أفول الإمبراطوريات… ولبنان الدولة!

زياد الصائغالاثنين 2026/03/02
GettyImages-1227973172.jpg
إعادةِ تعريفِ معنى الدولةِ نفسِها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذُ عامِ 1920، ولبنانُ يتشكَّلُ بوصفِهِ كيانًا سياسيًّا حديثًا وُلدَ في لحظةِ تحوُّلٍ إمبراطوريٍّ كبرى. سقوطُ السلطنةِ العثمانيّةِ لم يكن مجرّد حدثٍ إقليميٍّ-دوليّ، بل كان جزءًا من إعادةِ رسمِ خرائطِ العالمِ بعدَ الحربِ الكبرى. وُلدَ لبنانُ الكبيرُ في فضاءِ ما بعدَ الإمبراطوريات، لكنَّه لم يتحرَّرْ تمامًا من منطقِها.

 

في كتابِ "Why Empires Fall: Rome, America, and the Future of the West"، يُبيِّنُ بيتر هيذر وجون رابلي أنَّ الإمبراطوريات لا تسقطُ فجأةً، ولا تنهارُ فقط بفعلِ الغزوات، بل تتآكلُ من الداخلِ حين تعجزُ بنيتُها الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ عن تحمُّلِ أعباءِ الهيمنة. هذا الاستخلاصُ لا ينتمي إلى التاريخِ القديمِ فحسب، بل يُشكِّلُ مرآةً لفهمِ الدولِ المعاصرةِ حين تفقدُ توازنَها البنيويّ.

لبنانُ، وإن لم يكن إمبراطوريّةً، إلّا أنّه نشأَ ضمنَ نظامٍ إقليميٍّ-دوليّ كانت فيه موازينُ القوى تُدارُ بمنطقِ النفوذِ الإمبراطوريّ. منذُ الانتدابِ الفرنسيّ، مرورًا بالاستقلالِ عامَ 1943، وصولًا إلى اتفاقِ الطائفِ عامَ 1989، ظلَّ الكيانُ اللبنانيُّ يتأرجحُ بينَ مشروعِ دولةٍ سياديّةٍ ومسرحِ تنافسِ القوى نفوذ عابر للحدود.

ما يُلفتُ في تحليلِ هيذر ورابلي أنّ روما لم تسقطْ يومَ دخلَها "البرابرة"، بل يومَ أصبحتْ عاجزةً عن تمويلِ نظامِها العسكريّ والاجتماعيّ. تركزَت الثروةُ في أيدي النُّخب، وتآكلتِ القاعدةُ الضريبيّة، وتضخّمتِ الأعباءُ الدفاعيّة. وحين اختلَّ التوازنُ بينَ الإنتاجِ والاستهلاكِ السلطويّ، أصبحَ الانهيارُ مسألةَ وقت.

 

في لبنان، يمكنُ قراءةُ مسارِ الدولةِ من هذا المنظار. بعدَ الاستقلالِ (1943)، بُنيَ نموذجٌ اقتصاديٌّ قائمٌ على الوساطةِ الماليّةِ والخدماتِ، لا على التكامل مع الانتاج. إزدهر القطاعُ المصرفيُّ، وتضخَّمَ الاقتصادُ الريعيّ، فيما بقيتِ الصناعةُ والزراعةُ هامشيّتَين. بدا النموُّ سريعًا، لكنَّه كان هشًّا. ومع مرورِ العقودِ، تشكَّلت طبقةٌ سياسيّةٌ ـ ماليّةٌ احتكرتِ القرارَ والثروةَ معًا. في هذا كانت ترهّلات واعدة بتصدّعات.

 في هذا السياق يشيرُ الكتابُ عينه إلى أنّ "الأزماتِ لا تُدمّرُ الإمبراطوريات، بل تكشفُ هشاشتَها البنيويّة". الأزمةُ الماليّةُ اللبنانيّةُ في العام 2019 لم تُنشئِ الانهيارَ، بل كشفتْه. إنهار النظامُ المصرفيُّ، تبخّرتِ الودائعُ، تآكلتِ شرعيّةُ المؤسّسات، على وقع استباحة للسيادة وأمن لبنان القومي. لم يكن ذلك نتيجةَ صدمةٍ خارجيّةٍ فقط، بل حصيلةَ تراكمٍ طويلٍ من سوءِ الإدارةِ، وتداخلِ المصالحِ، وانعدامِ المساءلة، والانتماءات المافوق دولتيّة.

 الفارقَ الجوهريَّ بينَ روما ولبنان يكمنُ في أنّ الأخير لم يكن يومًا قوّةً مهيمنةً. مشكلتُه ليست فائضَ التوسّع، بل فائضَ الارتهان. فإذا كانت الإمبراطورياتُ تسقطُ حين تعجزُ عن تحمُّلِ أعباءِ نفوذِها، فإنّ الدولَ الصغيرةَ تسقطُ حين تعجزُ عن حمايةِ سيادتِها الداخليّة.

منذُ العام 1920، مرَّ لبنانُ بثلاثِ مراحلَ كبرى. مرحلةُ التأسيسِ والبحثِ عن صيغةِ العيشِ المشترك. مرحلةُ الحربِ الأهليّةِ وانكسارِ الدولة. ومرحلةُ اتفاق الطائفِ التي أعادت إنتاجَ النظامِ السياسيِّ من دون إصلاحٍ اقتصاديٍّ عميق. بين هذه المراحل عاش لبنان على بحر من الأزمات الإقليمية-الدوليّة، وحمّام دماء.

 

يُحذِّرُ هيذر ورابلي من أنّ تركُّزَ الثروةِ بيدِ قلّةٍ يُضعفُ "الطبقةَ الوسيطةَ" التي تُشكِّلُ عمادَ الاستقرار. في لبنان، تآكلتِ الطبقةُ الوسطى بشكلٍ دراماتيكيّ. الهجرةُ أصبحت خيارًا جماعيًّا، والتعليمُ لم يعد ضمانةً اجتماعيّةً، والوظيفةُ العامّةُ تحوّلت إلى أداةِ زبائنيّةٍ لا رافعةَ إنتاج، والسيادة وجهة نظر.

هنا يتبدّى سؤالُ 2026 بوصفِهِ فرصةً لا مجرّد تاريخ. مرورُ مئةِ عامٍ ونيّف على قيامِ الدولةِ اللبنانيّةِ الدستوريّةِ يُمكنُ أن يكونَ لحظةَ مراجعةٍ جذريّة. فالدولةُ لا تسقطُ لأنّها ضعيفةٌ فقط، بل لأنّها تفقدُ ثقةَ مواطنيها. وحين تتآكلُ الشرعيّةُ، يصبحُ أيُّ ضغطٍ خارجيٍّ مُضاعِفًا للانهيار.

في الكتابِ أيضاً إشارةٌ مهمّةٌ إلى أنّ روما لم تختفِ، بل تحوّلت. الإمبراطوريّةُ الشرقيّةُ استمرّت، والنُّظمُ القانونيّةُ الرومانيّةُ شكّلت أساسَ أوروبا الحديثة. السقوطُ إذًا ليس نهايةً مطلقة، بل تحوّلٌ في الشكلِ والوظيفة.

 

لبنانُ اليومَ يقفُ على مفترقِ تحوّلٍ مشابه. إمّا أن يستمرَّ في نموذجِ الدولةِ الهشّةِ القائمةِ على التوازناتِ الطائفيّةِ والاقتصادِ الريعيّ، وإمّا أن يُعيدَ بناءَ عقدِه الاجتماعيّ على قاعدةِ المواطنةِ والعدالةِ الماليّةِ واستعادةِ الاحتكارِ الشرعيِّ للسلاح.

لا يكفي إصلاحٌ ماليٌّ تقنيٌّ، بل يحتاجُ الأمرُ إلى إعادةِ تعريفِ معنى الدولةِ نفسِها. فالسيادةُ ليست شعارًا، بل قدرةٌ مؤسّسيّةٌ على فرضِ القانونِ بالتساوي. والاقتصادُ ليس أرقامًا، بل شبكةُ ثقةٍ بينَ المواطنِ والدولة.

شكَّلَ عامُ 2025 فرصة أن يكونَ سنةَ الإفلاتِ من مسارِ الأفول، شرطَ أن يُدركَ اللبنانيّونَ/ات أنّ الانهيارَ ليس قدرًا تاريخيًّا، بل نتيجةَ خيارات. وكما يُشيرُ هيذر ورابلي، "القوى التي تُسقِطُ الإمبراطوريات هي ذاتُها التي يمكنُ أن تُنقِذَها إن أُعيدَ توجيهُها"؛ أي إنّ إعادةَ توزيعِ المواردِ، وتعزيزَ الإنتاجِ، وترميمَ الثقةِ السياسيّةِ، ليست شعاراتٍ مثاليّةً بل شروطَ بقاء.

 

لبنانُ ليس إمبراطوريّةً، لكنَّه دولةٌ في اختبارِ التاريخ. والاختبارُ لا يُحسمُ بالغلبةِ، بل بالإصلاح. إنّ المئويّةَ الثانيةَ لن تكونَ امتدادًا طبيعيًّا للأولى. إنّها إمّا ولادةٌ جديدةٌ للدولةِ السيّدةِ العادلة، أو استمرارٌ لمسارِ التفكّكِ البطيء.

وفي هذا المعنى، يصبحُ السؤالُ ليس، هل يسقطُ لبنان؟ بل، هل يملكُ شجاعةَ التحوّلِ قبلَ السقوط؟

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث