّ هذه الرسالة، على أهمّيتها، تصطدم بواقعٍ شديد القسوة. المجتمع الدولي، وخصوصًا القوى الغربية المؤثّرة، لم يعد يقبل بالصيَغ الالتباسية التي أتاحت للبنان، سنوات طويلة، الجمع بين خطاب الدولة ومنطق الدويلة. ثمّة ضغط متزايد، بل حاسم، كما تقول بعض المصادر الوزارية، ومفاده أنّ على لبنان أن يلجم الحزب فعليًّا، وإلّا فإنّ البلاد ستتحمّل تداعيات الفشل. بهذا المعنى، فإنّ القرار الحكومي لا يعبّر فقط عن قناعة داخلية متأخّرة، بل أيضًا عن استجابة مباشرة لضغط خارجي بلغ مستوى الإنذار السياسي.
وفي خلفية هذا كلّه، يلوح شبح الاجتياح البرّي. المؤشّرات الإسرائيلية، سواء عبر استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط، أو عبر أوامر الإخلاء التي طالت عشرات القرى الجنوبية، أو عبر الحديث عن استعدادات لعمليات واسعة جنوب الليطاني، تضع لبنان أمام احتمال توسيع الحرب إلى مستوى أشدّ تدميرًا. وإذا صحّ أنّ الجانب الإسرائيلي أبلغ عبر قنوات الميكانيزم بنيّته التوجّه إلى اجتياحٍ برّيّ، فهذا يعني أنّ الساعات والآتي من الأيّام ليست فقط أيّام قصفٍ وغارات، بل ربما أيّام إعادة رسم خرائط نارٍ ونفوذٍ وميدان.
في هذا المناخ، يصبح الحديث عن "لبنان ما بعد الحرب" أكثر من مجرّد مبالغة. البلاد تقف فعلًا على أبواب تبدّل عميق. حزب الله الذي اعتاد أن يتحرّك من موقع فائض القوّة، أو على الأقلّ من موقع القدرة على فرض إيقاعه على الدولة، يجد نفسه الآن في لحظة انكشاف نادرة، استهداف إسرائيليّ مركّز، ضغط دوليّ متصاعد، اعتراض داخليّ يتقدّم من الهوامش إلى المتن، تململ داخل البيئة الحليفة، وإحراج سياسيّ أمام الدولة التي انتقلت من التبرير إلى الإدانة.
تحديات
ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ الطريق باتت سالكة أمام الدولة. فالفجوة بين القرار والتنفيذ هائلة، والانتقال من النصوص إلى الوقائع محفوف بمخاطر أمنية وسياسية ومذهبية. لكنّ الثابت أنّ ما قبل هذه الجولة ليس كما بعدها. الدولة كسرت، ولو لفظيًا وسياسيًا، أحد أكبر المحرّمات في خطابها الرسمي تجاه الحزب. والحزب خسر، ولو جزئيًا، جزءًا من الحصانة الداخلية التي كانت تُخفّف عنه وطأة الضغوط الخارجية. وإسرائيل تحاول استثمار هذه اللحظة إلى أقصى الحدود، ليس فقط لتوجيه ضربات عسكرية، بل لدفع لبنان الرسمي إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ مع واقع السلاح غير الشرعي.
المشهد، في خلاصته، يتكثّف في معادلة واحدة، إسرائيل تضرب بقسوة، والحزب ينكشف على أكثر من جبهة، والدولة تحاول أن تستعيد ما فقدته من سلطة، لكنّها تفعل ذلك تحت النار، لا في ظروف طبيعية. لذلك، فإنّ الخطر لا يكمن فقط في حجم الدمار أو عدد الغارات أو احتمال التوسّع البرّي، بل في أنّ لبنان دخل لحظة إعادة تعريف شاملة، لموقع حزب الله، ولحدود الدولة، ولطبيعة العلاقة مع الخارج، وللهامش المتبقّي أمام البلد كي لا يتحوّل، مرّة جديدة، إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.




